قصص قصيرة جدًا

قصص قصيرة جدًا

مقطع من لوحة لـ شيماء كامل/ مصر

شيء حقيقي

ألبس قميصًا مكشوفًا، ذراعي وساقي ونصف صدري يتنفسان الهواء، ولكن عينه علي، لماذا ينظر إلي هكذا، ماذا يتخيل، أحاول أن أستطلع عينيه فلا أستطيع، أتصبب عرقًا، صدري يحس بنظراته، يبدو أني أمام خيارين لا محالة إما أن أعرض صدري للهواء وأتحمل جلدات عينيه، وإما أن أحجبها وأستريح.

بمرور الوقت أصبحت نظراته ألذع، اقترب مني وأنا شاردة في هم بيتي، "سأريك شيئًا حقيقيًا"، انتابني فزع من كلماته، صوته كأنه همسات الشياطين، واجتاحت روحي الأسئلة: ما هو الشيء الحقيقي؟ وهل هذا يعني أني أعيش في خيالي؟، لماذا لا يكون واضحًا أريد أن أمارس الحب معك، أو أريد أن أضربك، أوأقتلك.

خرجت اليوم الثاني، حجبت شعري وذراعي وصدري وساقي، إني الآن محمية، لا يستطيع أن يرى، ولكن جسمي فقد الهواء، أشعر بالراحة والاختناق، أحيانًا أنسى نظراته ولا أتذكرها إلا عندما تأتي عيني على عينيه.

تنتابني كوابيس أني أغرق في ماء لونه يشبه لون حجابي وثيابي "أخضر فاتح"، ويأتيني صوته "سأريك شيئًا حقيقيًا"، وأنا خائفة من بحر الحجاب، ومن هذا الشيء الحقيقي، أرفع يدي لكني لا أستطيع أن أصرخ، خائفة أن يمسك بيدي وينقذني، فأنا لا أعرفه، فقط جسمي يعرفه من نظرات عينيه.

خططت طول الليل سأذهب إليه وأسأله: السلام عليكم، باحترام وتواضع، ثم أحاول أن أعرف قدر المستطاع عنه عمله حياته، وسأحاول أن ألحظ لهجته والطبقة التي ينتمي إليها، ثم أسأله في النهاية عن هذا الشيء الحقيقي الذي يريدني أن أتعرف عليه، خرجت من منزلي بحجابي فعجزت.

مرة أخرى اقتربت منه، ابتسم، اقتربت أكثر، ضحك، ضربته على وجهه وانصرفت، لماذا؟ لست أدري كأني لست أعرفني.

وبعد مرات لا تعد، ابتعدت عينيه عني، الحمد لله أنا وجسمي الآن محميان والبركة في الحجاب، ولكن عينيه على جسم فتاة أخرى، لم تعد عينانا تتصادفان، ولمحته وهو يقترب من أذنيها ويهمس، ولمحتها وهي تضحك.

في المرة التي تليها رأيتهما، وجهها مورد، ووجهه مورد، ترتدي نفس ما كنت أرتديه هذا الزي مفتوح الصدر وكاشف الذراعين والساقين، يتهامسان ويضحكان، شعرت بمشاعر غريبة على روحي، إحساس مزيج من الكراهية المطلقة والندم المطلق، اقتربت منه ووضعت عيني على عينيه، وأردت أن أسأله عن هذا الشيء الحقيقي، ولكني مندهشة وجدتني أعنفهما "لماذا تضحكان هكذا كالصبيان؟"، وضحكت المرأة أكثر، أخرجت السكين من عباءتي وطعنتها بكل ما في العالم من كراهية وندم في قلبها عدة طعنات، ولما سال الدم ضحكت، ولما هدأت ضحكتي اكتشفت أني كنت أتخيل.

 

الآخر

يممت وجهي وجهك، شققت طريقي بين روبوتات مسلحة كانت بالأمس أطفالًا لاهية، بين رقاب وأياد مبتورة كانت أجسادًا ترقص وتمرح، وبدلًا من أن أقبلك انتزعت السيف وذبحتك، ووجهك الساخر يوجز حياتي، نسيت أن أخبرك أني لم أعدني، سكنتني الروح الغريبة وأصبحت آخر.

 

العجز

كانت لدي رغبات خفت أن أشبعها، ثم كرهت رغباتي لأنها تذكرني بخوفي، وتشعرني بضعفي، ثم عجزت عن الرغبة واستمعت بعجزي، ثم نسيت، أحاول أن أذكر فلا أستطيع.

 

السيطرة المطلقة

دعنا نضيع وقتنا في الحديث الجاد، الضحك يصيبني بالصداع، والرقص يهدني، والحشيش يصيبني بالدوار، والجنس يخيفني.

ألست تحبني؟ إذا اقبلني على ما أنا عليه، وليس على ما تحلم به.

مسافة طويلة تباعد ما بين وجودنا المتلاصق، شفتاك كارت أحمر، وحضنك حبل مشنقة، وبضعك سيف قاتل… وأنا أريد أن أعيش.

ماذا يضيرك إذا استعضنا عن القبل بالشعر، والعري في الأماكن المغلقة بأغلى الثياب في المطاعم الراقية، والرقص بالمشي، والجنس بالشوكولاتة، والمخدرات باليوغا.

الشوكولاتة أعظم ما في الحياة، والمطر يشعرني بالتعاسة والوحدة.

أرجوك لا تقلها يا أعز ما في حياتي دع الحائط سليمًا.

أفضل أن أعيش وروحي في يدي على أن أحيا وقلبي في كف القمر.

لماذا لا تفرح عندما يمنحونني جائزة على إبداعي الذي استلهمته منك، لماذا لا تهنئني على منصبي الرفيع، بالتأكيد لا تحبني.

وداعًا.. انسني لقد نضجت الآن ولكني سأذكرك وأتذكرك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عيونك أبي تتمادى في ازرقاقها من الغياب

انتهى الفيلم