قصة كأس العالم 1938.. النجاة من مقصلة موسوليني

قصة كأس العالم 1938.. النجاة من مقصلة موسوليني

من مونديال 1938 (Getty)

توجّهت أنظار العالم في عام 1938 صوب فرنسا التي تستضيف كأس العالم بنسختها الثالثة، واختلفت غايات المتابعين والمشاركين، فدول قارتي أميركا الشمالية واللاتينية أرادت أن يُكتب للبطولة الفشل بسبب رفضهم المشاركة بها نظراً لعدم إقامتها وفق نظام المداورة بين القارّات بعد تكاتف الدول الأوروبية فيما بينها للتصويت بحقّ فرنسا في استضافة المونديال على أرضها، فيما كان هدف كل من ألمانيا وإيطاليا تلميع صورة أنظمتهم السياسية وتأكيد مبدأ قوتهم الرياضية التي أرادو أن يعلموا جيرانهم الأوروبيين أنها لا تقل عن قوّتهم العسكريّة، بين هذا وذاك اتخذ العديد من الدول قراراً بعدم المشاركة في البطولة لأسباب كانت طوعية تارة، وإجبارية تارة أخرى كما حدث مع إسبانيا التي اندلعت فيها الحرب الأهلية.

عانت إيطاليا بطلة العالم نسخة 1934  وبطلة أولمبياد برلين 1936 الأمرّين في مونديال 1938 قبل أن تتفوق على النرويج التي تشارك بالبطولة للمرة الأولى في تاريخها

كان من المقرر مشاركة 16 فريقاً تأهلوا للنهائيات، ولكن انسحاب النمسا التي احتُلّت من ألمانيا النازية جعل الفرق 15، وكما اعتيد على نظام البطولة التي قبلها كان خروج المغلوب هو الحاسم لتأهل فريق ما على حساب الآخر، فكان من الطبيعي أن تؤهل القرعة فريقاً ما كان من المفروض أن يلعب أمام النمسا إلى دور الثمانية، وكان ذلك ما جعل السويد أول المتأهلين إلى هذا الدور.

اقرأ/ي أيضًا: كأس العالم في نسخته الثانية 1934.. حضور مصري مشرّف وإيطاليا الفاشية تنتصر

مستويات متقاربة

كانت مباريات الدور الأول شديدة الإثارة والحماس وغزيرة بالأهداف. يكفيك أنه من 7 مواجهات تم اللجوء في 5 منها للتمديد بعد التعادل، استمر التعادل باثنتين منها ما جعل الفرق تلجأ لمباراة معادة، حيث تعادلت سويسرا مع ألمانيا 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي، وفازت سويسرا بالمباراة المعادة 4-2، فيما فاجأت كوبا بمشاركتها الأولى رومانيا وأجبرتها على خوض مباراة معادة بعد انتهاء اللقاء الأول بوقتيه 3-3، قبل أن تؤكد تفوقها على الفريق الأوروبي بالمباراة المعادة وتفوز 2-1.

عانت إيطاليا بطلة العالم نسخة 1934 وبطلة أولمبياد برلين 1936 الأمرّين قبل أن تتفوق على النرويج التي تشارك بالبطولة للمرة الأولى في تاريخها، وذلك عندما فازت عليها بعد التمديد 1-2، فيما انتفضت تشيكوسلوفاكيا أمام هولندا بعد نهاية الوقت الرسمي للقائهما بالتعادل 0-0، وسجّلت 3 أهداف بعد التمديد، بينما أمتعت البرازيل وبولندا المتابعين بلقاء للذكرى انتهى وقته الأصلي بالتعادل 4-4، قبل أن تفوز البرازيل بعد التمديد 6-5، وأذهلت المجر الجميع بفريقها الأسطوري الكاسح الذي سحق جزر الهند الهولندية "إندونيسيا" بستة أهداف نظيفة، كما احتفل أصحاب الأرض بفوزهم على جارتهم بلجيكا 3-1.

معركة بوردو

وفي الدور ربع النهائي أوقعت القرعة  والأقدار أصحاب الأرض بمواجهة إيطاليا الفاشيّة، إذ اعتاد الفرنسيّون على استغلال تواجدهم والنازيين بالبطولة ونظّموا العديد من المظاهرات التي تندد بنظام الدولتين، لكن الأمر اختلف كثيراً هنا، فإيطاليا مطالبة بإسكات أكثر من 59 ألف متفرّج احتشدوا في ملعب أولومبيك دي كولومب بباريس، عندها أمر موسوليني لاعبيه بارتداء اللون الأسود الذي يمثّل نظامه الفاشي من أجل بث الحماس في نفوس اللاعبين، ونجح ذلك عندما صعق الطليان الفرنسيين وفازوا عليهم 3-1.

شهدت مدينة بوردو صراعاً حامياً بين البرازيل وتشيكوسلوفاكيا في موقعة أرّختها مراجع كأس العالم بـ"معركة برودو" أثناء مونديال 1938

وشهدت مدينة بوردو صراعاً حامياً بين البرازيل وتشيكوسلوفاكيا في موقعة أرّختها مراجع كأس العالم بـ"معركة برودو"، إذ شهد اللقاء العديد من الاشتباكات واللكمات بين لاعبي الفريقين والاحتياطيين ما استدعى لتدخل الشرطة ورجال الأمن، فكُسرت ساق مهاجم تشيكوسلوفاكيا وهدّاف المونديال السابق نيغدلي وكُسرت ذراع حارس فريقه أيضاً بانيكا خلال عراك مع اللاعبين البرازيليين، ما حدا حكم اللقاء أن يطرد لاعبين اثنين من البرازيل وواحدًا من تشيكوسلوفاكيا في اللقاء الذي انتهى بالتعادل 1-1، وخلال مباراة الإعادة قلبت البرازيل تأخرها بفوز على تشيكوسلوفاكيا 2-1، وحجزت مقعداً في الدور نصف النهائي، في وقت أكملت به المجر عروضها الممتعة وتغلبت على سويسرا قاهرة الألمان 2-0، وأنهت السويد مغامرة كوبا عندما سحقتها 8-0.

خطأ غيّر مجرى التاريخ

لم يرحم التاريخ مدرّب البرازيل في هذه البطولة أديمير بيمنتا، إذ ارتأى أن الفوز على إيطاليا سيكون مضموناً لا محالة، وقرر إراحة نجمه الأسطوري ليونداس من اللقاء كي يتهيّأ بشكل أفضل للمباراة النهائية المفترض خوضها، لكن خطأ ساذجاً كهذا كلّف البرازيل الخروج من الدور نصف النهائي واقتصار منافسته على مباراة المركز الثالث، إذ غلبتها إيطاليا بهدفين لواحد، بعد هذا اللقاء قال أديمير بيمينتا لم نكن لنتأهل سواء لعب ليونداس أو لم يلعب، لكن الأخير ردّ عليه في مباراة تحديد المركز الثالث والرابع عندما سجل هدفين أهدى بلاده بهما البرونزية، علما أن اللاعب الملقّب بالماسة السوداء توّج هدّافاً للبطولة برصيد 7 أهداف، وفي اللقاء الآخر من الدور نصف النهائي واصلت المجر إبهارها للجميع وسحقت السويد 5-1، علماً أن هدف السويد الوحيد هو أول هدف هزّ شباك المجريين في البطولة.

اقرأ/ي أيضًا: 20 حقيقة مهمة عن النسخة الثانية لكأس العالم إيطاليا 1934

النصر أو المقصلة

انتظر الجميع لقاء إيطاليا والمجر المرتقب يوم الأحد 19 حزيران/يونيو 1938 في ملعب أولومبيك دي كولومب بباريس، لتحديد بطل النسخة الثالثة من كأس العالم، فالمجر المدججة بأسلحتها الهجومية الفتّاكة ودفاعها الصلب، أرادت إحراز اللقب للمرة الأولى بتاريخها، بينما طمحت إيطاليا أن تكون أول فريق يحتفظ بلقبه بطلاً للعالم، وكان الانتصار مهماً جداً للزعيم الفاشي موسوليني ، إذ أرسل برقيّة للاعبيه كتب عليها كلمتين فقط " النصر أو الموت"، وهنا كان على نجوم إيطاليا أن يلعبوا بكل ما أوتوا من قوّة من أجل حماية رقابهم من المقصلة.

في نهائي 1938 احتشد قرابة 45 ألف متفرّج كان أكثرهم من الفرنسيين الذين حضروا لمؤازرة المجر، لكن غريزة البقاء كانت أهم بالنسبة للاعبي إيطاليا

احتشد قرابة 45 ألف متفرّج كان أكثرهم من الفرنسيين الذين حضروا لمؤازرة المجر، لكن غريزة البقاء كانت أهم بالنسبة للاعبي إيطاليا، فأنهوا الشوط الأول متقدمين 3-1، وأحرزوا كأس العالم للمرة الثانية بتاريخهم عقب نهاية اللقاء بانتصار تاريخي 4-2. وبعد نهاية اللقاء قال حارس المجر أنتال تشابو جملته الشهيرة: "بقبولي الخسارة أنقذت حياة 11 رجلاً" في إشارة منه للبرقية التي أرسلها موسوليني للاعبيه، وكانت هذه النسخة آخر بطولة رياضية كبرى تجري قبل كأس العالم، حيث اندلعت الحرب العالمية الثانية في العام التالي، وشكّلت البطولة بالنسبة للعديد من نجوم كرة القدم آخر محطّاتهم الكروية، إذ كان من المقرر أن تستضيف ألمانيا أو البرازيل النسخة التالية عام 1942، لكنّ أهوال الحرب حالت دون ذلك، ولم تعود البطولة للظهور إلا بعد 12 عاماً في البرازيل عام 1950.
 

اقرأ/ي أيضًا:

نسخة كأس العالم الأولى.. وأخيرًا بعد طول عناء

19 حقيقة مثيرة عن النسخة الأولى لكأس العالم