قصور الثقافة الجماهيرية.. تاريخ من التثقيف خارج مركزية العاصمة
26 مايو 2025
يدور الحديث الآن في الأروقة الثقافية المصرية عن القرار الذي اتخذه المسؤولون عن شؤون الهيئة العامة لقصور الثقافة، بإخلاء بعض مقراتها ومبانيها في المحافظات من أجل تطويرها وإيجاد بدائل وذلك بهدف زيادة الموارد المالية الخاصة بها خلال خمس سنوات. فهذا القرار الذي قوبل بالاستنكار من جهة والتشكك من جهة أخرى لدى قطاع المثقفين، يدفعنا للتأمل في بدايات هذا المشروع الثقافي والتنويري الضخم الذي انطلقت شرارته في مطلع ستينيات القرن الماضي خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918 – 1970).
في نهاية العام 1960 وتحديدًا في شهر ديسمبر/كانون الأول، بدأ العمل على تنفيذ الخطة الخمسية للتنمية الثقافية في مصر. فقد أرسى الدكتور ثروت عكاشة (وزير الثقافة والإرشاد القومي آنذاك) حجر الأساس الخاص بقصر ثقافة مدينة المنصورة التابعة لمحافظة الدقهلية. وبدأ التعاقد مع القوافل الثقافية التي تجوب قرى وأقاليم مصر ثم جاء المسرح العائم على ضفاف شواطئ النيل في الصعيد إلى النوبة. وذلك قبل أن يتم إنشاء أول منتدى ثقافة للأطفال.
لاقت هذه الخطة ترحيبًا كبيرًا من قبل المسؤولين في المحافظات والذين أبدوا بدورهم رغبة في التعاون مع الوزارة من أجل إنشاء هيئات ثقافية على أراضيها. فقدمت تمثلت الرغبة في المساهمة المادية من طرفها، بتقديم قطعة أرض إلى الوزارة عبارة عن أربعة آلاف متر في موقع متوسط من المدينة ويفضل أن يكون على النيل. وكذلك أبلغت الوزارة بالرغبة في تحمل نصف تكلفة إنشاء المبنى.
يدور الحديث الآن في الأروقة الثقافية المصرية عن القرار الذي اتخذه المسؤولون عن شؤون الهيئة العامة لقصور الثقافة، بإخلاء بعض مقراتها ومبانيها في المحافظات من أجل تطويرها
يشير الكاتب السيد فرج في مقالته المعنونة بـ"قصور الثقافة وقوافلها" (مجلة المجلة، فبراير 1961) إلى أن قصر الثقافة يشتمل على مكتبة عامة، تضم الكتب والمصورات والأشرطة المسجلة، التي تتيح الاطلاع والاستعارة. كما يوجد مسرح ملحق بالمبنى، تُقدم عليه عروض الفرق المحلية والعالمية وفرق هواة التمثيل بالمحافظة. وتوجد في قاعة المسرح شاشة لعرض الأفلام السينمائية المختارة، من أجل الاستمتاع بها ومناقشتها. بالإضافة إلى قاعات الرسم والتشكيل والتلوين والزخرفة. ناهيك عن المتحف الصغير والذي يعرض تاريخ المحافظة وأبرز المعالم بها ويسجل على نحو مختصر أبرز الأحداث والوقائع التي شهدتها. أما القافلة الثقافية، فهي عبارة عن عربة ضخمة مجهزة بمولد كهربائي ومكتبة متنقلة يُمكن فصلها عن الشاحنة وكذلك أجهزة راديو وشاشة عرض أفلام، لعمل تجمعات في القرى والنجوع بهدف زيادة الوعي لدى الأفراد لأيام عدة. وكذلك أطلقت الوزارة المسرح العائم على ضفاف النيل ويُشد بواسطة جرار.
لقد أسهمت قصور الثقافة مع مرور الوقت، في خلق وعي ثقافي مختلف لدى الأفراد بل وأتاحت كذلك فرصة لنشر من خلال سلاسلها المختصة التي أصدرتها على مدى سنوات وخصوصًا في العام 2005، حيث شهدت طفرة جمالية على مستوى الطباعة والغلاف والمحتوى.

يقول د. ثروت عكاشة في مذكراته (الهلال، مايو/أيار 1995): "وما من شك في أن قصور الثقافة قد أسهمت إسهامًا حقًا في خلق جيل من كتاب القصة والمسرح والشعر والزجل والموسيقي من أبناء الأقاليم، تبادل الزيارات فيما بينه وتنافس في الحصول علي الجوائز في المسابقات التي كانت تعقد بين أفراده وفرقه مما أخصب التربة الفنية بعناصر جديدة من العاملين بالمسرح والموسيقي الشعبية والأدب الشعبي، كما شجع علي تطور فنوننا الأصيلة، وتجددها وإثرائها بالاحتكاك بينها وبين غيرها".
ويضيف: "وبهذا كان اهتمامنا في هذه المرحلة الأولى موجهًا إلى تهيئة الوسائل المادية التي تعين على إنشاء قصور الثقافة وقوافلها التي تحمل رسالتها إلى الريف، ثم إعداد من سيضطلعون بهذا العبء في تلك القصور وما إليها من قوافل وكنت أعلم مع هذه التجربة أن دولًا عظمي، هي فرنسا عندما أخذت في مشروع مماثل، بدأت تخطط لعشرين قُطرًا، على حين دفعنا طموحنا إلى أن نبدأ تجربتنا بأربعة عشر قصر ثقافة بالعواصم وأحد عشر مركزًا ثقافيا بالمدن. هذا إلى إمدادها بسبع عشرة قافلة استوردناها من الخارج، وعندها بدأ الريف المصري يتذوق للمرة الأولى طعم الثقافة على أجنحة الأمسيات التي كانت تقام فيه، وهرع الفلاحون لمشاهدة العروض المسرحية والسينمائية. والمعارض الفنية، كم أحسسنا من هذه التجربة مدى تعطش أهل القرى لهذه الألوان الثقافية المعدة كل من زياتي لبلدان أوروبا الشرقية التي سبقتنا في هذا الميدان".