قصة أمّ.. في سن المراهقة!

قصة أمّ.. في سن المراهقة!

من أصعب التجارب التي تمر بها الفتاة العربية تجربة الأمومة في سن مبكرة(لويزة غوليامكي/أ.ف.ب)

من أصعب التجارب التي تمرّ بها الفتاة العربية في المجتمع التقليدي تجربة الأمومة في عمر المراهقة، حيث تتولّى مسؤولية حضانة وتوعية طفل وهي لم تكمل بعد حصّتها من التوعية والحضانة اللازمتين لتكوين أمّ متكاملة تفي باحتياجات أفراد الجيل الجديد من رعاية وتربية وتنشئة.

من أصعب التجارب التي تمرّ بها الفتاة العربية في المجتمع التقليدي تجربة الأمومة في عمر المراهقة

وتعاني الفتيات اللاتي أصبحن أمهات في سن المراهقة من أزمة في تحديد الوظيفة، فتارةً هي على طبيعتها لا تستطيع إلا أن تكون طفلةً في رعاية طفلٍ صغير رعايةً قاصرةً فيها من قلة الخبرة ما يجعلها خطرًا على كليهما، وتارةً هي تحاول الارتقاء لدور الأم الكبيرة التي تريد أن تواكب المسمّى الوظيفي السامي الذي منحوها إياه في وقت مبكرٍ جدًا.

اقرأ/ي أيضًا: ما يجب أن تتوقعه إذا ما قررت إنجاب الأطفال!

وهذا تحديدًا ما مررتُ به حين أصبحتُ أمًّا في مراهقتي، وعشت الصراع بين أن أحتفظ بشخصية الطفلة المشاغبة المجنونة، التي لم أعش سواها، وبين شخصية أمّي "ستّ البيت" الكبيرة والرّاعية والمدبّرة. وبعد فترة من الصراع بين ما أنا عليه وما أحاول أن أكونه قررت أن أتخذ دور المنتصف بين هذا وذاك، وأن أتخيّل أنني أربّي أخي الصغير لا الطفل الذي أنجبته. فأعلمه كل ما أعرفه بطريقة المحبّ الصّاحب لا بطريقة المدير الموجّه. ولم يضايقني يومًا أن هذا الأسلوب جعل أطفالي ينادونني باسمي حتى أمام الناس بدلاً من أن ينادونني "ماما" كما ينادي الأطفال أمهاتهم.

كبرت وكبر طفلاي معي، وها أنا أراقبهم يكرّرون طفولتي بتفاصيلها الشقيّة فيفاجئني مدى الشبه بين ما هم عليه الآن وبين ما كنت حين كنت في مثل سنّهم. لم أكن أكثر حيرةً في حياتي من حيرتي أمام أسئلة "عاصم" الكثيرة واللامنتهية، الأسئلة التي يعتدي بها دائمًا على هدوء الوجود ويعكّر بها صفوَ ما قبل الطبيعة وما بعدها.

في الواقع أنا لم أعد أكترث إن كانت الإجابات المجردة التي أجيبه بها مناسبة لسنّه الصغير أم لا، ببساطةٍ أنا أقول له الإجابات الحقيقية والكاملة لكل سؤال يطرحه دون أن أشعره أن هناك شيء ما يجب إخفاؤه عنه لأنه طفل ولن يفهم ما أقوله. أنا أقول له الحقائق كما هي وأتوقع منه أن يحاول فهمها وتحليلها بنفسه، لا أن يعتاد أن تتقلص الإجابة وتتقزّم كي تصل إليه باهتة ومحبطة، فالإجابات الجزئية إهانةٌ لكل هذه التساؤلات العظيمة.

لطالما كنت أكره استغفال الكبار لي حين كنت طفلة صغيرة كثيرة السؤال والثرثرة. كنت أكره أن يسكتوني بأجوبة ساذجة لا ترضي فضولي، فكنت دائمًا ألجأ إلى والدي، الذي يعرف كل أسرار الوجود حسب رأيي حينها، والذي كان بدوره يوجهني للقراءة ويصحبني للمكتبات ومعارض الكتب كي أبحث بنفسي عن أجوبة لم يعرفها أحد، فلم أعثر بالطبع على الإجابات ولكني تعلقت بالقراءة منذ ذلك الحين.

تعاني الفتيات اللاتي أصبحن أمهات في سن المراهقة من أزمة في تحديد الوظيفة

اقرأ/ي أيضًا:للأمومة ثمن!

أضحك كثيرًا كلما سألني عاصم سؤالاً جديدًا يتطلب مني أن أختزل له أحداثًا وعلومًا كثيرة على شكل قصة أحكيها له قبل النوم، مستعينةً ببعض مقاطع اليوتيوب والعروض التوضيحية كي يفهم إجابتي، فطفلي ليس من الجيل الذي سيستمتع بزيارة معرض الكتاب كما كنت أفعل، ولن يستشعر لذّة استنشاق الحبر المختمر بالورق، فكل الدفاتر والكتب تذكره بفروض الروضة، التي ينفر منها ويرفضها. ولكن ليست الأسئلة سواء، وليست الإجابات ثمارًا دانية.

فحين بلغ عاصم سن 5 أعوام، بدأ يطرح أسئلته "الوجوديّة"، فانتابتني مشاعر متناقضة ما بين الفرح والحزن، وبعض هذه الأسئلة هي: " ماما إحنا عنجد ولا مو عنجد؟"، "طيب ماما إحنا هون ولا مو هون؟"، "ماما هاي الأشياء كلها بمكانها ولا إحنا بنتخيلها؟"، "طيب ليش لما نحلم بنحس إنو عنجد ولما نصحى بيطلع مو عنجد؟ مو يمكن احنا هلأ كمان بنحلم ونصحى بعدين يطلع مو عنجد!".. وأسئلةٌ كثيرةٌ عن الله، لم تتطرق إليها جميع كتبه السماوية.

في الواقع لا شيء يقلقني ويفرحني أكثر من أن تراود طفلي ذات الأسئلة التي شغلتني حين كنت في مثل سنّه، هذه الأسئلة التي افتُتحت لنقاشها مئات المدارس الفكرية عبر التاريخ وابتُدعت فروع العلوم واشتعلت بسببها حلقات الفلسفة واشتغل في شروحها أكبر الفلاسفة وأعتى المفكّرين، هذه الأسئلة التي شغلتني في الركض وراءها حتى هذا اليوم. الأسئلة التي ليس لها إجابة واضحة، كيف سأقنع "عاصم" أن يتخلى عن تكرارها وإعادتها عليّ؟ كيف وأنا أعلم تمام العلم أنه "كما أمه وأمثالها من الفضوليين" سيركض وراء الإجابات التي لن يصل إليها على الأرجح!

لم يجبني أبي على أسئلتي الوجودية، ولا أملك إجابةً مقنعة ومؤكدة أرضي بها طفلي، ولكنني أعي تمامًا أن رحلة التساؤل أكثر جدوى من صخرة الإجابات، وأن وظيفتي كأم ومعلمة ليست أن أجيب على أسئلته بقدر ما علي أن أحرضه عليها، وأدفعه في كل إجابةٍ أعطيه إياها إلى سؤال آخر وآخر وآخر.. قناعةٌ واحدةٌ ترسخ لديّ هنا: "الأجوبةُ عمياء، وحدَها الأسئلةُ ترى".

اقرأ/ي أيضًا:

قصص مغربيات اخترن الإجهاض!

المرأة السورية.. عبء التقاليد وأعباء الثورة