ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

29 ديسمبر 2025
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
الشاعر المصري حسن عامر (ويكيبيديا)
زينب محمد عبد الحميدزينب محمد عبد الحميد

في قراءة تجربة الشاعر المصري حسن عامر، لا نقف أمام غنائية مغلقة تحتفي بالذات، وإنما نجد أنفسنا في مواجهة "مسرحة" شعورية للحياة، حيث القصيدة فضاء تتصارع فيه الرغبة في الحضور. يبرز "النسيان" هنا كأحد أوجه استراتيجية درامية كبرى، يتجاوز العجز عن التذكر، إلى تطهير الذات بوعيٍ ينتزع من خلاله الشاعر ذاته من ثقل الذاكرة الجمعية.

من قميص البشارة إلى قميص النسيان

يستدعي حسن عامر قصة يوسف، لكنه يعيد صياغتها إنسانيًا بما يتسق مع رؤيته الدرامية للقصيدة. كان القميص في الذاكرة دليل براءة أو بشارة عودة، أما عند عامر، فالقميص عبئ مادي ورمزي يود التخلص منه لتتحقق براءته الخاصة. حين يقول في قصيدته (صورتي في الماء):

"على كلِّ حالٍ / خرجتُ من الذكرياتِ بقلبٍ سليمٍ / فلا رعشةٌ من زمانِ الأصابعِ فوق يديّْ / ولا شعرةٌ فَوْقَ أيِّ قميصٍ تدلُّ عليّْ / ولا رائحةْ / بريءَ المناديلِ من دمعةٍ جارحةْ".

يمارس عامر فعل نسيان راديكالي؛ يريد "يوسفًا" لا تدركه العيون، يوسفًا يخرج من الذكريات بقلب سليم لا عبر استعادتها، بل عبر تصفيتها كليًا. إن "القلب السليم" هنا هو قلب "خاوٍ" من أثر الآخرين، ومن "رعشة زمان الأصابع". ومن ثم تنشأ الدراما هنا من محاولة نفي كون الذات ضحية؛ فالشاعر لا ينتظر إخوته ليُلقوا به في الجب، إنما يختار "الجب الاختياري" / النسيان؛ هربًا من طعناتهم الآتية التي يقرأ ملامحها سلفًا حين يقول:

"وأعرفُ وجهَ عَدُوِّي، وأعرفُ موضعَ طعنتِهِ الآتية".

أما "الذئب"، ذلك الخصم التاريخي في القصة المعروفة، يتحوّل عند عامر إلى مستودع للحنين وشريك في العزلة.

"تركتُ حنيني لذئبٍ جريحٍ على الضفةِ الثانية".

وهذا القلب للأدوار يجعل من النسيان موقفًا واعيا اختياريا؛ ينحاز به الشاعر ويسامح المرء حتى لو أراد دمه، ما دام هذا الآخر بعيدًا عن "حجابه" الخاص، وما دام الشاعر قد نجح في "نسيان" وجهه وقطع دابر الأثر الذي قد يقود إليه.

النسيان وخيطه الدرامي: "أن أَنْسَى وأنْ أُنْسَى"

تنتقل القصيدة عند حسن عامر من حالتها الوجدانية إلى كونها "حدثًا" دراميًا يتشكل عبر رغبة عارمة في التلاشي. في قصيدته التي يبدؤها بـ "بي رغبة"، نجد أن النسيان غاية يسعى إليها بتخطيط مسبق لرغبة في التحرر من القوالب والتصورات المسبقة عن الحياة؛ حين يقول:

"بي رغبةٌ / أن أفقدَ الأشياءَ، / أنْ أَنْسَى وأنْ أُنْسَى، / وأن أتأمَّلَ الدنيا كما هِيَ/ / شارعًا في بلدةٍ مجهولةٍ...".

هذه الرغبة في "أن يُنسى" هي ذروة الصراع الدرامي مع الوجود. إنها محاولة للعودة إلى حالة ما قبل التكوّن، حالة السكون الرحب قبل الكلمات. الشاعر هنا ينشد الإنكار؛ يريد من المرأة أن تنكر حنينه، ومن الأصحاب أن يتقاسموا ذاكرته ثم ينسوه. هذا التوزيع للذاكرة على الآخرين يشبه توزيع دم القتيل بين القبائل، لكنه هنا قتل للذاكرة من أجل منح الذات "خفة" الكائنات. وهنا أتصور النسيان "ممحاة" درامية تعيد رسم ملامح البطل الشعري، فهو لا يريد أن يكون "نبيًا" ينتظر المؤمنين، بل يفضل التحرر من التوصيف ونسيان معطياته وحدوده الشكلية الإنسانية، ليتحد في جوهر مخلص أكبر بأن يكون:

"بسيطٌ / كقطرةِ ماءٍ يناولها النهرُ للساقيةْ / وحيدٌ كأنَّ الزمانَ انتهى."

المكان للعبور لا استقرار

لا يخفى عند عامر قلقه المكاني المنثور بين "محطات مؤجلة"، و"عجلات قطارات"، أو "شوارع مجهولة". هذا القلق يخدم رغبته في التحرر. فالمكان الثابت يمثل الذاكرة والقيد، بينما "الصحراء" و"البلدة المجهولة" تمثلان الفضاء الرحب والأكبر لتحقيق هدف النسيان. وتتجلى هذه الحركية الدرامية في قوله:

"وكيف أودِّعُ سيِّدَةً في الطريقِ إلى غَدِها، ثم أنسى".

والنسيان هنا يرتبط بـ "الطريق" وبالعبور أما المكان لا يُعاش بل يُعبر منه خلاله بوقود والنسيان الذي يمنح الذات قدرتها على المضي قدما دون الالتفات إلى الوراء. وعندما يحضر الحنين إلى "بيوت الطين في قرية نائية"، فإنه يحضر كحلم بديل للفشل في الانتماء إلى "السلالة" الحالية:

"لقد أَخْطَأَتْ دَوْرَها في السلالةِ روحي، / إذن سوف أمضي / كما اتفقَ السيرُ والهاويةْ".

هذا المضي نحو "الهاوية" المنسية أو "المجهول" هو الحل الدرامي الوحيد لروح تشعر أنها غريبة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.

الصراع بين السكون والاحتراق: "ليحدث الأمر دوني"

في قصيدة (ليحدث الأمر دوني)، نصل إلى مرحلة يمكن أن أسميها "الاستقالة الدرامية" من العالم. الشاعر هنا لا يكتفي بالنسيان، بل يعلن القطيعة الكاملة مع "المعنى".

"نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تَذكُّرَهُ! / وقلتُ فليصدقِ المعنى، لأنكِرَهُ / وليبتعِدْ كلُّ شيءٍ مثلَ عادتِهِ / فقد قضيتُ من المشوارِ أكثَرَهُ".

تتحول القصيدة هنا إلى مواجهة بين "أنا" الشاعر و"العالم". إنه يصف نفسه بأنه "نبيٌّ مَحَا الطوفانُ قريتَهُ"، وهي صورة تعيدنا إلى قصة يوسف المخزونة داخل الذاكرة الجمعية بما يعيشه من عزلة الجب. إلا أن الشاعر لا يرضى أن يدفعه القدر إلى هذا المصير المنسي إنما يُقدم عليه بنفسه حين يختار أن يحرق "دفتر كلامه" بنفسه، في فعل احتجاجي ضد اللغة، التي من المفترض أن تتمسك به لا أن ينكرها. أما دافع هذا النكران فربما يكمن في "اللا مبالاة" التي هي يأس وصل إلى قمة ذروته حين قال: "في اللا مبالاةِ ما في اليأسِ من سَعةٍ". هذه السعة المكانية والنفسية هي التي تجعل الشاعر يقف مراقبًا لشيطانه من وراء نافذة شروده، رافضًا التفسير أو الغاية من الانتظار، مدركًا أن وجوده الباهت - الذي سيؤول إلى نسيانه لا محالة – لا وجود له سوى في "كتاب الماء" فيقول: " لي صورةٌ في كتابِ الماءِ أعرفُهَا" فالماء يمحو بمجرد أن يتدفق، والصورة فيه لا تملك ثبات الحجر أو الورق أو الكلمة.

أزمة الغياب

في قصيدة أخرى يتجلى نسيان جديد اختارته الحبيبة لمحبوبها ودفعته إليه بالغياب، فيتحول النسيان إلى بوصلة مضللة أو مفقودة ترمي بالناسي إلى محطة جديدة يتمنى فيها تلاشي وجوده لا مجرد نسيانه.

"كأني نسيتُ خطايْ! / أنا في غيابكِ لستُ أنا، أو سوايْ / ولا ينبغي أنْ أكونْ".

إن قراءة بعض قصائد حسن عامر تكشف لنا عن رغبة في توثيق الغياب وتنظيم مبرراته. أما النسيان في هذا السياق فيمثل "بطولة تراجيدية"؛ حيث يختار البطل المحو الكامل على أن يبقى رهينة لذكرى جارحة أو سلالة لا تشبهه.

لقد نجح عامر في استدعاء نقيض يوسف حيث نقيض آمال التذكر والعودة ليعبّر عن صرخة الإنسان المعاصر الذي يود أن يكون "خفيفًا" كالندم المتأخر، و"بسيطًا" كقطرة ماء، بعيدًا عن سطوة المعنى.

المكان في قصائده ليس مستقرًا، والزمان لديه "كهلٌ تداعى"، وما يبقى "لحظة خالية" ينام فيها الشاعر خالي المواعيد، متحررًا من ثقل "القميص" ومن انتظار "البشارة"، ليصبح هو نفسه "الموعد" و"الغياب" في آن، في جغرافيا لا تتقن شيئًا قدر إتقانها النسيان.

كلمات مفتاحية
حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

book-web-sawt.jpg

"الأرض التي ملكت قلبي" .. محاولة غير مقنعة لتكريم أبطال لم يتوقف عندهم التاريخ

مراجعة رواية "الأرض التي ملكت قلبي" للكاتب المصري محمد المشد

2559.jpg

مراسلات بين وليام جولدنج ومحرره تكشف كواليس صناعة أعماله الأشهر

مراسلات بين وليام جولدنج ومحرره

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي