قراءة في الخطاب الإيراني: الشرق الأوسط بين فراغ المعنى وعودة الحرب الباردة
23 ابريل 2026
ظلّ الشرق الأوسط يعيش أزمة وجود ممتدة منذ أفول الراية الأيديولوجية الموحّدة؛ أزمة لا تتعلق بطبيعة تلك الراية بقدر ما ترتبط بقدرتها السابقة على احتواء قطاع واسع من المخيال الجمعي، ومنح شعورٍ بما يمكن تسميته وحدة عضوية تجمع أطرافًا متباعدة في سياق واحد.
ومع غياب هذا الغطاء، بدا المشهد مفتوحًا على تفتت المعنى وتراجع الإحساس بالانتماء إلى سردية كبرى، إلا إنه وفي الآونة الأخيرة، برزت التحركات العسكرية كبديل غير مألوف، لتتشكل كراية أيديولوجية جديدة داخل الوعي العام، ولكن تحت ضغط واقع جيوسياسي معقد لم يكن في الحسبان.
وفي مواجهة صعود القوة الليبرالية الجديدة بمعاييرها السوقية، تطرح الحالة الإيرانية نفسها بوصفها نموذجًا لإعادة تشكيل هذا الفضاء الرمزي: كيف استطاعت أن تخلق نوعًا من التماسك، وكيف أسهمت في استعادة ملامح صراع يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، وإن بصيغ مختلفة؟
فراغ الأيديولوجيا وسقوط المظلة الجامعة
لم تقتصر ثمار التحركات في ستينيات القرن الماضي على تحقيق الاستقلال السياسي وتأميم المؤسسات الحيوية، بل امتدت آثارها لتصوغ مسارًا طويلًا داخل الوعي الجمعي، حيث ترسّخت فكرة الوحدة الأممية كإطار جامع.
سواء تحت راية الاشتراكية الثورية أو غيرها من التصورات التي سعت إلى خلق معنى مشترك يتجاوز حدود الدولة القُطرية. لم تكن تلك المرحلة مجرد تحرر من الاستعمار، بل كانت محاولة لبناء وعي موحّد يستند إلى تجربة مشتركة ومصير متقاطع.
ومع انتقال هذا الزخم بين أقاليم المنطقة، أخذت شعوب المغرب العربي تصدّر نموذجها الثوري إلى العمق الأفريقي، بينما اتجه المشرق نحو طرح الثورة الإسلامية كبديل في سياق من التحركات العنيفة والمتسارعة. ورغم التناقض الظاهر بين هذه المسارات، إلا أنها نجحت نسبيًا في توحيد الشعوب في مواجهة الاستعمار والأنظمة الموالية للغرب، غير أن هذا التلاقي ظل هشًا؛ إذ سرعان ما برزت الفجوات بين الأنظمة والشعوب، وتحوّل التهديد المتبادل إلى عامل تفكيك، حتى غاب الإطار الجامع وتلاشى الصوت الموحد، رغم بقاء العدو مشتركًا والمواجهة في اتجاه واحد.
في مواجهة صعود القوة الليبرالية الجديدة بمعاييرها السوقية، تطرح الحالة الإيرانية نفسها بوصفها نموذجًا لإعادة تشكيل هذا الفضاء الرمزي: كيف استطاعت أن تخلق نوعًا من التماسك، وكيف أسهمت في استعادة ملامح صراع يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، وإن بصيغ مختلفة؟
في ظل هذا الفراغ، لم يعد الانقسام يُقرأ بوصفه اختلافًا سياسيًا عابرًا، بل تحوّل إلى بنية دائمة تحكم تفاعلات المنطقة، فمع غياب المرجعية الجامعة، أصبحت كل دولة تعيد تعريف أولوياتها وفق منطق البقاء، لا الانتماء إلى مشروع أوسع.
ما خلق حالة من التوازي بين مسارات متباعدة لا تلتقي إلا عند حدود الضرورة، وهو ما أضعف القدرة على إنتاج موقف موحد حتى في القضايا التي تمس جوهر الأمن الإقليمي.
وحتى إن الخطاب العام نفسه فقد تماسكه، إذ لم يعد هناك تصور مشترك لماهية "القضية المركزية" أو حتى "العدو".
فبينما كانت الأيديولوجيات السابقة تختزل التعقيد في سردية واضحة، باتت المرحلة الراهنة تتسم بتعدد الروايات وتضاربها، بحيث أصبح كل فاعل يعيد صياغة الحقيقة وفق موقعه ومصالحه. هذا التعدد، رغم ما يمنحه من مرونة، ساهم في تشتيت الإدراك العام بدلًا من إثرائه.
ومع مرور الوقت، ترسّخ هذا الواقع كأمرٍ اعتيادي، حتى بات غياب الإطار الجامع لا يُنظر إليه كأزمة طارئة، بل كطبيعة ثابتة للمشهد، وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن أخطر ما في الفراغ الأيديولوجي ليس في لحظة حدوثه، بل في تحوله إلى حالة مستقرة تُعيد إنتاج نفسها، وتُقصي تدريجيًا فكرة البحث عن بديل جامع، أو حتى الإيمان بإمكانية وجوده.
العسكرة كبديل رمزي: تشكّل راية جديدة تحت ضغط
يمكن القول إن الوعي العام في المنطقة بدأ يتعرض لاهتزاز واضح منذ السابع من أكتوبر، مع تحركات حماس التي لم تقتصر على كونها تطورًا ميدانيًا في الصراع، بل تحولت إلى لحظة فارقة أعادت فتح ملفات الوعي السياسي والإقليمي على نحو مفاجئ. هذه اللحظة لم تُقرأ فقط كحدث عسكري، بل كصدام أعاد ترتيب الأسئلة المؤجلة حول الهوية، والعدو، وحدود الاصطفاف.
ومع تتابع الأحداث بعد ذلك، لم يستقر المشهد عند حد معين، بل اتسعت دوائره بشكل متسارع، لتتشابك الساحات وتتعقد خرائط التأثير. فكل تطور جديد كان يضيف طبقة إضافية من الغموض على المشهد، ويزيد من صعوبة العودة إلى سرديات مستقرة أو تفسيرات جاهزة.
وهكذا بدأ هذا الوعي يفقد تدريجيًا مرجعيته القديمة التي كانت تمنحه قدرًا من التماسك.
هذا التراكم في التعقيد قاد في النهاية إلى وصول المشهد إلى الحالة الإيرانية الراهنة في علاقتها مع الولايات المتحدة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في إطار ثنائي تقليدي، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تتداخل الرسائل العسكرية والسياسية والإعلامية بشكل يجعل الفصل بينها أكثر صعوبة، مما يجعل هذا التحول لا يمكن فصله عن صعود التيارات اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة.
والتي أعادت صياغة مفهوم التهديد والتحالف وفق مقاربات أكثر حدّة وانغلاقًا، فهذا الصعود انعكس بدوره على طبيعة التفاعلات الدولية، وفتح المجال أمام إعادة إنتاج أنماط قديمة من الاستقطاب ولكن بأدوات جديدة.
وفي خضم هذا المشهد، بدأت بعض الحساسيات التاريخية في المنطقة، مثل الانقسام بين الشيعة والسنة، تفقد حدّتها التقليدية أو تُعاد صياغتها ضمن أولويات مختلفة.
إذ باتت ضرورات المواجهة الأوسع تفرض نوعًا من التداخل المؤقت بين الخطوط الفاصلة، ما أدى إلى حالة من "تذويب الحساسيات" أمام منطق اصطفاف أشمل، يعيد تشكيل الوعي العام وفق قواعد أكثر تشعبًا وتعقيدًا.
الحالة الإيرانية وإحياء منطق الحرب الباردة
من خلال مسار إيران السياسي والنووي منذ أواخر القرن العشرين، ساهمت طهران في إعادة تشكيل صورة الصراع في الشرق الأوسط، بوصفه صراعًا لا يُدار فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها التقنية مع السياسة والرمزية، ما جعله عنصرًا مهمًا في ميزان القوى الإقليمي.
فالقضية الإيرانية لم تعد مجرد ملف هامشي، بل تحولت إلى مركز ثقل يُعيد تعريف طبيعة التهديدات والتحالفات في الإقليم، ويمنح الصراع بعدًا يتجاوز الحدود التقليدية للدول.
في هذا السياق، لعبت الحرب الأخيرة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دورًا في بناء تصور موحّد لدى أطراف الصراع، حيث أصبحت إيران تُقدَّم في الخطاب الغربي والإقليمي كقوة لا يُستهان بها، مما ضخّ في الوعي الشعبي حضورًا جديدًا، وإن كان ملتبسًا في بعض جوانبه.
إلا أن تلك التحركات تأخذ بُعدًا أكثر حضورًا في الواقع الاجتماعي، حيث سريعًا ما تذوب الفوارق الدينية والسياسية لدى رجل الشارع حين يسمع عن خبر قفل مضيق هرمز أو ضرب إحدى القواعد، مما خلق تصورًا موحدًا، وفي أسوأ الأحوال مائلًا لانهيار القوى الإمبريالية بأي يد.
على الجانب الآخر، لدى خصومها، ساهم هذا التصور، سواء كان دقيقًا أو مبالغًا فيه، في خلق صورة ذهنية ثابتة لإيران كفاعل استراتيجي دائم الترقب، ما جعل التعامل معها أقرب إلى إدارة تهديد مستمر بدلًا من كونه خلافًا سياسيًا عابرًا.
المفاوضات كمقدمة للحرب الباردة
ومع تصاعد العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، تحوّل الصراع مع إيران إلى نمط يشبه منطق الحرب الباردة، حيث لا يسعى الطرفان إلى مواجهة مباشرة، بل إلى إدارة التوازن عبر الردع والاحتواء.
فكما كان اليورانيوم نفسه رمزًا لقدرة كامنة لا تُستخدم بالضرورة، أصبحت إيران جزءًا من معادلة تقوم على "القدرة المحتملة" أكثر من الفعل المباشر، وهو ما أعاد تشكيل مفهوم القوة في الإقليم.
من خلال مسار إيران السياسي والنووي منذ أواخر القرن العشرين، ساهمت طهران في إعادة تشكيل صورة الصراع في الشرق الأوسط، بوصفه صراعًا لا يُدار فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها التقنية مع السياسة والرمزية
هذا النمط من الصراع لم يقتصر على الجانب النووي، بل امتد إلى ساحات نفوذ متعددة عبر المنطقة، حيث تداخلت السياسة مع الجغرافيا عبر دعم حلفاء محليين أو ما يُعرف بأدوات النفوذ غير المباشر.
وهكذا تشكلت شبكة معقدة من التفاعلات جعلت الصراع أقل وضوحًا من الحروب التقليدية وأكثر تشابكًا، وهو ما عزز من فكرة "الحرب الباردة الإقليمية" القائمة على تعدد الجبهات دون مواجهة شاملة.
في المقابل، ساهم هذا الوضع في ترسيخ خطاب مضاد لدى إيران نفسها، يقوم على تقديم تحركاتها كجزء من مقاومة للهيمنة الدولية وليس مجرد توسع نفوذ، هذا الخطاب ساعد في إنتاج رواية موازية تُخاطب الداخل والخارج، وتمنح سياساتها بعدًا أيديولوجيًا يتجاوز الحسابات الأمنية البحتة.
ومع استمرار التوتر، أصبح الملف الإيراني أحد أبرز أدوات إعادة إنتاج التوازنات الدولية، حيث تتداخل فيه القوى الكبرى بشكل غير مباشر، من خلال العقوبات أو الدعم أو الوساطات.
في النهاية، يمكن القول إن إيران لم تُعد تشكيل الصراع فحسب عبر قدراتها أو سياساتها، بل عبر قدرتها على ترسيخ صورة ذهنية مستمرة عنها كقوة في الوعي الرمزي.
هذه الصورة هي ما يمنح الصراع طابعه الشبيه بالحرب الباردة: لا حرب شاملة ولا سلام كامل، بل حالة دائمة من التوازن القلق، تُدار فيها التصورات بقدر ما تُدار الوقائع.