قراءة لإستراتيجيات المواجهة في الداخل الفلسطيني

قراءة لإستراتيجيات المواجهة في الداخل الفلسطيني

استطاع الفلسطينيون فرض عواقب للسياسات الإسرائيلية (العربي الجديد)

بمصادفة غير بحتة، وبعد عشرين عامًا على هبّة تشرين الأول/أكتوبر 2000، جاءت مظاهرات الداخل الفلسطيني لتعيد تأكيد اللحمة بين أبناء الوطن الواحد، ولتكون القدس مرّة أخرى هي الشرارة التي أشعلت المواجهات.

بمصادفة غير بحتة، وبعد عشرين عامًا على هبّة تشرين الأول/أكتوبر 2000، جاءت مظاهرات الداخل الفلسطيني لتعيد تأكيد اللحمة بين أبناء الوطن الواحد

بين الحدثين، وتحت حكم شبه مطلق للأحزاب اليمينية الصهيونية، وفي تلك الفترة تم تضييق الخناق تمامًا على مسطحات البناء في الداخل، لترتفع أسعار البيوت والأراضي في البلدات العربي، فيتخطّى ثمن دونم الأرض المليون دولار، لتتراكم البيوت فوق بعضها كعلب السردين، وبفعل الاكتظاظ وانعدام تدخل الشرطة في كل ما هو داخل البلدات العربية سواء كان ذلك سرقة سيارة أو حادث قتل، نمت بشكل ممنهج عصابات الإجرام المنظّم، ساعد ذلك أيضًا انهيار النظام العائلي القديم للمجتمع وتطور الفردانية التي لا تدعمها سيادة القانون مما جعل خرق القانون مربحًا لفاعليه فتطورت عائلات الإجرام لتصبح من أهم المؤسسات التي تدير شؤون المدن والقرى العربية، ولتصبح هنالك نصف مليون قطعة سلاح غير مرخص في الوسط العربي، ورغم نداءات الاستغاثة بالشرطة نفسها التي قتلت 13 شخصًا في أكتوبر 2000، إلا أنّ القرى والمدن التي أقيمت فيها مراكز شرطة ازدادت فيها عمليات القتل والعنف دون أن تحرك الشرطة ساكنًا لما يحصل.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تعاملت إدارة بايدن مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؟

تختلف هذه المرّة أن المواجهة الأوّليّة والأكثر دمويّة لم تكن مع الشرطة، بل مع المنظمات اليهودية الصهيونية اليمينية، أهمّها المجموعات الدينية التي تنتظر مسيحها ليخلّص إسرائيل من الأغيار، حيث يقول عميت سيغال صحفيّ إسرائيليّ مشهور - وهو ابن لإرهابيّ يهوديّ قام بتفجيرات طالت رؤساء بلديّات الضفّة في الثمانينات - بما معناه "أنه كان الأجدر أن تجعل الشرطة المتظاهرين العرب في اللد يعدّون الجثث لكي يكون هنالك ردع لهذه الأحداث"، وقد حصلت صورته مع باقة ورد على الفيسبوك على أكثر من ربع مليون لايك في دعم مباشر لمقولته تلك.

منذ قيام هذه الدولة وعبر الحروب والاتّفاقيات، تمّ تقسيم الفلسطينيين إلى مجموعات، وكل مجموعة يتم تقسيمها إلى مجموعات أصغر وهكذا دواليك، حتى نتحول عند هذه الدولة إلى أفراد، وحينها فقط يمكننا الحصول على حقوقنا الفردية بشكل سهل ومريح ما دمنا نسبّح باسم النظام الحاكم، ومن بين حوالي 13 مليون فلسطيني، ومنذ 1948 وعبر 72 عام من المواطنة في دولة إسرائيل تدّعي إسرائيل أننا نحن حوالي 2 مليون مواطن، يسموننا بعرب إسرائيل، وتتعامل معنا بشكل مختلف عن باقي أقسام شعبنا.

لو أكملنا "لعبة المواطنة" هذه فيمكننا النظر إلى ما حدث بالداخل الفلسطيني كاستكمال للربيع العربي، فها هم مليونا مواطن يعيشون الظلم والغبن وتضييق العيش يثورون ضد نظامهم، ولكن الثورة المضادة في هذه المرّة كانت بتجييش ديني عرقي بحت، أطلقت الدولة "شبيحتها" -مواطنوها اليهود الذين هم نفسهم جزء من المنظومة - ضد المتظاهرين كي ينعدم الأمن والأمان من الجميع وحتى يتسنى لها الدخول وإعادة الأمان للمواطنين.

في هذه المواجهات بالإضافة إلى النقب والجليل والمثلث، برزت بشكل خاص المدن المختلطة التي تحولت إلى ساحات قتال أججها قدوم باصات من اليهود المتطرفين "للدفاع" عن المدنيين وبمعيّة الشرطة، من بين أهم ما هدموه هو البرازخ الوهمية التي حاولوا بناءها داخل طوائف العرب الفلسطينيين لتوحّدهم ويصبحوا فجأة كلّهم عربًا بنظر المنظومة، فكل تقسيماتهم إلى مسلمين، مسيحيين، بدو، قرى، مدن، شمال، جنوب، باءت بالفشل ليهبّ الفلسطينيون في البلاد من شمالها إلى جنوبها، ويصطف مذيعوا أخبار الإذاعات الصهيونية أيضًا فيسقطون هم تلك التقسيمات ليعود الصراع إلى المربّع الأوّل.

تيارات وأحزاب الداخل الفلسطيني الرسميّة بين اليوم والأمس

يمكننا تقسيم الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى ثلاثة توجهات أساسية وفقًا لموقفهم من التصويت في الكنيست، القسم الأوّل هم المقاطعون وهم ينقسمون إلى مقاطعة دينية أهم تياراتها الحركة الإسلامية الشمالية المحظورة إسرائيليًا، والمقاطعة الوطنية بتيّارها الأبرز أبناء البلد، طبعًا بالإضافة لغير المحزّبين. وتتراوح نسبة هؤلاء بين 40% إلى 60%، حيث كانت نسبة عدم المصوّتين في الانتخابات الأخيرة 51% بينما كانت في الانتخابات التي سبقتها 40%. أما المصوّتون للكنيست فهنالك المصوتون للأحزاب غير الصهيونية التي تدعى أيضًا الأحزاب العربية رغم أن الحزب الشيوعي (ووريثته الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) هو حزب عربي يهودي مشترك، ويوحّد هؤلاء التوجه البراغماتي نحو الوجود في هذه الدولة وضرورة استثمار الآليات الموجودة في محاولة التغيير. ونسبتهم تصل إلى 80% من المصوتين، بينما نجد حوالي 20% من المصوتين يصوتون لأحزاب صهيونية بدءا بحزب ميرتس في أقصى اليسار الصهيوني وحزب العمل الذي هو الوريث لحزب مباي المؤسس لهذه الدولة وصاحب "الفضل" في النكبة، وانتهاء بأحزاب يمينية مثل شاس ويمينا اليمينية. قد تجد بين هؤلاء نسبة لا بأس بها تدعو للانسجام في هذه الدولة وخاصة من المصوتين لأحزاب اليسار، إلا أنّ نسبة كبيرة منهم هي مجرّد أصوات تم شراؤها.

هنالك أيضًا جسم مهم يحاول تجميع كل تلك الأحزاب يدعى "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية" تأسست عام 1982 هدفها شمل وتركيز العمل السياسي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل والتنسيق بين مؤسساته. يشارك في لجنة المتابعة رؤساء السلطات المحلية العرب وأعضاء الكنيست العرب من الأحزاب التي تمثل القضايا العربية وممثلين عن أحزاب سياسية وتنظيمات عربية غير برلمانية. وتسير هذه اللجنة نحو الانحسار الكامل، وكل محاولات تقويتها عبر تصويت مباشر لها باءت بالفشل حتى الآن.

أمّا في الماضي، وحال إقامة الدولة عام 1948 بينما هجرت أغلب النخب عن فلسطين، بقي الحزب الشيوعي المؤيد لقرار الدولتين الحزب - الشرعي - الوحيد المناهض لسياسات الحكومة، وسياسات التطهير العرقي ومصادرة الأراضي، كما كان لعضوي الكنيست ماير فلنر وتوفيق طوبي دور مهم في كشف مجزرة كفر قاسم التي راح ضحيتها 48 شخصًا. في تلك الفترة وحتى عام 1967 كان العرب خاضعون لنظام الحكم العسكري، فلا تستطيع الخروج من قريتك دون إذن خطّي من الحاكم العسكري لمنطقتك وذلك لن يحدث إذا أدرج اسمك في "القائمة السوداء" لتبقى في قريتك مسلوبة الأراضي دون مصدر رزق.

 كما وقد تم وقتها فرز ما يسمى اليوم "عرب إسرائيل" وهم الفلسطينيون وفق اتفاقية رودس عام 1949 حيث تم رسم خطّ بلون أخضر يقسم المنطقة التابعة لإسرائيل والمناطق التابعة للأردن (الضفّة الغربية) ومصر (غزّة). من الجدير ذكره أن منطقة المثلث بقيت حوالي عامين خارج سيطرة العصابات الصهيونية، حتى تم توقيع اتفاقية رودس، التي حالت دون تنفيذ عملية عسكرية صهيونية لاحتلال وتنظيف المنطقة من العرب. في بدايات الدولة كان الحاكم العسكري التابع لحزب "مباي" الحزب المؤسس لها يأتي يوم الانتخابات بوجبة غداء وبطاقات تصويت للحزب الحاكم فتأكل وجبتك وتحصل على بطاقتك للتصويت. ومجرد التصويت للحزب الشيوعي ورمزه الحرف قاف صار نوعًا من التحدّي، لذلك درج وقتها شعار "صوّت قاف ولا تخاف".

نعود إلى اليوم، ونحاول ترتيب الرّغبات المعلنة والمستترة إذا حاولنا ترتيبها وفق تصالحها أو عدمه مع هذا النظام. يمكن أن نعدّ التوجه الأقوى اليوم الذي هو إقامة دولة فلسطينية بطابع ديني إسلامي يمثله  في الداخل الحركة الإسلامية الشمالية المحظورة، والمنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين، يقابله تيار علماني يرفض طبيعة هذه الدولة ويريد دولة فلسطين ديمقراطية على كامل التراب وأبرز مؤيديها هي حركة أبناء البلد (الملاحقة بقوة من قبل النظام). كما وبرز مؤخرًا تيار الدولة الواحدة الذي يعد من بين مؤسسيه في الداخل عوض عبد الفتاح، تتلوه الأحزاب المشاركة في الكنيست بداية بالتجّمع الذي ينادي بدولة لجميع مواطنيها ويحاول رغم وجوده في الكنيست عدم المشاركة في اللعبة الديمقراطية أو دعم مرشّحي الحكومة، يتلوه القائمة العربية للتغيير التي تدعو لمواطنة متساوية وركيزتها الأساسية هي قائدها أحمد الطيبي وقدراته الخطابية. ثم نرى التيارات الأكثر مسالمة مع المنظومة، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي تحوي الحزب الشيوعي الإسرائيلي داخلها، وتؤمن بحلّ الدولتين، ومحاولة تطوير إسرائيل من الداخل لتصبح دولة ديمقراطية وعادلة إلى جانب دولة فلسطينية في أراضي 1967، والقائمة العربية الموحدة وركيزتها الحركة الإسلامية الجنوبية التي تركز على كونها حزبًا محافظًا خصوصًا بكل ما يتعلق بمسائل حقوق المثليين، وهذا تمامًا كان السبب الأبرز لانشقاقها عن القائمة المشتركة التي تجمع الأحزاب الثلاثة الأخرى، بينما سياسيًا تدعو أيضًا إلى محاولة تحصيل الحقوق، بينما تميل إلى تحييد المواضيع الشائكة على المستوى الفلسطيني أملًا أن تنجح في تحصيل حقوق مدنية لفلسطينيي الداخل. كما وهنالك المنخرطون بأحزاب اليسار الصهيوني الذين يؤمنون بالتعايش السلمي بين العرب واليهود وتطوير المساواة للفلسطينيين داخل اسرائيل عبر الانخراط ومطالبات حقوقية من داخل المنظومة القائمة.

يذكر أن وجود أي حزب في الكنيست يوفّر له ملايين الشواقل مقابل كل عضو كنيست والعديد من الوظائف المترتّبه عليه مما يجعل الأمر مغريًا لبعض الأحزاب ويجعل وجود أحزاب خارج الكنيست وبوجود قوانين صارمة تمنع الدعم الخارجي أمرًا صعبا للغاية، وقد كانت تلك القوانين أهمّ الأسلحة التي استعملت ضد الحركة الإسلامية الشمالية وإغلاق نشاطاتها السياسية منها والإنسانيّة.

آليّات التصدّي للمنظومة من الداخل والخارج

مقارعة إسرائيل تأتي عبر ثلاث جبهات:

إعلاميَا: وهي الجبهة الأقوى حتى الآن لتوفر عدّة عوامل مساعدة، منها الدعم العربي الذي بدأ يتضعضع خصوصًا بعد اتفاقيات السلام مع الإمارات والبحرين، كما وأن عدالة القضية والظلم الذي لحق بالفلسطينين لهو أمر واضح يجعل تقريبًا كل مؤسسات العدالة الإنسانية تحتج وتكتب ضد ممارسات إسرائيل. تأتي أيضا نتائج قمع الربيع العربي الكارثية من هجرات كبيرة إلى أوروبا بنتائج إيجابية على هذا الصعيد، حيث تجد فجأة ملايين المناصرين لقضيتنا يقطنون أوروبا ويتحدثون لغة الدّول المحلية و يدعمون القضية الفلسطينية. بالمقابل فإن التيارات المسيحية الصهيونية بدأت تتأصّل وتحاول الالتفاف على ذلك الوعي عبر إيمانات دينية بضرورة وجود إسرائيل حتى يعود المسيح، وقد أثّرت هذه التيارات بشكل قوي على مواقف عدة دول في أمريكا اللاتينية التي تحولت فجأة مناصرة لإسرائيل بفعل هذه التيارات.

اقتصاديًا: في هذه الجبهة فإنّ الأمور كلما تقدم الزمن تسير في صالح إسرائيل، حيث نجحت في التحول إلى دولة صناعية ومنتجة، لها تأثير يفوق حجمها بكل ما يتعلق بالتجارة العالمية، ويجعل الكثير من الدول تخسر بخسارة هذه الدولة لذلك ولو من باب المصالح المادية نجد عشرات الدول تدعم اسرائيل، بالإضافة الى الدول الغربية التقليدية نجد اليوم العديد من الدول الإفريقية التي ترتبط بإسرائيل اقتصاديَا وليس فقط عبر تجارة السلاح.

عسكريًّا: هنالك تفوق إسرائيلي شاسع في هذا المجال، بداية بقنابل نووية يملكونها منذ خمسين عامًا، ونهاية بتكنولوجيا القبة الحديدية، والدبّابات ذات الدفاعات المركّبة، وصولًا لأنظمة الطائرات الأمريكية التي يصنّعونها محليًا، والطائرات بدون طيار التي بدأت تبدل الكثير من مهام الطائرات التقليدية. كما ولا ننسى أن اسرائيل تعتبر خامس دولة من حيث تصدير السلاح في العالم، حيث أصبحت غزّة عبارة عن دعاية كبير لفعالية هذه الأسلحة. الدول العربية التي كانت لها رغبة أو قدرة على مواجهة إسرائيل تم تحييدها عبر اتفاقيات سلام حولتها إلى تابعة اقتصادية لمنظومة رأس المال الغربية، أو تدميرها من الداخل كما حصل في العراق وسوريا ولبنان.

نظرة إلى المستقبل: إستراتيجيات المواجهة في الداخل مقابل لعبة المواطنة

من أهم ما برز أيضًا في التأجيجات الأخيرة هو انعدام الإستراتيجيات والقيادات المركزية، ولربما كان ذلك أهم سبب لحدوثها أصلًا، فأسوة بالأحداث في الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد، تطورت المظاهرات إلى أحداث تكسير للبنى التحتية والمحلات بالقرى العربية، وتعاني حاليًا البلدات العربية من انقطاعات للتيار الكهربائي تتمنّع شركة الكهرباء الإسرائيلية عن تصليحها تخوفًا على عمّالها ولربما تذكيرًا للمتظاهرين بمن يملك السيادة. تبدو قرارات لجنة المتابعة العليا متأخرة خمسين عامًا عن أرض الواقع، وتتشرذم القيادات الكنيستية وغيرها بين مؤيد ومعارض لأعمال الحرق والتدمير. حيث لا يجرؤ أحد طبعًا على الدعوة للعصيان المدني أو غير ذلك.

كما وتم اعتقال عشرات القياديين على أرض الواقع كتحذير لهم ألّا يمسّو حدود دائرة الديمقراطية المرسومة لهم. المفارقة في الأحداث الأخيرة التي يغلب عليها الطابع الوطني هو انضمام بعض المسلّحين إليها حيث توجد في الداخل الفلسطيني نصف مليون قطعة سلاح غير مرخصة أغلبها أو حتّى كلها كانت تعتبر ذات صلات بمنظمات الإجرام وكتحصيل حاصل للعنف الداخلي المستشري وانعدام سيادة القانون داخليًا، حيث لم يتم استعمالها تقريبًا ضد النظام.

الفلسطينيون في الداخل مرتبطون بحبل السرّة بالنظام الإسرائيلي، حيث تعتمد تجمعاتهم كليًا على الغذاء الإسرائيلي بعد تدمير قدراتها الزراعية تمامًا، سواء مصادرات الأراضي أو بالتكاثر الطبيعي الذي حول أغلب الأراضي الزراعية إلى بيوت بعضها قانوني وبعضها لا.

وعاجلًا أم آجلًا للأسف ستلاحق أنظمة الشرطة والقضاء المتظاهرين فرادى، كي تحاول ردع تكرار ما حدث. وطبعًا ستلوّح لنا بالخنوع مقابل الأمن والاقتصاد، وستنجح في ذلك عاجلًا أم آجلًا بانعدام أي بديل منطقي آخر، حتى الهبّة القادمة التي ستعود حتمًا.

بالنتيجة قد نتضرر في هذه الجولة، اقتصاديًا وعسكريًا، وسنربح إعلاميًا، لكن أهميتها الكبرى تكمن في أمرين، تذكير مهم بوجود شعب فلسطيني واحد بين النهر والبحر وليس كانتونات موزّعة، وتذكير للمنظومة أن هذا الواقع غير مقبول ولا يمكن أن يستمر دون عواقب. وعندما نحاول تأمل الواقع والتوجهات الحالية فاليأس هو حليفنا الأكبر، في خضمّ هذه الأحداث الحل الوحيد أمامنا اليوم هو بناء جسور لكي نرفع سواء احتمالات نجاح مواجهة مستقبلية، أو تفكيك المنظومة (وهو الحل الأصعب واحتمالات نجاحه هي الأقل، ولكنه الأكثر حقنًا للدماء والأكثر حظًّا ببناء بديل أخلاقي). أعتقد أنه علينا كفلسطينيين محاولة بناء استراتيجيات أو على الأقل بنية تحتية لقرارات جماعية مستقبلية يمكننا اتخاذها، وعلينا تذكر أننا في لعبة العروش هذه قبل أي خطوة نقوم بها، علينا أن نتوقّع خطوة المنظومة المضادة ضدنا التي ستكون مقابل خطوتنا تلك.

 هنالك أمران ملحّان، إقامة هرم من القيادات الموحدة المنتخبة، سواء على مستوى الداخل الفلسطيني، أو على المستوى الفلسطيني العام. والأمر الثاني هو بناء بنية اقتصادية (شركات، مؤسسات، دول،إلخ) منحازة فلسطينيًا لكي تستطيع حقًا دعم الحقّ الفلسطيني.

إسرائيل وفي لعبة المواطنة تلك معنا كفلسطينيين، تفرض علينا قوانينها الصارمة ضد كل تواصل مع عمقنا العربي، حيث تصبح مجرد محادثة مع شخص لبناني أو غزّي شبهة لتواصل مع العدو تصل عقوبتها إلى 15 عامًا بالسجن. وفي قوانينها التي تبدو لأول وهلة ديمقراطية أغلبها، يتم ممارستها انتقائيًا فتصل نسبة الإدانة لعربي متهم بالمحكمة إلى 99%، وتزيد النسبة عن ذلك في التهم الأمنية. طبعًا هذا غير قوانين واضحة بخصوص يهودية الدولة وقانون القومية الذي يلغي تمامًا أي اعتبارات مساواة للمواطنين العرب ولغتهم، قد تم استنباطها من قوانين سابقة، وقوانين أملاك الغائبين وحق العودة لليهودي أينما كان، وقانون مضاد للم شمل عائلات أحد طرفيها مواطن إسرائيلي ما دام الطرف الثاني فلسطينيًا. كذلك تمارس ‘سرائيل بشكل غير مباشر عبر مؤسساتها العامة والخاصة التمييز في التوظيف وفي أماكن العمل، ولربما خفّفت الشركات الدولية من حدّة ذلك في السنوات الأخيرة.

هذا طبعًا بالإضافة لحوالي خمسة ملايين فلسطيني في الضفة وغزة لا يملكون دولة من جهة، وكل ما يدخل إليهم من طعام ومنتجات يمر بجمارك إسرائيلية (بحجج أمنية) وبالمقابل لا يملكون أي صفة مواطنة إسرائيلية ويخضعون لحكم عسكري مباشر منذ خمسة وخمسين عامًا، بل تمّ فرض قانون خاص يمنعهم من الحصول على تعويضات في حال تعرض المدنيين للقتل أو الإصابة من جنود إسرائيليين، حيث لا ننتبه أن الفلسطينيين اليوم بين النهر والبحر هم الأغلبية وهذا حتى بدون عدّ النازحين.

استراتيجية اسرائيل واضحة؛ الحفاظ على أغلبية يهودية داخل دولة إسرائيل، وسيطرة عسكرية واقتصادية كاملة على باقي الفلسطينيين، سواء كان ذلك بالتخلص من المثلث مثلًا، أو السيطرة على الأرض دون المواطنة، وصولًا إلى تهجير قسري مستقبلًا بخطط جاهزة في حروب محتملة قادمة. والحفاظ على اليهود في هذه الدولة صهاينة منحازين متعنصرين لعرقهم ويشعرون بالتفوق على الأتباع، يخافون من أي تحولات ديمقراطية أو قدرات فلسطينية أينما كانت.

المسألة اليهودية مقابل المسألة الفلسطينية

أعتقد أن حلّ المسألة الفلسطينية، لن يتم إلا عبر إعادة اعتبار وحلّ شاف للمسألة اليهودية، كما أننا كفلسطينيين نؤمن أن أيّ حلّ لا يشمل جوابًا عادلًا وشافيًا للاجئين الفلسطينيين هو حلّ لا يعول عليه، فكذلك أي حلّ في فلسطين، لا يفتح الباب أمام كل شخص يعيش في فلسطين اليوم، أن يصبح مواطنًا متساوي الحقوق والواجبات، هو حلّ لا يعول عليه أيضًا، حيث لا يمكننا تبديل كيان عنصري بكيان عنصري آخر يبدل العرق السائد بعرق آخر. علينا أيضًا أن نفصل دائمًا بين الصهيونية واليهودية، ليس كل يهودي صهيوني وليس كل صهيوني يهوديًا. علينا أن نفصل مشاعرنا عن هدفنا ولا نجعل الحقد والغضب يسيّراننا، بل العدالة والحقوق بإقامة وطن قابل للعيش لكل من يرغب بذلك.

اليهود المعادون للصهيونية وخصوصًا داخل إسرائيل يجب مساندتهم وإشراكهم في حراك من أجل العدالة لأن المسألة في النهاية يجب أن تكون مسألة حقوق ومواطنة وليس مسألة دين أو قومية، وانتماؤنا الفلسطيني لا يحتاج إلى دولة عنصرية تقوم بتجذيره بل هو موجود في ممارساتنا كأفراد وأعراسنا وأغانينا وطعامنا ووجودنا الممزق اليوم. الحلول السهلة للطرح والصعبة للتنفيذ كثيرة، لكن طرح الحلول دون آليات تنفيذ ودون ممارستها على أرض الواقع يقع ضمن الدوائر النظرية ويحقق عادة مفعولًا عكسيا، لذلك لا يمكننا اليوم أن نطرح كل الحلول، بل يجب علينا أن نخطو خطوة واحدة كل مرة والمناورة من أجل أن نصل إلى معادلة ذهبية تخلق وطنًا حرًا ومفتوحًا للجميع يومًا ما.