قصة كأس العالم 1950.. عودة الحياة إلى كوكب الأرض

قصة كأس العالم 1950.. عودة الحياة إلى كوكب الأرض

تعهّدت البرازيل ببناء أكبر ملعب على وجه الأرض "الماراكانا" قبل أن تحظى باستضافة كأس العالم 1950(Getty)

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طوى سكان العالم صفحة دموية حصدت أكثر من 78مليون قتيل في كوكب الأرض ورموها جانبًا، وهي أعظم كارثة حلّت بالتاريخ الإنساني، وهنا حاول الجميع استحضار ألوان الحياة التي وُئدت أثناء سنوات الحرب، فعلى الجميع أن يعمل بكدّ لتحقيق ذلك، إذ كان على الساسة تأسيس عصبة الأمم التي تعنى بفض النزاعات وتنظيم العلاقات بين البلدان، تجنّبًا لحرب ذاقوا مرارتها، وتأسست منظمات معنية بإعادة الإعمار وأخرى تهتم بالصحة، وغيرها في شؤون العمل والحفاظ على التراث، وثمّة من حاول إعادة الحماس والبهجة لقلوب سكّان كوكبنا عبر إنعاش بطولة شكّلت قبل الحرب متنفسًا لشعوب العالم، ومظهرًا حضاريّا حقيقيًا للبلدان التي شاركت به، ورمزاً للسلام والروح الرياضية، وكالعادة تولّى أمورًا صعبة كهذه رجل اسمه جول ريميه، وهو الذي أسس بطولة كأس العالم عام 1930.


شعار مونديال البرازيل 1950

عندما ظفرت إيطاليا بكأس العالم 1938 الذي استضافته فرنسا، كانت أوروبا على شفير الهاوية، وهو ما حدث بالفعل وتسبب بحرب عالمية ثانية، ولذلك توقّفت نسختي 1942، و1946، وعندها عمد رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم "أوتورينو باراسي" لتخبئة الكأس تحت سريره في علبة أحذية، خوفا من تعرّض الكأس الذهبية للسرقة، وما إن انتهت المأساة حتى حاول جول ريميه إعادة إحياء البطولة التي كان من الطبيعي أن تُقام خارج قارّة أوروبا لسببين، أولهما استضافة القارة العجوز للنسختين السابقتين لصالح إيطاليا 1934 وفرنسا 1938، والسبب الثاني والأبرز هو خروج القارة من حرب أكلت أغلب بنيتها التحتية، لهذا اختار الفيفا في اجتماعه بلوكسمبورغ عام 1946 البرازيل كمستضيفة لكأس العالم 1950، بعد أن تعهّدت ببناء ملعب لا مثيل له بالكرة الأرضية "الماراكانا"، كما تقرر إطلاق اسم "جول ريميه" على البطولة تكريماً له على ما بذله من جهود، أيضاً صدر قرار في اجتماع لوكسمبورغ أنه يحق لأي منتخب يظفر بالكأس 3 مرات أن يحتفظ بها للأبد.

كان المنتخب السوري هو الفريق العربي الوحيد المشارك في تصفيات كأس العالم1950، وخسر أمام تركيا 7-0، قبل أن ينسحب في لقاء الإياب

 حدد الاتحاد الدولي لكرة القدم آخر يوم في عام 1948 موعداً نهائياً لاستلام طلبات الاشتراك بتصفيات كأس العالم، فتقدّمت لذلك 34 دولة، إذ لعبت سوريا أمام تركيا في التصفيات وخسرت ذهاباً بسبعة أهداف نظيفة، قبل أن تعلن انسحابها، ليتلو ذلك انسحاب تركيا المتأهلة، وبلجيكا والنمسا لأسباب داخلية، كذلك انسحبت الأرجنتين من المشاركة بكأس العالم بسبب خلافها مع الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، أتبعها انسحاب البيرو والإكوادور والفلبين وبورما وإندونيسيا.

اقرأ/ي أيضًا: ولادة قيصرية لكأس العالم ونهاية مأساوية لكأس جول ريميه

بعد غياب إنكلترا عن كافّة نسخ كأس العالم السابقة ظنّاً أن مستوى البطولة لا يليق برفعة مستواها، تنازلت أخيراً وأعلنت رغبتها في المشاركة بالبطولة، لذلك استغل الفيفا بطولة الجزر البريطانية التي تُجرى سنويّاً بمشاركة ويلز واسكتلندا وإيرلندا الشمالية إضافة إلى إنكلترا، فاعتبرها بمثابة المجموعة في التصفيات، إذ أعلن أن صاحبي المركزين الأول والثاني في البطولة سيحجزان مكاناً لهما في نهائيات البرازيل 1950، لكن الاتحاد الاسكتلندي زاد التحدّي وأعلن أن بلاده لن تشارك في كأس العالم إلا إن أحرزت البطولة، راغباً بذلك في تحفيز لاعبيه للظفر بالبطولة الأهم في بريطانيا، وبالفعل ظفرت إنكلترا بالبطولة وتأهلت لكأس العالم، وحازت اسكتلندا على المركز الثاني المؤهل للمونديال، لكنها اعتذرت عن المشاركة بسبب قرارها السابق، فالشرف يقتضي بها أن لا تتراجع عن كلمتها وإن كان الثمن كأس العالم، وكان من الطبيعي عدم دعوة ألمانيا واليابان لخوض تصفيات كأس العالم بسبب خضوعهما لعقوبات المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

إيطاليا تسلّم كأس جول ريميه إلى البرازيل(Getty)
رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم يسلّم البرازيل كأس جول ريميه قبل انطلاق البطولة

انسحبت اسكتلندا وظن الفيفا أن عدد المنتخبات المشاركة بالبطولة 15 فريقاً، ولكن بعد إجراء القرعة في أواخر نيسان/أبريل 1950، انسحب فريقان من البطولة، حيث رفضت فرنسا خوض المباريات لأن اللجنة المنظمة وضعت مبارياتها بعيدة عن مدينة ريو ديجينيرو، إذ يتطلب على اللاعبين السفر لمسافة 3500كم بين المباراة والأخرى، فيما انسحبت الهند لسبب طريف جداً، حيث رفضت اللجنة المنظمة طلبها بالسماح للاعبين بخوض المباريات حفاة.

رفضت الهند المشاركة بنهائيات كأس العالم 1950 بسبب عدم سماح الفيفا للاعبيها بخوض مباريات البطولة وهم حفاة


الطوابع البريدية التي خلّدت كأس العالم 1950

 ويُحسب لإيطاليا حاملة اللقب أنها قبلت المشاركة في النهائيات رغم تعرّض زعيم أندية إيطاليا آنذاك "تورينو" لكارثة جوية، وذلك عندما تحطّمت طائرة النادي الذي يقل أبرز نجوم إيطاليا في أيار/ مايو 1949 وهي عائدة من مباراة ودّية مع نادي لشبونة البرتغالي، وبذلك سيشارك بالبطولة 13 فريقاً تم توزيعهم بنظام غريب على 4 مجموعات، إذ تضمّ الأولى والثانية 4 فرق والثالثة 3 فرق والرابعة فريقين فقط، العالم كلّه ينتظر انطلاق كأس العالم الجديدة القديمة، والبرازيل تحشد كافّة إمكانياتها للظفر باللقب على أرضها وبين جماهيرها لأول مرة في التاريخ، فما الذي سيحدث؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصة كأس العالم 1938.. انسحابات بالجملة على عتبة الحرب العالمية الثانية (1-3)

كأس العالم في نسخته الثانية 1934.. حضور مصري مشرّف وإيطاليا الفاشية تنتصر

20 حقيقة مهمة عن النسخة الثانية لكأس العالم إيطاليا 1934