قصائد غسلتني من الدم

قصائد غسلتني من الدم

(Getty) رجل ليبي يقف على سطح منزل مدمر في بنغازي

عندما انسحبت من أرض المعركة، التي كانت في حي سكني نزح أهله بسبب القصف، أبطلتُ اللغم الذي زرعته عند الباب، وذلك الذي في الحديقة، والآخر المائي الذي داخل سيفون المرحاض، سيعود أهل البيت إلى بيتهم، سيعودون فرحين، فلماذا أقتلهم، وأحول حلم عودتهم إلى مأساة، ألا يكفي غيابهم عن بيت ولدوا فيه عامًا ونصف العام، أنا أحب الخير، والخير قال لي لا تقتل بريئًا أو طفلًا، لا تحرق شجرة أو زرعًا، حارب بشرف بنبل بشجاعة بأخلاق، عندما عادوا كنت أراهم في التلفزيون، في الفيسبوك، في الأحلام، كانوا سعداء، وكنت سعيدًا رغم هزيمتي، لقد سحبت ربّة البيت سلك السيفون ولم ينفجر شيء، لقد لعب الطفل في الحديقة ولم ينفجر شيء، لقد فتح رب الأسرة الباب ولم ينفجر شيء.

 كانت لي في البيت ذكريات جميلة، ليلًا أتجول بين غرفه، خاصة المربوعة (صالون الجلوس) التي فيها مكتبة، في أوقات راحتي أقرأ بعض كتبها الأدبية والفنية، تلك الكتب غيّرت الكثير من أفكاري، التي زجت بي في هذا المعترك، كنت أمسحها كل يوم من الغبار، وأنتظر بفارغ الصبر، انتهاء نوبة حراستي، حتى أعود إليها من جديد، قال لي الأمير إنك تقرأ كتب المرتدين يا ولد، قلت له نعم، حتى أعرف طريقة تفكيرهم، وسبل مواجهتهم، ليست الحرب بالنار فقط، يا سيدي الأمير، قال لي بوركت، المسلم كيّس فطن، كان يبتهج كثيرًا عندما أقرأ له أبياتًا غزلية، لأحد الشعراء القدامى التي تحتفي بالنساء، ونكاحهن على سنة الله ورسوله، كان يقول صدق الملعون لعنة الله عليه، كان العدو يكر علينا وكنا نفر، ثم نكر عليه، كنت أكر عليه بقوة، كي أعود إلى هذا البيت الذي صار جنتي، كي أقرأ في المكتبة، التي عرفت أنها لشاعر ليبي رحل منذ سنوات قريبة، ذات يوم جُرحت، قالوا لي ستنقلك المدرعة إلى بحر قنفوده، ثم تركب الجرّافة للعلاج في مدينة تدعمنا، وإن احتجت لعلاج في الخارج سنطير بك إلى جنتنا تركيا، قلت لهم لا أرغب، أحب أن أرابط في موقعي هذا، حتى يأتي الله بأمر كان مفعولًا.

في البيت وجدت صيدلية صغيرة، فيها دواء ومطهر ومسكنات وأربطة، أعانتني على جرحي، سريعًا غسلت قهوة الشاردة التي سكبتها على جرحي، وطماطم البستان المعجون الذي دهنت به حروقي، وداويت بالدواء الذي وجدته في الصيدلية.. قلت في نفسي، لو أتى الجيش أو الشباب الذين يدعمونه لن أهرب، سأرمي البندقية وأتشبث بالكتاب، الكتاب سينقذني، في المطبخ أعد القهوة، وأنظف الأواني دائمًا بماء عذب أجلبه من الماجن، وأشعر أن هذا البيت، الذي صار موقعي في الحرب قطعة مني، عندما أتذكر أمي أذهب إلى غرفة النوم، وأمسك بمحرمة شولاكي أو شيفوني، فيها رائحة بخور أشمها أو أعصب بها رأسي، دائمًا أدعو أن لا تصيب بيتي هذا قذيفة هاون أو صاروخ غراد. 

قالوا لي اثقب جدار منشر السطح لتخرج منه فوهة البندقية لتقنص المرتدين، قلت لهم سوف أرمي من فوق السور، لا داعي لثقبه، الله سيحميني أكثر من البلوك (الطوب الإسمنتي)، قالوا إنني شجاع ومرابط، ومن جهتي لم يدخل أي مرتدين طواغيت أو صحوات، وتحصلت على ألقاب كثيرة، لأنني لا أنسحب من مكاني، إلا بعد إلحاح شديد منهم، وأمر مباشر من الأمير، وأكون أول العائدين إلى موقعي، عندما تنطفئ النار ويتلاشى الدخان.

كانت الكتب تشدني إلى البيت بقوة، لم أعد أخشى الموت، في حضرتها شعرت أني أعيش حيوات جديدة، حور العين التي وعدوني بها بعد أن استشهد، وجدتها في الكتب، صرت أناقشها، صرت أسمعها وهي تقول لي ابقَ معنا هنا، خليك على المضمون، حمامة جميلة في اليد ولا صقر حائم، والآن أنا حزين جدًا، لقد تركت البيت الذي رابطت فيه عامًا ونصف العام رغمًا عن أنفي، لقد تقهقرت إلى الوراء، نار حمراء مجنونة حاصرتنا وطردتنا، والآن ها أنا أذوح في منطقة أخرى لا أعرفها، كل بيت أدخله لا أجد فيه كتب، تنرفزت كثيرًا، رميت البندقية في فرن مصنع الأسمنت، وأخرجت من جعب الذخيرة ديوان الشعر، الذي أقرأه دائمًا في بيت الشاعر، لا أخفي عليكم، أنا الآن في مقبرة الهواري ببنغازي، عند قبر الشاعر الراحل الذي رابطت في بيته، عرفت مكانه من خلال صورة معلقة في المربوعة، وأيضا رقمه، قرأت عليه الفاتحة، قرأت عليه أبياتًا من شعره، كان الشاعر يبكي كثيرًا، قال لي اقترب يا ابني، إني أبكي على الوطن، أبكي على بنغازي، أبكي على جاري، وأشار إلى القبر المهدم الذي بجواره، لقد نبشه الأوغاد من أسابيع، وعندما حاججتهم بصقوا علي وذهبوا.. مسحت شاهدته بكفي، قلت له لا تحزن، ربنا في الوجود، يأخذ الحق، وربطت على شاهدته محرمة الشولاكي، محرمة أرملته الحاجة، التي كنت أربط بها رأسي، توقف بكاؤه، أحسست أن دمعه جف.. بعد برهة.. سألني أنت من؟!

اقرأ/ي أيضًا:

لا مجانين في "مونو"

حزن وشبه جملة