"قسد" قاب قوسين أو أدنى من الرقة.. وترامب بين نيران الفضائح وغضب تركيا

رفع راية "قسد" بإحدى القرى التي سيطرت عليها في ريف الرقة الشمالي (دليل سليمان/ أ.ف.ب)

أصبحت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من الجهة الشمالية لمدينة الرقة، المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، وأكبرها في المناطق التي لا يزال يسيطر عليها، في الوقت الذي يشهد فيه ريف المدينة من مختلف الجهات اشتباكات عنيفة بين الطرفين في طريق التقدم إلى داخل المدينة، حيثُ يقدم التحالف الدولي إسنادًا جويًا لـ"قسد" على مختلف الجبهات، رغم الانتقادات التركية الموجهة لواشنطن بسبب دعمها للقوات الكردية.

أحياء الرقة تغرق بالمياه.. و"قسد" تتقدم

وسط تضارب في الأخبار حول المساحات التي خسرها داعش بعد انسحاب مقاتليه من مدينة الطبقة بريف الرقة قبل أيام، أعلنت "قسد" بشكل رسمي تقليصها المسافة التي تفصلها عن مدينة الرقة من الجهة الشمالية لثلاثة كيلومترات، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة تخوضها مع التنظيم المتشدد على جميع المحاور، أبرزها قرب الفرقة 17، حيثُ قام التنظيم بتحصين مواقعه داخلها.

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، أنها باتت على بعد 3 كيلومترات فقط من مدينة الرقة

وكانت "قسد" بعد سيطرتها على مدينة الطبقة وسد الفرات الإستراتيجي، أكدت أن عملية استعادة مدينة الرقة من قبضة داعش ستبدأ مع فصل الصيف، تحديدًا حزيران/يونيو القادم، دونمزيد من التفاصيل حول العملية المرتقبة، إلا أنه من المتوقع وفق التطورات السريعة، أن تكون أطول من مدينة الموصل، لأنه بإمكان التنظيم استقدام الدعم من مناطقه في البادية السورية المتصلة بالمدينة.

اقرأ/ي أيضًا: عملية الرقة.. هل تحقق حلم أكراد سوريا في الفيدرالية؟

ويوم الإثنين الماضي، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا تظهر غرق الأحياء الغربية لمدينة الرقة بالمياه، فيما قالت حملة "الرقة تذبح بصمت" التي لديها تواصل مع عدد من المصادر داخل المدينة، إن "سدًا ترابيًا أقامه تنظيم داعش منذ قرابة الشهر، غرب مدينة الرقة، بهدف حجز المياه المتدفقة عبر قناة البليخ إلى المدينة، قد انهار وغمر عدة أحياء سكنية غرب المدينة الرومانية والسباهية ومفرق الجزرة والحصيوة وأجزاء من حي المرور"، محذرة من حدوث كارثة إنسانية.

غرق الرقة

وقبل أيّام أعلنت "قسد" سيطرتها رسميًا على مدينة الطبقة، الواقعة على بعد نحو 55 كيلومتر غربي الرقة، ما يدل على أن داعش يحاول عرقلة تقدم المقاتلين المدعومين من الولايات المتحدة، بعد تأكيد وزارة الدفاع الأمريكية تزويدها "قسد"، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، بأسلحة متطورة رغم معارضة أنقرة لهذا القرار.

ومنذ بدء انحسار مناطق نفوذه في العراق، أرسل داعش معظم القياديين إلى الرقة، إلا أن التقدم الذي أحرزته "قسد" جعله يطلب منهم التوجه لمدينة دير الزور التي يتسابق على استعادة سيطرتها ثلاثة قوى عسكرية هي الجيش السوري الحر و"قسد" وقوات الأسد، التي تتقاسم السيطرة عليها مع داعش، رغم أن الكفة العسكرية تميل لصالح "قسد" والنظام السوري، ما يعزز إمكانية تأسيسهم تحالفًا عكس الجيش السوري الحر الذي يملك مسافة بعيدة تجعل الوصول إليها بفترة زمنية قصيرة مستبعدًا.

تركيا ترفض دعم القوات الكردية في سوريا

شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه الذي جمعه الجمعة الماضية، بنظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، على موقف بلاده الرافض تقديم الأسلحة المتطورة لمقاتلي "قسد"، رغم طمأنة الولايات المتحدة أن الأسلحة ستكون محدودة، ومخصصة لقتال لعملية الرقة، بعد إعلانها رسميًا عبر البنتاغون تقديمها الأسلحة تمهيدًا لبدء عملية الرقة.

وخلال مؤتمر صحفي له، أكد أردوغان أن تقديم أي دعم للقوات الكردية، المكون الأساسي لتحالف "قسد"، يعتبر منافيًا للاتفاقات الدولية، في مقابل تأكيده على أن التعاون المشترك بين أنقرة وواشنطن ضد "جميع المنظمات الإرهابية في المنطقة" يمثل أهمية كبيرة للبلدين، فيما شدد ترامب على وقوف بلاده مع أنقرة في حربها ضد داعش وحزب "العمال الكردستاني"، مؤكدًا على تقديم "ضمانات" لتحقيق "السلام والأمن" في المنطقة.

يندد أردوغان بالدعم العسكري الأمريكي لـ"قسد"، لكنه في نفس الوقت يؤكد على أهمية التعاون بين أنقرة وواشنطن

وقبل يوم واحد من زيارة أردوغان إلى واشنطن، نفى ألدار خليل، عضو الهيئة القيادية في حركة المجتمع الديمقراطي في مناطق "الإدارة الذاتية"، في مقال نشره في مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، وجود أي علاقة بين الوحدات الكردية المقاتلة في سوريا وحزب العمال الكردستاني، المدرج على لائحة التنظيمات الإرهابية، في محاولة للتأثير على لقاء ترامب وأردوغان، رغم ظهور تقارير عديدة تشير إلى وجود اتصالات بين الحزبين الكرديين.

اقرأ/ي أيضًا: تركيا ومعركة الرقة.. التحالفات الهشة

مآزق تركيا.. وفضائح ترامب

ويأتي الخلاف على القوة المشاركة في عملية الرقة بين واشنطن وأنقرة، متزامنًا مع توتر العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وألمانيا، بعد منع أنقرة دبلوماسيين ألمان من زيارة كانوا سيقومون بها إلى قاعدة "إنجرليك"، الجوية التي يتواجد فيها نحو 250 جنديًا ألمانيًا يقدمون الدعم للتحالف الدولي ضد داعش، وبدء ألمانيا دراسة خيار سحب جنودها من القاعدة.

وفي حين عارضت ألمانيا بشدة إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا منتصف نيسان/أبريل الماضي، مُؤكدة رفضها إجراء استفتاء تركي على أراضيها للجالية التركية من أجل إعادة حكم الإعدام للنظام القضائي التركي، في نفس الوقت هنّأ ترامب نظيره أردوغان بنتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، محاولًا الحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة، التي تعتبر من الدول البارزة في حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، الذي يستخدم قاعدة "إنجرليك" لتنفيذ ضربات جوية ضد مواقع داعش في شمال شرق سوريا، وذلك رغم معارضة دول الاتحاد الأوروبي لنتائج الاستفتاء.

هذا ويُذكر أن ترامب يواجه فضيحة تسريبات هي الأكبر منذ وصوله البيت الأبيض، كان أولها قبيل لقائه بالرئيس التركي عندما كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، أن ترامب أطلع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال لقائهما على معلومات استخباراتية ضد تنظيم الدولة تصنف ضمن "أعلى درجات السرية".

يُرجّح أن يمضي ترامب في دعم القوات الكردية، في مقابل التمسك بعدم خسارة تركيا كونها حليف هام في "الحرب على الإرهاب"

ويوم الثلاثاء الماضي، بعد انتهاء لقاء ترامب وأردوغان، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي المقال جيمس كومي، كان سبب إقالته طلبٌ من ترامب بتخليه عن تحقيق حول حجم العلاقة بين مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين التي تربطه بروسيا وتلقيه أموالًا مقابل مشاركته في كانون الأول/ديسمبر 2015 ،في الحفل السنوي لقناة "روسيا اليوم" الذراع الإعلامي للكرملين في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: الهجوم خير وسيلة للدفاع عند ترامب

وعليه تحاول إدارة ترامب أن تستبق أي نتائج سلبية تخرج بها التحقيقات، تكشف مستوى العلاقة مع موسكو؛ بتحقيق انتصار على داعش في الشرق الأوسط، للتخفيف من حدة الانتقادات الموجهة إليه، وبالتالي فإنه مصر على المضي بتقديم الدعم للقوات الكردية، لكنه في نفس الوقت لا يرغب في أن يخسر شراكة تركيا في الحرب ضد الإرهاب، كونها حليفًا مهمًا في حلف الناتو، لذا تطرق خلال لقاءه بأردوغان لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.

وعلى ضوء ما تقدم فأنه من المتوقع أن تمضي إدارة ترامب في دعم القوات الكردية في عملية الرقة، كونها قطعت شوطًا مهمًا، وأصبحت قريبة من إعلانها بدء اقتحام المدينة، وبالتالي فإن إيقاف العملية من الجانب الأمريكي سيؤثر سلبًا على مجرياتها، وقد يجعلها تخسر مساحات كانت تسيطر عليها في وقت سابق، ليبرز السؤال الأهم هل من الممكن أن يتم التوصل لاتفاق يفضي لإشراك القوات التركية وفصائل الجيش السوري الحر في العملية؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الرقة تذبح بصمت".. قصة حملة سلمية

تعطيل "درع الفرات".. داعش و"قسد" خلف النظام