قراءة الأدب: الإحساس بجمال اللغة كقيمة معرفية

قراءة الأدب: الإحساس بجمال اللغة كقيمة معرفية

لقطة من الفيلم المأخوذ عن رواية ساعي بريد نيرودا

ونحن نقرأ الرواية كثيرًا ما يطاردنا سؤال القيمة المعرفية لها، وإذا ما كانت هناك أي قيمة معرفية قد تحتويها في متنها الذي تختلف كيفية قراءته عن قراءة غيرها من الكتب الأخرى، فنحنُ في كثير من الأوقات نُقبِل على قراءة الرواية بغرض الاستمتاع، ومهما كان حجم التفصيلات التاريخية أو الحقائق المعرفية التي تحتويها في متنها، فإنّ إقبالنا على قراءتها في كثير من الأحيان يكون بنَفَس أقلّ جدية وحدية من ذلك النفَس الذي نستدعيه عند قراءة الكتب الأخرى.

لا يأتي الإحساس بالجمال من واقع الشيء الجميل، بل من حقيقة كون إدراكات الرائي فيها ما يؤهّلها لالتقاط الجمال وتعريفه على أنّه كذلك

وإنّ سؤال القيمة المعرفية للرواية هو ذاته السؤال الذي طاردني وأنا أقرأ رواية "ساعي بريد نيرودا"، فهذه الرواية التي تجيء لتؤرّخ قصة حبّ ماريو خيمينث وبياتريت غونثالث، تجيء أيضًا لتؤرّخ مرحلة سياسية لها وزنها في تاريخ تشيلي، وهي المرحلة التي تولى فيها سلفادور ألليندي رئاسة تشيلي ليكون أول رئيس ذي خلفية ماركسية يتمّ انتخابه بشكل ديمقراطي في أمريكا اللاتينية، حيثُ أعقبها انقلاب عسكري أطاح بالحكم الديمقراطي ألليندي وكان بزعامة الجنرال بيونشيه.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم بتصرف!

ما لفَتني في تفاصيل هذه الرواية هو كمّ الاستمتاع الكبير الذي شعرتُ به أثناء قراءتها، لقد كانت نشوة عارمة تملّكتني باللغة الروائية الشِعرية التي احتويها بين جنباتها، لم يكن استمتاعي قادمًا من التركيز في المرحلة التاريخية التي تأتي الرواية لتؤرّخ لها ولم يكن قادمًا من التدقيق في تفاصيل السيرة الذاتية للشاعر بابلو نيرودا التي تأتي الرواية في الكثير من جزئياتها لتروي بعضًا منها. كان استمتاعي بالرواية قادمًا من منطقة أخرى، منطقة تملّكني فيها الإحساس بجمال اللغة الروائية حتى أنّني خلتُ نفسي ذلك القارئ الذي وصفه ظافر ناجي صاحب مقدمة الرواية وقال عنه بأنّه " قارئًا شبقًا لا ينتهي من الصفحة حتى يستزيد إلى يفقد الوعي... أي يسترجعه".

وقد دفعني استذكاري حول كيفيات شعوري أثناء قراءتي تلك الرواية إلى التفكير مليًا في طبيعة القيمة المعرفية الكامنة في الرواية والأدب بشكل عام، هل يُمكن لتلك القيمة أن تتجاوز الحقائق التاريخية أو العلمية أو الدينية التي تحتويها الرواية وغيرها من الكتابات الأدبية، هل يمكنها أن تكون قيمة جمالية متعلّقة باللغة مثلًا، تتولّد من الإحساس بجمالياتها والشعور بها، وكيف يُمكن للإحساس بجمال اللغة أن يكون ذا قيمة معرفية؟

وضمن إطار الإجابة عن الأسئلة السابقة، فإنّه في كتابه "الإحساس بالجمال" يُعرّف جورج سانتيانا الإحساس بالجمال –بشكل عام- على أنّه "إخراج للنشوة الذاتية إخراجًا يُدمجها في عناصر الشيء وكأنّها جزءٌ من طبيعته، وعندئذٍ ينظر الرائي إلى الشيء الجميل، فيحسب أنّ النشوة واللذة منبثقة من الشيء ذاته وصادرة عنه لا عن نفسه".

إنّ التعريف السابق يقول بأنّ الإحساس بالجمال لا يأتي من واقع الشيء الجميل الذي يقع عليه نظر الرائي، بل يأتي من حقيقة كون إدراكات هذا الرائي وطبيعة تكويناتها الثقافية والنفسية والمزاجية فيها ما يؤهّلها لالتقاط الجمال وتعريفه على أنّه كذلك، بمعنى أنّ إدراك الجميل وماهياته يختلف من شخص إلى آخر تِبعًا لتكوينات كلّ شخص سواء أكانت تكوينات ثقافية أو نفسية أو بيئية أو حتى مزاجية فردية.

نعم، إنّ النشوة الداخلية التي تتولّد عند أيّ شخص جراء إحساسه بالجمال، هي نشوة تتسّق مع طبيعة التكوين الثقافي والنفسي والمزاجي لذلك الشخص، فالشخص المهووس باللغة مثلًا؛ ذلك الذي يسعى دائمًا وراء جمالياتها المخبوءة تكون لديه محفّزات إدراكية أكبر لالتقاط اللغة الجميلة في الوقت الذي يُصادفها فيه أو تقع عينيه عليها، حيثُ يكون التقاطها كفيلًا بأن يجعله يحسّ بنشوة قادمة من حقيقة التعرّف عليها والإحساس بها كجمال.

يتطلّب الإحساس بجمال اللغة في الأدب من القارئ وجود وعي جمالي قَبلي مُدرِك لتفصيلات السحر في اللغة الروائية أو الأدبية

وتبعًا لذلك، يُمكن القول بأنّ الإحساس بجمال اللغة في الرواية أو الأدب بشكل عام يتطلّب من القارئ وجود وعي جمالي قَبلي مُدرِك لتفصيلات السحر في اللغة الروائية أو الأدبية، بتلك الأشراط النحوية أو الإملائية أو الاستعارية أو التعبيرية التي لا بدّ للغة الروائية أو الأدبية أن تحتويها حتى يُمكن تصنيفها وتعريفها والإحساس بها كجمال، وبدون هذا الوعي الجمالي القَبلي لا يُمكن أن يحدث الإحساس بجمال العمل الأدبي ولا يُمكن أن يُلتقط الجمال فيه على أنّه جمال.

اقرأ/ي أيضًا: نيجيريا بلد ترسمه الروايات

أما عن علاقة ذلك كلّه بالقيمة المعرفية، فيُمكن التأكيد على أنّ القيمة المعرفية التي يُضيفها الإحساس بجمال اللغة الروائية أو الأدبية هي قيمة متعلّقة بزيادة مستويات الوعي بالجمال بحدّ ذاته، بزيادة مساحات إدراكه واستيعابه، فقراءة عبارة واحدة من رواية أو نصّ شِعري أو نثري وغيرها من التصنيفات الأدبية الأخرى؛ قراءة هذه العبارة وتعريفها في المستوى الإدراكي كجمال تمّ استشعاره والإحساس به كفيل يَرفع معدلات الوعي الذاتي بالجمال ولو بمقدار ضئيل يُساوي الحرفين أو الخمسة أو العشرة التي احتوت عليها العبارة المقروءة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل الشعر فن شخصي؟

5 روايات عن الدكتاتورية.. من أجل فهم الأنا الأعظم