"قصة حقيقية".. القاتل يربح الأضواء

من الفيلم

دورهما الرئيسي المشترك في فيلم "True Story" أو "قصة حقيقية" (إنتاج 2015)، لم يكن فقط بمثابة تجربةٍ أولى من نوعها، فقد أحرز من خلاله الممثلان الأمريكيان جيمس فرانكو وجونا هيل قفزة نوعية على مستوى الانتقال من دائرة الكوميديا إلى دائرة الواقعية الاجتماعية.

في "قصة حقيقية"، أحرز جيمس فرانكو وجونا هيل قفزة نوعية في الانتقال من دائرة الكوميديا إلى دائرة الواقعية الاجتماعية

يدور الفيلم أساسًا حول الجريمة والفشل في إدارة شؤون الحياة، بين متهم بقتل كامل أفراد عائلته يؤدي دوره فرانكو، وصحافي مفصول من عمله في صحيفة نيويورك تايمز يؤدي دوره هيل. في فيلمهما الأخير هذا، لا تكاد تعثر على ابتسامة واحدة، مقارنة بفيلمهما المشترك السابق الذي فاض بجرعات كبيرة من الكوميديا والسخرية، الأمر الذي جعل العملية الإخراجية بمثابة تحدٍّ من نوع خاص للمخرج البريطاني روبرت جولد.

مايكل فينكل؛ بهذا الاسم يعرّف القاتل عن نفسه إلى فتاة التقاها في رحلة الهروب من السلطات، وللمفارقة، كان يحمل معه كتابًا بعنوان "Running from the law"؛ أي "الهروب من القانون". الفتاة انتبهت لإعلان يتحدث عن مطلوبين للقضاء، ومن بينهم ذلك المنتحل شخصية الصحافي مايكل فينكل. بهذا، يتم القبض على كريستيان لونغو ليتسرّب خبره بعد ذلك إلى فينكل، الصحافي المفصول من عمله في نيويورك تايمز، وهو في تلك الأثناء عاطل عن العمل وفاقد لثقة جميع الصحف التي كانت تتمنى أن يعمل لديها في وقت سابق لانتشار خبر تلفيقه لتحقيق صحافي، ثم اعتذار نيويورك تايمز عن فعلة صحافيها السّابق. اعتذارٌ نشرته الصحيفة بما يضمن عدم التعامل مع فينكل لمدة يصعب التنبؤ بها.

وفقا لكتاب فينكل "True Story 2005" الذي أُخذت عنه قصة الفيلم، يضعك الجزء الأول والمعنون بــ "Lies"، أي أكاذيب، مباشرة أمام اعترافات الكاتب حول آلية توثيق الأحداث، وكيف أنه لم يحتفظ بأصغر تفصيل لا يراعي الدقة. جميع معلوماته المنشورة في الكتاب كان مصدرها الكاتب نفسه من خلال اتصالات أسبوعية بالمتهم لونغو، الخاضع بدوره  للمحاكمة، على امتداد عام كامل، فضلًا عن لقاءات فينكل به شخصيًا في مبنى السجن، تقارير الشرطة، ومراسلات مكتوبة بخط اليد تبادلاها في فترة ما قبل الإدانة بالجرم.

من المهم التعرف إلى السبب الرئيسي لاتخاذ فينكل جميع هذه الاجراءات التوثيقية، حيث أنه مفصول من عمله الصحافي لسبب يقضي على مصداقيته في أعقاب نشره تحقيقًا عن الأطفال المستخدمين كعبيد للعمل في مزارع الكاكاو في أفريقيا، لفت الأنظار إلى سوء معاملة أطفال في سن المراهقة ومن هم دون سن المراهقة وتعذيبهم أيضًا، لكنه دمج معاناة أكثر من ضحية في حديثه عن طفل واحد لا يحمل الندوب الناتجة عن التعذيب، رغم أن هذا يحدث مع أطفال مستخدمين للعمل في ظروف غير إنسانية، بيد أن الطفل موضوع التحقيق لم يكن يحمل في الحقيقة كل تلك الندوب. لهذا، وَجبَ على فينكل هذه المرة أن يكون متحريًا للدقة، وأن يوثق كلّ ما قد يتم التشكيك بحدوثه مستقبلاً بعد نشره للكتاب، فالتهمة جاهزة بالطبع "هذا الكاتب مشهور بالكذب".

كأن "قصة حقيقية" جهدَ في أنسنة القاتل، مما أثار زوبعة من الانتقادات جرّاء منح القاتل فرصة ظهور هوليودية لا يستحقها

تقاطعات غريبة يسربها الفيلم إلى المشاهد بالتناوب بين شخصية فينكل ولونغو، مما يثير تساؤلات حول شخصيتين بنفس العمر، يختار كل منهما الآخر. المتهم المنتحل لشخصية الصحافي تظهر في مراسلاته رسومات وتشكيلٌ كتابيٌّ مشابه لطريقة فينكل في تدوين ملاحظاته الأولى عن موضوعاته الصحافية. ثم إن الاثنين منبوذان بطريقة ما؛ لونغو الذي سقط مرات عديدة في سباق تأمين حياة مستقرة لزوجته وأولاده الثلاثة، وفينكل المطرود من صحيفة بوزن نيويورك تايمز بفضيحة كادت تطيح بحياته المهنية إلى الأبد لولا ظهور لونغو بجريمة منكرة، ومنحه تفويضًا حصريًا لـفينكل بالحصول على معلومات منه ثم نشرها بعد انتهاء المحاكمة.

لا غرابة في أن يحمل الفصل الأول لكتاب فينكل اسم "الأكاذيب"، فالفيلم يُظهر مسألة الكذب وكيف رافقت الشخصيتين، إلا أن الصحافي تخلص منها كما يبدو من خلال كتابه الذي لم يدوّن فيه معلومة مشكوكًا في مصداقيتها؛ بغية تعويض ما ألحقه به الكذب. أما لونغو فقد استمرّ في مراوغة فينكل؛ تارة يُشعره ببراءته وتارة أخرى يصدمه بكذبات جديدة من بينها اعترافه الكارثي في جلسة المحاكمة بأنه عاد إلى البيت ليجد زوجته وقد قتلت طفليه، ليُنجز هو بدافع الغضب جريمة قتلها وطفلتهما الصغيرة. إعترافٌ لم تقبل به المحكمة، ولم يكن فوق ذلك آخر الأكاذيب والمراوغات.

من بين الانتقادات الموجّهة للفيلم أنه لم يمنح الضحية قدرًا ضئيلًا من الأضواء التي منحها للقاتل، وكذلك فعل فينكل في كتابه، كأن القاتل يُسهم مرتين في انتهاك حق الضحية؛ أولى في حقها بالحياة وثانية في حقها بسرد ما حدث فعلًا لها. وهو؛ أي القاتل، ينتظر حكما واحدًا بالإعدام لا اثنين جزاء على القتل ومحاولة تشويه الميت في عيون وأذهان أحبائه، وكأن الفيلم جهدَ في أنسنة القاتل دون نيّة مسبقة على الأغلب، مما أثار زوبعة من الانتقادات جرّاء منح القاتل فرصة ظهور هوليودية لا يستحقها.

اقرأ/ي أيضًا:

"درب الصليب".. ومن الإيمان ما قتل

هناك قواعد للقتل أيضًا