قرار التعليم حول احتفالات المدارس الدولية.. خطوة لحماية الهوية أم انتكاسة للتنوع؟
14 سبتمبر 2026
مع انطلاق العام الدراسي الجديد في مصر، يبدو أن المشهد التعليمي يحمل في طياته العديد من القضايا التي أثارت نقاشات واسعة بين المواطنين، بعضها وصل إلى حد الجدل المجتمعي المحتدم، فبعد أيام قليلة من واقعة محافظ القليوبية ومديرة إحدى المدارس بمدينة بنها، والتي كشفت خلالها المديرة عن تحملها نفقات خاصة لتلبية احتياجات المدرسة في ظل عدم استجابة الجهات التعليمية لبعض المطالب، تعود الساحة المصرية لتشهد قضية جديدة تحمل أبعادًا مختلفة وتتعلق هذه المرة بالهوية والثقافة داخل المؤسسات التعليمية.
فقد أثارت تصريحات وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قبل أيام بشأن إلغاء الاحتفالات بالأعياد والمناسبات التي لا تتوافق مع الثقافة المصرية داخل المدارس الدولية موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تجاوز الجدل حدود القرار نفسه، ليمتد إلى نقاش أوسع حول طبيعة دور المدارس الدولية، وحدود التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية والانفتاح على الثقافات العالمية.
ماذا قال الوزير؟
في العاشر من أيلول/ سبتمبر الجاري، شهدت جلسة نقاشية حول تطوير منظومة التعليم، بحضور وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان وعدد من رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين، طرحًا جديدًا يتعلق بمستقبل المدارس الدولية وعلاقتها بمفهوم الهوية الوطنية، وخلال الجلسة، أكد وزير التعليم أن الوزارة اتخذت إجراءات تهدف إلى تنظيم طبيعة الاحتفالات والأنشطة داخل المدارس الدولية، بما يتوافق مع المرجعية الثقافية المصرية.
يرى فريق من المنتقدين أن القرار يمثل تدخلًا غير مبرر في طبيعة التعليم الدولي، وقد يؤثر على حق الطفل في التعرف على ثقافات وتجارب إنسانية مختلفة
وأوضح الوزير أن الوزارة أصدرت توجيهات بإلغاء الاحتفالات بالأعياد والمناسبات التي لا تتماشى مع الثقافة المصرية داخل هذه المدارس، وهو التوجه الذي أدرجته الهيئة العامة للاستعلامات ضمن مجموعة من الإجراءات المرتبطة بتنظيم عمل المدارس الدولية وتعزيز حضور الهوية الوطنية في البيئة التعليمية.
وخلال حديثه، طرح الوزير تساؤلًا يعكس جوهر رؤيته للملف قائلًا: "هل حد يقبل إن ولادنا يحتفلوا بأعياد ليس لنا علاقة بها خالص؟"، مشيرًا إلى أن الوزارة ناقشت هذه التوجيهات مع إدارات المدارس الدولية، وأن هناك التزامًا بتنفيذها.
وأكد أن الاحتفالات المدرسية ينبغي أن تركز على المناسبات التي تحظى باعتراف رسمي وشعبي داخل الدولة، ومنها عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الميلاد وشم النسيم وعيد القيامة، إلى جانب الأعياد والمناسبات الرسمية للدولة.
ووصف وزير التعليم السماح بممارسات يرى أنها بعيدة عن الثقافة المحلية بأنه يمثل "تجريفًا لثقافة بلادنا لن نقبله"، في إشارة إلى أن السياسة التعليمية، من وجهة نظره، لا تقتصر على تقديم المناهج فقط، وإنما تشمل أيضًا تشكيل الوعي الثقافي والقيمي لدى الطلاب.
ليست قرارات منفصلة
المتابع لمسار توجهات وزارة التربية والتعليم خلال الفترة الأخيرة يلاحظ أن التصريحات المتعلقة بالمدارس الدولية لا تأتي في سياق منفصل، وإنما تمثل جزءًا من رؤية أوسع تتبناها الوزارة تحت عنوان "تعزيز الهوية الوطنية"، وتسعى من خلالها إلى إعادة التأكيد على حضور الثقافة واللغة والتاريخ المصري داخل مختلف أنماط التعليم، بما فيها المدارس ذات المناهج الأجنبية.
ففي تموز/ يوليو الماضي، وخلال لقاء جمع وزير التعليم بممثلي وأصحاب المدارس الدولية، شدد الوزير على ضرورة أن تتوافق الفعاليات والاحتفالات داخل تلك المدارس مع ثقافة المجتمع المصري، مع التأكيد على أهمية إحياء المناسبات الوطنية، وفي مقدمتها احتفالات انتصارات أكتوبر، باعتبارها جزءًا من الوعي التاريخي للطلاب، كما أكد على ضرورة دعم مستوى الطلاب في اللغة العربية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للهوية.
وفي آب/أغسطس، أوضح الوزير أن الوزارة عززت حضور مواد الهوية الوطنية داخل المدارس الدولية، حيث أصبحت اللغة العربية والدراسات الاجتماعية تمثلان نسبة 10% لكل منهما من المجموع الكلي في مرحلة التعليم الأساسي، بينما تدخل اللغة العربية والتاريخ بالنسبة ذاتها في المرحلة الثانوية، كما أعلنت الوزارة عن تشديد المتابعة والرقابة على تدريس المواد المرتبطة بالهوية القومية لضمان تحقيق الأهداف التعليمية والثقافية للدولة.
وبناءً على ذلك، يمكن قراءة التصريحات الأخيرة بشأن تنظيم الاحتفالات داخل المدارس الدولية باعتبارها امتدادًا لفلسفة تعليمية متكاملة، وليست قرارًا منفردًا أو استجابة لحدث عابر، إذ تنطلق من تصور يرى إمكانية الجمع بين دراسة المناهج الأجنبية، سواء الأميركية أو البريطانية، والحفاظ في الوقت ذاته على ارتباط الطالب بلغته الوطنية وتاريخه وثقافته.
وتستند هذه الرؤية إلى المادة (24) من الدستور المصري، التي تنص على أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني مواد أساسية في مراحل التعليم قبل الجامعي، بما يعكس اعتبار الهوية الثقافية جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية وليس مجرد نشاط جانبي.
ورغم وضوح الإطار الذي تضعه الوزارة لهذه السياسة، فإن التصريحات الأخيرة أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع المصري، بين تيار يرى فيها خطوة ضرورية لحماية الهوية الوطنية ومنع تراجع حضور الثقافة المحلية داخل المدارس الدولية، وتيار آخر يرى أن طبيعة هذه المدارس تقوم أساسًا على الانفتاح الثقافي والتعرف على تجارب عالمية متعددة.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا أثارت هذه القضية هذا القدر من الجدل في هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل يتعلق النقاش بالاحتفالات فقط، أم أنه يعكس صراعًا أوسع حول طبيعة العلاقة بين الهوية الوطنية والانفتاح التعليمي العالمي؟
خطوة متأخرة في مسار الحفاظ على الهوية الوطنية
يرى الفريق المؤيد لقرارات وزارة التعليم أن المدارس الدولية، رغم اعتمادها على مناهج أجنبية مثل النظامين الأميركي والبريطاني، تظل مؤسسات تعليمية تعمل داخل الدولة المصرية وتخضع لقوانينها وأطرها الثقافية والاجتماعية، ومن ثم، فإن وجود هذه المدارس على الأراضي المصرية واحتضانها لطلاب مصريين يفرض ضرورة مراعاة قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، بما يضمن عدم حدوث انفصال بين التعليم الدولي والهوية الوطنية.
وينطلق أصحاب هذا الرأي من أن تنظيم الاحتفالات والمناسبات داخل المدارس الدولية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الانتماء والحفاظ على الموروث الثقافي المصري، مؤكدين أن حصول الطالب على شهادة دولية وإتقانه للغات الأجنبية لا ينبغي أن يكون على حساب ارتباطه بلغته العربية وتاريخه وبيئته الثقافية.
كما يربط مؤيدو القرار بين منع بعض الاحتفالات وتعزيز تدريس مواد الهوية القومية، باعتبار أن بناء شخصية الطالب لا يعتمد فقط على نوع المنهج الأكاديمي الذي يدرسه، وإنما يشمل أيضًا ما يكتسبه من قيم ومفاهيم مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه.
ويرى هذا التيار أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة، في ظل ما يعتبرونه انتشار بعض الممارسات والاحتفالات داخل عدد من المدارس الدولية التي لا ترتبط بالسياق الثقافي المصري، وهو ما يرون أنه قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع حضور الهوية المحلية لصالح أنماط ثقافية خارجية، لذلك يعتبرون أن تدخل الوزارة يهدف إلى تحقيق توازن بين الانفتاح على التعليم العالمي والحفاظ على الخصوصية الثقافية المصرية.
انتكاسة ثقافية ووأد لقيمة التنوع
على الجانب الآخر، يرى فريق من المنتقدين أن القرار يمثل تدخلًا غير مبرر في طبيعة التعليم الدولي، وقد يؤثر على حق الطفل في التعرف على ثقافات وتجارب إنسانية مختلفة، وفي هذا السياق، وصفت المحامية والحقوقية نهاد أبو القمصان القرار بأنه "انتكاسة"، معتبرة أن أحد الدوافع الرئيسية التي تجعل بعض أولياء الأمور يختارون المدارس الدولية هو توفير بيئة تعليمية تساعد أبناءهم على تقبل التنوع الثقافي والتعامل مع أنماط مجتمعية مختلفة، بما يؤهلهم مستقبلًا للدراسة أو العمل في بيئات عالمية.
واستحضرت أبو القمصان تجربة رفاعة الطهطاوي، باعتبارها مثالًا تاريخيًا على أن الانفتاح على الثقافات الأخرى يمكن أن يكون وسيلة لاكتساب المعرفة وتوسيع المدارك، وليس بالضرورة تهديدًا للهوية الوطنية أو الثقافية.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هناك خلطًا بين التعرف على ثقافات أخرى وبين التخلي عن الهوية الأصلية، مؤكدين أن اطلاع الطالب على عادات وتقاليد شعوب مختلفة لا يعني بالضرورة ابتعاده عن ثقافته المصرية أو قيمه الدينية والوطنية.
ومن هذا المنطلق، يعتقد المنتقدون أن دور المدرسة ينبغي أن يكون بناء شخصية قادرة على التفاعل مع العالم، وليس عزل الطالب عن المؤثرات الثقافية الخارجية، فتعلم لغة أجنبية، أو المشاركة في فعالية مرتبطة بثقافة أخرى، أو التعرف على مناسبة عالمية مثل الهالوين، لا يمثل - وفق هذا الرأي - بديلًا عن الهوية المصرية، وإنما جزءًا من عملية تعليمية تهدف إلى إعداد جيل أكثر قدرة على التواصل مع عالم متعدد الثقافات.
تقرؤون المزيد في: "الدليفري" ليس آمنًا دائمًا.. مصريات يروين وقائع تحرش وملاحقة