قصة الشعر الافتراضية

قصة الشعر الافتراضية

الميول الأدبية ليست سوى موضة تفاقمت مع توسع انتشار موقع الفيسبوك (إنترنت)

"نشوة شفاه"، "وجع امرأة"، "ليلة شتاء دافئة"، "آلام الحب"، "رغبات أنثى تائهة"، "شفة أهوي وشوية رواء"، "قبلات قلم".. هذه كلها لا تستخدم كعناوين للأفلام الإباحية فقط، بل من الممكن أن تستخدم أيضًا، كما يقول الواقع، كعناوين لصفحات ومجموعات تحمل لواء الشعر العاطفي، والوطني أحيانًا، على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

تتشابه عناوين الأفلام الإباحية مع عناوين صفحات ومجموعات الشعر العاطفي

من غير الوارد إحصاء عدد الصفحات والمجموعات المتخصصة بالشعر والبلاغة الأدبية في مواقع التواصل الاجتماعية المستخدمة باللغة العربية، بسبب التزايد والتوالد اليومي لهذه الصفحات، فضلًا عن عدم إمكانية التنبؤ بالأسماء التي يمكن أن تحملها صفحات الأدباء الجدد. وفي حين يظن البعض أن الاهتمام العلني بالشعر والأدب من قبل رواد الفيسبوك العرب يبشّر بمستقبل أدبي مشرق في الوطن العربي، فإن محتوى أي صفحة من هذه الصفحات سيتكفل بالإطاحة بكل التفاؤلات التي يمكن أن ترجوها من هذه المواقع.

الميول الأدبية ليست سوى موضة تفاقمت مع توسع انتشار موقع الفيسبوك، ويجدها الكثيرون من رواد هذه الصفحات صفة مميزة ومحببة اجتماعيًا، ومن الممكن امتطاؤها للتعبير عن مدى الحساسية الشخصية ورهافة الإحساس، وهذه الصفات تساعد، على حسب تقديرهم، بلفت انتباه أبناء الجنس الآخر، والبعض أيضًا يجدها وسيلة مناسبة لإثبات الأنا وتحقيق المكانة الإجتماعية. لذا ما الضير بكتابة الشعروالخواطر الأدبية؟

حقيقةً أن النشاط الأدبي الذي يمارسه ملايين الشباب العرب لا يعتبر مسيئًا لأحد، وأنه نشاط سلمي يقوم به أناسٌ بسيطون دون أن يقوموا بإيذاء أحد، باستثناء الكتابة الأدبية نفسها! وفعلهم هذا لا يخالف أي شرع أو قانون ولا حتى قوانين الفيسبوك، إذا ما استثنيا تعاليم الفيسبوك التي ترفض الحسابات الوهمية، وهم يقومون عادةً بإنشائها لاستعراض شعبيتهم الافتراضية من خلال تجميعهم لأكبر عدد من اللايكات. 

وحتى هذه المخالفة من الممكن تبريرها أخلاقيًا، فهم لا ينتحلون صفة أحد ونادرًا ما يسرقون صور أشخاص حقيقيين، وغالبًا ما تكون الحسابات الوهمية التي يستخدمونها واضحة وضوحًا جليًا، فعادةً ما يستخدمون صور قلوب الحب والشموع والحمامات البيضاء وظلال النساء واللوحات الشبه فنية في صورهم الشخصية، وحتى اسمائهم يستخدمون فيها عبارات مضحكة تعبر عن ضحولة آفاقهم الشعرية، مثل "دموعي أطفأت شموعي"، و"تعذيبك مرغوب"، و"ياسمين مهمل"، و"نسمة دفا"، و"زهرة الأمل" وإلى ما هنالك من هذه الأسماء.

قد يعتقد البعض أننا انتقينا الأسماء الأكثر رعونة وأن هناك المئات من صفحات الشعر التي تحمل أسماء تبدو أكثر نضجًا -وهذا ما فعلناه بالضبط- ولكن لا تختلف هذه المجموعات عن بعضها كثيرًا من حيث المحتوى، فالصور المغرقة بالرومانسية المبتذلة والمشبعة بتقنيات الفوتوشوب المبتدئة ترافق غالبية هذه الخواطر، والتعابير موحدة، والسرقات الأدبية لابد منها، وحتى الاقتباسات الموثقة من بعض الدواوين الشعرية -ولا سيما من محمود درويش ونزار قباني- تعتبر سمة تلازم هذه المجموعات بمختلف مسمياتها.

هل على مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية أن تؤدي دورًا جادًا في حياتنا؟ ولمَ لا تكون هذه المواقع للتسلية وحسب؟

وهذه الظاهرة تبدو أغرب عندما نعود لنبحث بالشخصيات التي تساهم بهذا الإنتاج الأدبي، وتجد أن البعض من هذه الشخصيات يحتل مكانة مرموقة في المجتمع، فالبعض منهم أطباء ومهندسين ومختصين في العلوم الفيزيائية والطبيعية، بل الأغرب من ذلك أن البعض منهم يقوم بالتدريس في المعاهد والجامعات! وغالبًا ما يفتخر هؤلاء بنتاجهم الأدبي الفيسبوكي، ويجمعون شذراتهم الشعرية في صفحة، قد تسمى شعر فلان، أو الصفحة الرسمية للشاعر فلان.

ومن الممكن أن يدافع البعض عن هذه الظاهرة من خلال طرح السؤال هنا: هل على مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية أن تؤدي دورًا جادًا في حياتنا؟ ولمَ لا تكون هذه المواقع للتسلية وحسب؟ وحقيقةً أن دور مواقع التواصل الاجتماعي غير محدد ومن الممكن فعلًا أن ننشأ حسابًا للتسلية، ولكن السؤال يبقى: هل تعتبر هذه المجموعات الشعرية مسلية؟ نعم إذا نظرنا إليها بهزليتها. 

ورغم أن هذه الظاهرة ارتبطت باتساع دائرة التواصل الافتراضي في حياتنا اليومية، إلا أن هذه الظاهرة في الحقيقة غير مرتبطة بالتقدم التقني وحسب، بل هي مرتبطة أيضًا بطبع متأصل لدينا، ألا وهو رغبتنا بالنجاح دون تعب، فثقافة الأسماء تكفي، ويكفي أن تعرف بعض الكتاب وبعض العناوين لتبدو مثقفًا، والثقافة صفة حلوة في مجتمعنا.

وبالتالي فإن الرغبة بالقراءة دون كتابة، وجدت ضالتها بمواقع التواصل الإجتماعي، فأصبحت منتجاتنا مؤرشفة، ولدينا الكثير من اللايكات والمعجبين، منهم الوهميين ومنهم الحقيقيين، ولسنا مضطرين بعد اليوم لأن نغلق على  دفتر تفريغاتنا الجنسية في سن المراهقة، فهناك جماهير تشجعنا وتساندنا، وهناك دور نشر مجانية.

اقرأ/ي أيضًا:

إدوار الخراط.. سيرة انشقاق

نحن المراسيل التي تخرج بألف اتجاه