قصيدة سوريا

قصيدة سوريا

كولاج ورق على قماش لـ تمّام عزام/ سوريا

أنا من تلكَ البلادِ القاسية،

تلكَ البِلادِ الجفافِ التي لا مَاء فِيها.

أنا مِن ذَلِك البَعيدِ السرَاب.

أنا مِن هُناك؛

مِن الطينِ المَجبولِ بعرقِ الفُقراء،

مِن تلكَ البيوتِ المُتلاصقة كَسربِ حَمَامٍ مُهاجِر،

مِن تلكَ السطوحِ التي تَمتَلِئ بصَوَانِي دِبْسِ البَندورَة فِي مَوسمهِ،

مِن تلكَ البَرنداتِ التي تُجففُ الأُمهاتُ فيها حَباتِ البَاميَة.

 

أنَا مِن تلكَ البلادِ الوَسِخَة،

مِن تلكَ الشوارعِ اْلمَطبَاتِ وَاْلجُوَر،

مِن إسفلتِ الشَوارعِ يَعلقُ بأحذيتِنا الرَخيصَةِ فَيُمزِقُها،

مٍن بلادٍ الجَدّاتِ وَالخُبزِ ذي الرَائِحَةِ الطَيبَة،

مِن بِلادٍ ذَاكِرتُها الحُلوَة هِي الأَكلُ، وَفَقط الأَكلْ.

أنَا مِن تِلكَ البِلادِ الحَارَّةِ اْلتي تَقتلُ أَولَادَها كُلَّ يَوم.

 

أنَا مِن تلكَ الأرضِ البَعيدِةِ،

تلكَ الَتي لمْ أَعدْ أَستطيعُ أَنْ أَرَاها إلّا فِي خَيَالي، أَو فِي الصُوَر،

تلكَ الأَرضِ الأُمنيَّة.

الأَرضُ الحُلُمُ.

 

تِلكَ البِلاد الَتي: الرَماديُّ فِيها سَيِّدُ الأَلوانِ،

الأَلوَانُ مَمنُوعةٌ إلّا حِين رَفعِ الأَعلامِ القَرفِ،

الأنَاشيدُ فِيهَا تُمجِّدُ القَائِدَ الوَاحِدَ الأحَدَ.

 

أنَا مِن تلكَ البِلادِ اْلتي اِسْمُهَا سُورِيّا.

 

سُورِيّا...

هَكَذَا بِألفٍ مَمدُودَةٍ تَصِلُ السَمَاءَ.

هَكَذَا حَلِمْنَا أنْ نَكتُبَهَا يَومًا.

يَوَمَهَا كَانَ حُلُمُنَا بِسُوريّا القَاسيَّة جَمِيلًا،

كانَ حُلُمُنَا نَقِيًّا لَمْ تَعبثْ بِهِ أَموَالٌ وَدُوَلٌ.

 

سُوريّا التَي أَتَذَكرُ الآنَ:

حَلَقَةُ رَقصٍ تَدوُرُ فِي إحدَى سَاحَاتِ القَامشلي فَرَحًا بِعُرسٍ أُجِّلَ طَويلًا لِفَقرٍ مُعَشِعشٍ أَو بِسَبب قِصةِ حُبّ مُخَبَأة.

أُغنياتٌ تَسمعُها وَأنتَ تُدخِنُ عَلى طَاولةٍ كُتِبَ عَليها "التدخينُ ممنوعٌ" فِي مَقصَفِ الجَامِعةِ.

كأسٌ دَبِقٌ مِن الشَاي وَسَندويشةُ الجُبنةِ اْلتي تُلَوِثُ اليَدين بِزيتِها.

لَوحَةٌ مِعلَقةٌ عَلى جِدَارِ دُكَانٍ صَغير كُتِبَ عَليهَا "الدَينُ مَمنوعٌ".

كَلِمةُ "رَمَلًا"، الكَلمةُ الأُولَى التي تَعلمتُها بالعرَبيةِ الفُصحَى،

حِينَها كَانَ مُديرُ مَدرسَتي الابتدائيّةِ يَصرخُ بِها حَاثًا المُتأخرينَ عَلى الاصطفافِ الصبَاحِي مِن أجلِ ترديدِ شِعاراتِ الحزبِ.

كُرةُ القَدمِ فِي شَوارعٍ زُفتتْ عَلى عَجلٍ وَجروحُ في رُكبِنا، وَصياحُ الأُمَهاتِ وَشَتَائِمهنّ.

دَفترُ الطَلائعِ وَصُورُ الرَئيسِ وَأولادِهِ.

بِيرةُ بَردَى.

عَرقُ الريَّان.

قَنينةُ النَبيذِ السَيئ.

الحَمراءُ الطَويلةُ وَ"طُولُها الفَاخرُ".

صَلواتٌ لَمْ أَعرفْ يَومًا كَيف يُقيموُنَهَا.

طينُ شوَارعِ القَامشلي وَأحذيّةُ اْلمَطاط.

سُيولُ حَاراتِ دِمشقَ الجَبليّةَ بَعدَ ليلةٍ مَمطِرةَ.

سهرةٌ عَلى سَطحِ بَيتٍ تَعشَّقَ جَبلَ قَاسيون.

مَدارسٌ تُشبِهُ السجونَ بِجُدرَانِها العَاليّةِ وَأبَوابِها الحَديديَّة وَنَوَافِذها المُسيَّجةِ. كَيفَ كُنّا نَتَسلّقُ تِلكَ الجُدرانَ وَنَمشي عليها دونَ خَوفٍ؟

أطفالٌ يَلعبوُنَ بِطينِ مُخيمٌ هُجِروا إليّه بَعدَ جَفَافَ أصَابَ أرَاضٍيهم.

حاراتٌ قَديمَةٌ وَمَطَاعِمٌ وَبَارَاتٌ وَشَوارعٌ تَضمكَ إليّها كلّما شَعرتَ بالتعبِ.

بَاحَةُ الكنيسَةِ.

شَاوُرمَا.

فَلافِلٌ.

هِمبَرغَرٌ مَع بَيض.

مُسلسَلاتٌ.

بعضُ المَسارحِ وَبعضُ دُورِ السِينَما.

حفلاتٌ مُوسيقيّةٌ.

 

سُوريّا التَي أَتَذَكرُ الآنَ:

رَضيعٌ يَموتُ عَلى بَابِ مُستشفَى المَقاصِد في بَيروت لِأنّ وَالدَهُ لَا يَملكُ المَالَ الكَافيَ لإدخالِه العِنايّةَ المِشدّدة.

مُخيماتٌ تُبنَى عَلى عجلٍ.

صُورٌ لِغَرقَى فِي بَحرٍ أَزرقٍ مُمتدٍ حَتى السَماء.

أطفالٌ، غَيرُ مُسجَلينَ فِي دَوائر الحُكومات، يحملوُنَ أَقلامَهم ودفَاتِرهُم مُتوجهينَ إلى مَدارسٍ أُنشِئتْ عَلى عَجَلٍ.

ضِحكةٌ طَويلةٌ بَعدَ عدّةِ صَواريخ أَخطأتِ الهَدفَ بِأمتارٍ قَليلةٍ.

خرابٌ ودمارٌ يَلّفُ الشوارعَ الحَزينةَ.

أَشلاءٌ في بناءٍ مُجاورٍ، تُدفن كيفَما اتفقْ، وتَبقى آثارُ الدماءِ رَدحًا مِنَ الزمنِ قَبلَ أنْ يُزيلَهَا غُبارُ القصفِ العَشوائيّ.

صناديقُ طعامٍ تَكفي عَائلةً لاجِئةً لِمُدةِ شِهرٍ واحدٍ فقط.

أفلامٌ وَثائقيّةٌ.

صُورٌ.

قَنواتُ أخبار.

مَجلاتٌ.

صُحفٌ.

أدويّةٌ مُهرَبةٌ وأسلحة تَقتلُ وتقتلُ وتقتلْ.

أحذيّةٌ عسكريّةٌ.

"بِكلِّ فَخرٍ بِضاعةٌ سوريّة" مَكتوبةٌ عَلى بابِ أحدِ المَحالِ التجاريّة فِي بَرلين.

حقائبُ سفر.

 

سُوريّا...

هَذهِ القَاسيّةُ التَي أخذنَاهَا مَعَنا إلى كُلِّ مَكان.

هَذهِ الطفلةُ التي نُقارنُ بها كلَّ البلادِ المُمتدةِ عَلى خَارطةِ هَذا الكَوكبِ.

هَذهِ المُمتنِعةُ عَنِ النِسيانْ.

هَذهِ القَاسيّةُ،

المَجنونةُ،

الحقيرةُ،

الحَبيبةُ.

هَذهِ التي ذَلّتنَا.

هَذهِ التَي نُحبُّ.

 

سُوريّا البَائُسةُ الحَزينةُ.

سُوريّا المُهدّمةُ.

سُوريّا التي تَضحكُ.

سُوريّا التَي تَبكيُ.

سُوريّا التي تَرقصُ.

سُوريّا التي تُذبَح.

 

سُوريّا هَذهِ التَعيسةُ التَي تُزيّنُ صُورتَها بِضحكةٍ كَاذِبةٍ.

هَذهِ البلادُ الشَرمُوطةُ التي تَتَظاهرُ بالعِفّةِ.

هَذهِ البِلادُ الوَسِخةُ.

هَذهِ الحَاراتُ العَفِنةُ.

هَذهِ المَآذنُ التي تَصدحُ بِالكَذبِ لَيلَ نَهار.

 

 

سُوريّا…

وإنّا نُحبُّ هَذهِ البِلاد.

 

 

سُوريّا مُمتدةٌ إلى دَواخِلِنا.

سُوريّا مَمزُوجَةٌ بالألَمِ وَالأملِ وَصورِ زَبَدِ البَحرِ وَالغرقَى.

سُوريّا أَبوابٌ مَفتوحةٌ للغرباءِ وَمُغلقةٌ فِي وُجوهِنا، نحنُ غُرباءُ هَذا الكَوكب.

 

سُوريّا الجرِيحةُ جُرحًا يَتسّعُ لِمجَراتٍ وَأكوانٍ.

سُوريّا الحَزينةُ حُزنًا يبلَعُنَا لِقرونٍ.

سُوريّا هِي الندبةُ التي نَحمُلُهَا عَلى وُجُوهِنَا أينَمَا حَلَلنا.

سُوريّا العَصيّةُ عَلى التَعريفِ.

سُوريّا المُعمّدةُ بالدمعِ وَالمُغطاةُ بتُرابٍ قَديمٍ مُوغلٍ فِي القِدمْ.

سُوريّا الأَسوارُ.

سُوريّا السجنُ.

 

سُوريّا جسدُ المَسيحِ عَلى الصَليبِ.

سُوريّا صوتُ محمدٍ يَعلوُ وَيَعلوُ.

سُوريّا صلاةٌ وَسُكرٌ وَعربَدةٌ.

سُوريّا صوتُ الله أكبر يَتبعُها صوتُ كُفرٍ.

سُوريّا مُخبأةٌ تحتَ عَباءَاتِ النِساءْ.

سُوريّا المَسجُونةُ في عُقولٍ صَغيرةٍ،

الحُرّةُ فِي قلوبٍ كَثيرةٍ.

 

سُوريّا التَي نَكرَهُ.

سُوريّا التي نُحبُّ.

سُوريّا التي نَتمنَى مَوتَهَا.

سُوريّا التي نَتمنَى أنْ نعيشَ فِيها وَلو ليومٍ وَاحدٍ.

سُوريّا الأعلامُ الكثيرةُ.

سُوريّا اللونُ الوَاحدُ.

سُوريّا المتناقِضةُ.

سُوريّا التَي لا نَعرفُ كيفَ تُسيّرُ يَومِياتِها.

 

سُوريّا الجَسدُ الوَاحدُ.

سُوريّا المُقَسَمةُ.

سُوريّا المَعابرُ وَالحُدودُ وَقُطّاعُ الطُرقات.

سُوريّا القِلَاعُ المُهدمةُ وَالجوامعُ المَقصوفةُ بِصواريخٍ مَحليّةٍ وَبِصواريخٍ دُوليّةٍ.

سُوريّا الكَاذِبَةُ.

سُوريّا الافتراضيّةُ.

سُوريّا التي لمْ تَكنْ حقيقيّةً إلّا فِي تعذيبِ أبنَائِها.

 

سُوريّا القااااااااااااسيّة...

هَكَذَا بألفٍ مَمدُودةٍ تَصلُ السَماءَ.

هَكَذَا حَلُمْنَا أنْ نَكتُبَهَا يَومًا.

 

أَنَا

مِنْ

تِلكَ

البِلادِ.

 

أَنَا مِنْ تلكَ البلادِ

الغَارقةِ فِي المُتوَسِطِ،

مِنْ تلكَ الشَوارِعِ الحَافيّةِ،

وَالأطفالِ الذينَ يلعبونُ كرةَ القدمِ بِجواربٍ قَديمةٍ لُفَّتْ عَلى بَعضِهَا كَيْ تُصبِحَ كُرةً تُقذَفْ.

أنَا مِنْ تلكَ البِلادِ اْلَتي لَا تُشبِهُ البِلادَ.

 

أَنَا مِنْ تِلكَ الأرضِ الطَيبةِ.

أَنَا مِنْ سُوريّاااااااااا.

سُوريّا الحَقيرةُ كَرجلٍ قَتلَ امرأةً بَعدَ أنْ اغْتصبَهَا خَمسَ مَراتٍ وَمِنْ ثمَّ قَطَّعَ أَوصَالَهَا وَرَمَى لَحمَهَا لِلكلابِ.

سُوريّا الخَائنةُ كَعشيقةٍ غَدرَتْ بِمعشوُقِهَا فِي عِيدِ مِيلادِهِ.

سُوريّا التَي تَرقُصُ كُلّمَا مَاتَ أحدُ أبنَائِها.

سُوريّا التَي تَغتالُ كُلَّ مَن يَعشقُها.

سُوريّا الغَاويّةُ.

 

أنا ابنُ هَذهِ القَحبةِ التَي اسمُهَا سُوريّا.

القَاتلةُ كَقاتلٍ مُتَسلسلٍ مُحترِفٍ لَا يُقبَضُ عَليه.

الساحرةُ كَجزيرةٍ لَمْ تُكتَشفْ بَعد.

الكبيرةُ عَلى أبنَائها وَالصغيرةُ عَلى أحلَامِهمْ.

سُوريّا اللاجئةُ إلى اللهِ.

سُوريّا التي لَجَأ اللهُ لَهَا.

 

أَنَا مِنْ تِلكَ الأرضِ الحَزينةِ،

الأَرضِ التَي نزحَ أهلُهَا إلى أرضٍ أُخرَى أَحَنُّ وَأطيبُ،

الأرضُ الثَقيلةُ بِنَا، الخفيفةُ بدمائِنا.

 

سُوريّا، المَرَضُ الذَي لَا نُشفَى مِنهُ،

المُخدّرُ الذَي أَدمنّاهُ

المُسكِرُ الذَي لَا صَحوةَ لنَا دُونَهُ.

 

هِيَ تلكَ البِلادُ الجِلدُ الذَي نُريدُ نَزعَهُ فَلَا نَستطيع؛

تَلبسُنَا وَنَلبسُهَا،

تَملؤُنَا وَنَملؤُهَا،

وَلَا فَكاكَ لَنَا مٍنْ هَذهِ البِلاد.

 

نَحنُ كَرضيعٍ جَائعٍ يَبحثُ عَنْ ثَديٍ يُعطِيهِ الحَليبَ،

فَلا أُمُنَا أَرضعتْنَا،

وَلَا ثَديٌ آخرٌ قَبِلَ أَفَواهَنا الهَرِمَةَ.

 

نَحنُ الذينَ نَشتاقُ إلى الشَمسِ فِي بِلادِنَا وَإلى الحَماماتِ الَتي تَطيرُ فَوقَ سِياجِ بَيتِنَا،

نشتاقُ إلى الزقاقِ الذي يَضيقُ بأجسَادِنَا وَيتسعُ لِأرَواحِ مَنْ رَحَلوا.

نَحنُ الذينَ نَشتاقُ للّغةِ التي بِهَا بَدأنَا وَإليّهَا انتهينَا.

نَشتاقُ إلى ظِلالِنَا وَإلى مَكانٍ يَتسعُ لِأجسَادِنَا.

نَحنُ

مَنْ

لَا

أُمَ

لَنَا

وَلَا

أولادَ

وَلَا

بَلد.

 

وَفِي الصباحِ تَكونُ حِكَايتُنَا هِيَ حِكايَةُ البِلادِ.

البلادِ التَي: المِديّةُ فِيها تَشقُ رِقَاب البَاقية رُؤوسُهم فِي الشوارعِ المُزدحمةِ، حَيثُ يَنامُ المَارونُ أَينَمَا وَجَدُوا مُتسَعًا لأجسَادِهم.

وَفِي الصباحِ لَا صَوتَ فِي البلادِ إلّا صَوتُ الرَصاصِ.

لَا صَوتَ لِي.

لَا صَوتَ لَنَا.

لَا صَدىَ.

لَا بَلدْ.

 

فِي الصَباحِ، الشوقُ يَأخذُنَا إلِى البلادِ، حَيثُ القَلبُ مُتكئٌ عَلى جَسدٍ بَعيدٍ بُعدَ الغَيمةِ عَنْ سَطحٍ سَفينةٍ غَارقةٍ فِي البَحرِ، قَريبٍ قُربَ الأُوكسجِين مِن رِئتي اليُمنى.

لَا حُبَّ فِي هَذي البِلادِ.

لَا عاطفةً هارِبةً مِن أبٍ يحنوُ عَلى ابنةٍ.

لَا نُقطةَ حليبٍ معرّشَةً عَلى ثَدي الأمُ البلدُ.

لَا بلد.

لَا بلد.

لَا بلد.

 

وَفِي الصَباحِ حِينَ يَكونُ الجَسدُ هَاربٌ مِنَ المَوتِ مُرتَمِيًا تَحتَ سِكةِ قطارٍ أَو تَحتَ دَبابةٍ،

وَحيثُ الهاربُ مِنَ المَوتِ غَارقٌ فِي مُلُوحَةِ البَحرِ الأزرقِ، حَيث اللَا بلد، نَبكي.

وَنَبكِي.

 

وَ

نَ

بْ

كِ

ي.

 

وَأنتُمْ،

تَعالُوا كُلَّ يَومٍ وَتَفرَجُّوا عَلى مَوتِنا.

تَعالُوا إلينا حَامِلينَ فَناجِينَ قَهوتِكُمْ وَاستمتِعُوا بِنَا.

مَع انبلاجِ الصُبحِ تَعالُوا،

وَتَفرَجُوا كَيفَ نَموتُ بصمتٍ،

وَكيفَ نتَفسُ نَفسَنَا الأخيرَ فِي زَبدِ البحرِ الأزرقِ.

تَعالُوا إلى سَاحاتِ الرَصاصِ.

فِي الفَجرِ، وَحينَ الموتُ يَكونُ كِيماويًا، لَنْ تَعرفُوا صوتَنَا.

نَحنُ لَا صوتَ لنَا.

تَعالُوا إليّنَا هُنَا كَي تَروا كيفَ نموتُ وحيديِنَ

دُونَ سندٍ وَلَا نَصير.

تَعالُوا وَتفرجُوا علينا، نَحنُ الفُقراءُ، كَيفَ نَموتُ وَأجسامُنَا مَدهونةٌ بِالطينِ؛

فَمِنْهُ خُلُقنَا وَإليّهِ نَعودُ.

تَعالّوا إلينَا وَتَفَرجُوا.

تَعالُوا.

تَعالُوا.

 

تَفرجُوا عَلى البلادِ المقبرةِ.

عَلى القَلبِ المقبرةِ،

تَفرجُوا.

كيفَ يتحولُ الإنسانُ إلى مقبرة.

تَفرجُوا.

 

أَنَا مِنْ تلكَ البلادِ القَذِرةِ؛

بلادِ طلائعِ البعث وَصورةُ الرَئيسِ فِي كُلُّ مَكانٍ،

بلادِ "الرتلًا ترَادف".

أَنَا مِنْ بِلادِ دَورِ المُؤسَسَةِ الطويلِ،

البلادُ التَي تٌحييّ العَلمَ كُلَّ صَباحٍ وَلَا تَتعلمُ شَيئًا.

أَنَا مِنْ بِلادِ نَهرِ بَرَدَى الَذي كُنّا نتبولُ فِيهِ حِينَ كُنّا صِغَارًا.

مِنْ بِلادِ القَنواتِ التِلفزيونيّةِ الحُكوميّةِ وِالصُحفِ الحُكوميّةِ وَالمُؤسَسةِ الحُكوميّةِ وَثوبُ أُميّ الحكومِيّ.

أَنَا مِنْ بِلادِ حِزبِ البَعثِ العَربيِ الاشتراكيِ.

البلادُ العاهرةُ.

 

مِنْ هُناكَ أتيتُ،

مِنْ البلادِ الحربِ،

مِنْ أرضِ المُعتقليِنَ وَالمقتولينَ أَثناءَ التعذيبِ،

مِنْ تلك البلادِ المَجزرةِ، حَيثُ يُذبَحُ الرِجالُ وَالنِساءُ،

حَيثُ يُذْبَحُ الأطفالُ بِدمٍ بَاردٍ دُونَ تَفكير.

أَنَا مِنْ بِلادِ اليَاسَمين.

 

أَنَا مِنْ هُناك؛

هُناكَ البعيدِ البعيدِ البعيدِ البعيدِ،

هُناكَ الذي أكرهُ،

هُناكَ الذي أُحِبُّ،

هُناكَ الذي أَشتاقُ.

أَنَا مِنْ هُناك.

 

أَنَا الَذي...

أَمُرُّ بالبلادِ الجَديدةِ عَجِبًا.

أَمُرُّ بِالبلادِ الأُخرى اَنظرُ مِثلمَا يَفعلُ السَائحُ،

انظرُ إلى الأَسقفِ المَنقوشةِ وَاللوحاتِ وَالتماثيلِ.

أشربُ القهوةَ في ساحةٍ فِي غِرناطةَ.

أَتمشَى طَوالَ الليلِ فِي باريس.

أتناولُ فُطوري عَلى شرفةٍ فِي جَنوبِ إيطاليا.

أكتبُ فِي برلين.

أتناولُ العشاءَ فِي إسطنبول.

أرقصُ في أمستردام ليلةَ رأسِ السنة.

أَنَا سعيدٌ فِي كلّ هَذهِ البلادِ وَحَزينٌ فِي البلادِ.

أوَدُّ أنْ أَكونَ فِي البلادِ،

وأمارسَ حُزني بَعيدًا عَن أَعينِ العَالمِ المُتَلَصِصِ عَلى مُعَانَاتِنا.

أوَدُّ أنْ أَكونَ فِي تلكَ البلادِ الكَريهةِ كَرائحةٍ لَا يَستطيعُ الأنفُ تَحمٍّلُها.

 

كَمْ أُحبُّ تِلكَ البِلاد!

كَمْ أَكرهٍ ِتلكَ البلاد!

وَمَنْ أَنَا لِأكرَهَ؟ مَنْ أَنَا لِأُحبَّ؟

 

أَنَا مِنْ تِلكَ البلادِ العُنصريّةِ،

بِلادِ الحَربِ الأَهليّةَ،

بِلادِ الفُولِ النَابتِ وَالمْسَبَحَةَ بْطحِينِية.

 

أَنَا مِنْ تِلَكَ البِلادِ التَي:

المَدارسُ سجونٌ،

المَتاحفُ سجونٌ،

الشوارعُ سجونٌ،

الحُريّةُ سجنٌ.

 

تلكَ البلادِ المُعتَقَلةُ هِي أَرضي.

مِنْ هُناكَ أتيتُ،

مِنْ حيثُ جَرائِمُ الشَرفِ تُبرّر،

وَالسُبَابُ عَلى النساءِ يُبرّر،

وَالقتلُ بِكلِّ أَشكالِهِ مُبرّر.

مِنْ هُناكَ أَتيتُ

مِنْ بِلادِ الخَوفِ أَتيتُ.

مِنْ البلادِ الحُلوةِ،

بِلادِ الحُبِّ وَالجَمالِ وَالضَحكِ، أتيتُ.

 

أَنَا مِنْ بلادٍ رُوَمنسيّةٍ.

تُحبُّهَا إذا مَا نظرتَ إليّهَا مِنْ بَعيدٍ،

وَتُحبُّهَا كُلَّمَا اقتربتَ مِنْهَا،

وَتُحبُّهَا إذَا مَا عِشتَ فِيهَا،

وَتُحبُّهَا

وَتُحبُّهَا

وَ

تُ

حِ

بُّ

هَ

ا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزء الأخير من الهاوية

قلبه حجر