17-أكتوبر-2018

تراجعت القدرة الشرائية للمغاربة مقارنة بالأعوام الماضية (عبد الحق سينا/ أ.ف.ب)

في أحدث تقرير لها حول الموضوع، أقرّت المندوبية السامية للتخطيط، وهي المؤسسة الرسمية المكلفة بمراقبة الأوضاع الاقتصادية في المغرب، بأن "القدرة الشرائية لغالبية المواطنين تراجعت، مقارنة مع الأعوام الماضية، تحت وطأة ضعف الدخل وارتفاع أسعار المواد الطاقية والمواد الغذائية، رغم أن النمو كان يتراوح ما بين 4% و5% في المتوسط، وهو أعلى من المعدل العالمي".

تراجعت القدرة الشرائية للمغاربة هذا العام، مقارنة بالأعوام الماضية، تحت وطأة ضعف الدخول وارتفاع الأسعار

وتعني القدرة الشرائية مقدار السلع والخدمات التي يمكن شراؤها من خلال كمية محددة من النقود، وكلما كانت العملة النقدية لبلد ما لها قوة شرائية أقوى كلما عاش مواطنو تلك الدولة في بحبوحة اقتصادية. أما عندما تتآكل القدرة الشرائية فهذا يعني أن الناس ينتظرون أوضاعًا اقتصادية صعبة.

اقرأ/ي أيضًا: الشارع المغربي يستهدف الغلاء بمقاطعة السلع الاحتكارية.. خذلان السوق والنقابات

وهو ما يحدث بالتحديد في المغرب، بعد أن بات جل المواطنين يكتوون بنار الأحوال المعيشية السيئة، فكيف وصل المغاربة إلى هذا المستنقع الاقتصادي الموحل؟

غلاء الأسعار

خلال الفترة القليلة الماضية، شهد المغرب أكبر حملة مقاطعة اقتصادية عرفها البلد في الألفية الجديدة، بعد أن حث نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، الناس، لمقاطعة ثلاث سلع هي: حليب "سنطرال" المعلب، وبنزين "إفريقيا"، وماء "سيدي علي" المعدني، احتجاجًا على أسعارها "غير المعقولة". وسرعان ما لقيت الدعوات استجابة واسعة وأصبحت واقعًا مؤثرًا لا محيد عنه، واضطرت الحكومة إلى التجاوب معه.

كانت حملة المقاطعة تلك بمثابة ناقوس خطر لوصول أسعار عديد المواد الاستهلاكية من المواد الغذائية إلى المحروقات والأدوية، إلى مستويات قياسية، بشكل يفوق الدول شديدة الثراء نفسها. فكما بيّنت مقاطع الفيديو التي بثها الناشطون والتي تعقد مقارنات لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية بالبلاد، مقارنة مع نظيرتها في الأسواق الأوروبية والأمريكية؛ يَظهر البون الواسع وفداحة الغلاء الذي يكتوي به المستهلكون المغاربة، رغم الفارق الكبير في مستوى الدخل الفردي.

وتحت ضغط الرأي العام، أخرج البرلمان، آنذاك، تقريرًا يفيد بأن الشركات الكبرى للمحروقات، تحصلت على أرباح إضافية تعادل 17 مليار درهم (1.7 مليار دولار)، بطريقة غير معقولة وغير أخلاقية.

ليتبين أن الأسواق المغربية يحكمها "الاحتكار المتوحش" من قبل مجموعة من اللوبيات الاقتصادية التي تحدد السعر الذي تريد، في غياب تام لدور الحكومة في حماية المستهلكين المواطنين من تغول لوبيات القطاع الخاص، المتحمسة لجني الأرباح الطائلة على حساب حقوق الناس، بدون مراعاة قواعد المنافسة الحرة وحقوق المستهلكين والعمال.

جمود الأجور

بالموازاة مع الصعود الصاروخي للأسعار، بقي الحد الأدنى للأجور في المغرب في حدود ثلاثة آلاف درهم، وهو مبلغ بالكاد كاف لإيجار شقة في مدينة الرباط أو الدار البيضاء لمدة شهر. وهكذا انسحقت القدرة الشرائية لكثير من الموظفين جراء الغلاء، بحيث أصبحت أجورهم غير قادرة على السداد، خصوصًا في ظل المستوى المعيشي الذي بات يتطلبه العصر، من ملابس وأجهزة وطعام جيد وأدوية فضلا عن السكن.

في حين يُواصل السياسيون المنتخبون، الذين يتنعمون أصلًا بالرواتب المرتفعة والسيارات الفارهة والتعويضات الدسمة، توسيع رقعة امتيازاتهم، كان آخرها قبل بضعة أشهر عندما قاموا بتثبيت معاشاتهم وإعفائها من الضرائب، في وقت يعيش فيه المجتمع وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا حرجًا.

وجمود أجور العمال جاء نتيجة شيخوخة النقابات، التي باتت تتحكم بها أطر تقليدية قديمة جعلتها بمثابة عقارات في ملكيتها، فأضحت النقابات مجرد هياكل خاوية ترتع بالفساد والزبونية والدعاية السياسية، بدل أن تكون هيئة ممثلة لمصالح الطبقات الشعبية العاملة، وتضغط لرفع أجورها الهزيلة.

أما بالنسبة للعاطلين عن العمل والعاملين في القطاعات غير المهيكلة بالإضافة إلى المنسيين في القرى والبوادي، فتلك قصة أخرى!

زيادة الضرائب

عندما اجتاحت الأردن المظاهرات الشعبية، منتصف أيار/مايو الماضي، سارعت وزارة الاقتصاد الأردني إلى نشر تقرير، لكي توضح للمحتجين أن الأردن هي الأقل فرضًا للضرائب على مواطنيها. لكن من جهة أخرى، أظهرت، بدون قصد، المغرب، محتلًا الصدارة في قائمة الدول العربية الأكثر ارتفاعًا من حيث نسبة الضرائب، سواء على مستوى المبيعات أو الدخل الفردي أو الدخل على الشركات.

وتشير بعض الأرقام الرسمية، حسب الباحث في القانون العام، عصام القرني، إلى أن 80% من الضريبة على الشركات، يتم أداؤها من طرف 2% فقط من مجموع الشركات المتواجدة في المغرب، حيث تصرح ثلثا الشركات في كل سنة بعجز دائم، ما يؤكد أن الكثير من هذه الشركات تمارس "التهرب الضريبي والغش الضريبي". أضف إلى ذلك أن أباطرة الأعمال يستفيدون من مجموعة من الإعفاءات والامتيازات الضريبية على شركاتهم الخاصة، فضلًا عن أنهم يعوضون اقتطاعاتهم الضريبية من خلال رفع الأسعار.

فيما يتحمل المواطنون العاديون العبء الأكبر في تحمل الضرائب الثقيلة، سواء من خلال الاقتطاعات من أجورهم ومن ثمن المواد الاستهلاكية والطاقية التي يشترونها أو تلك التي يتم تسديدها مباشرة، خاصة بعد الزيادات الضريبية المتتالية، حيث دائمًا ما تلجأ الحكومة إلى الحل الأسهل لتوفر الموارد لخزينتها من خلال رفع الضرائب. وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار في الأسواق، ويتسبب في استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين.

تدهور القطاع العام

أدى تدهور الخدمات العامة الشديد، في الصحة والتعليم، إلى هجرة الناس نحو خدمات القطاع الخاص. وهكذا أصبح %95 من المرضى الذين يتوفرون على تأمين صحي، يتوجهون إلى العيادات والمصحات الخاصة، في ظل تردي وضع المستشفيات العامة وتهالكها، وبات ما بين 70% إلى 80% من التلاميذ في المدن الكبرى يدرسون بالمدارس الخاصة بعد انهيار المدرسة العمومية.

وهو ما وجدت فيه النخبة البورجوازية في البلاد فرصة ذهبية لمراكمة الأموال واستنزاف جيوب الناس، فأصبح المواطنون يقتطعون من دخولهم للحصول على علاج وتعليم لأبنائهم في القطاع الخاص، بدل الحصول على هذه الخدمات مجانا من الدولة لقاء الضرائب. مما أضعف أكثر قدرة المواطنين الشرائية.

وازداد الأمر سوءًا بعد أن تخلت الحكومة المغربية عن دعم بعض المواد الأساسية كالمحروقات والكهرباء، هذا وتنوي أيضًا رفع الدعم مستقبلا عن غاز البوتان والسكر والدقيق.

الوعي بالتفاوت الطبقي

لا شك أن هناك فقرًا وفوارق طبقية صارخة في المغرب. على سبيل المثال تشير المعطيات الرسمية إلى أن كبار المسؤولين في مؤسسات الدولة، من وزراء وبرلمانيين ومدراء هيئات، يتقاضون رواتب تضاعف الحد الأدنى للأجور حوالي 16 مرة، بينما لا يزال يعيش 2.8 مليون مغربي في مستنقع الفقر المدقع، منهم 2.4 مليون من سكان القرى والبوادي، هناك يعيش الناس هناك بدون مستشفيات أو بنية تحتية أو حتى صرف صحي.

ومع ذلك، فإن الوضع كلما تراجعنا إلى الوراء، كان أسوأ، فمثلًا في سنة 2007، كانت نسبة الفرق بين أجر الموظفين الكبار والحد الأدنى للأجور تصل إلى 26 مرة، وعدد الفقراء المحرومين كان يقارب ستة ملايين نسمة سنة 1998، حسب بيانات البنك الدولي. فما الذي إذًا يجعل المواطنين المغاربة اليوم أكثر سخطًا واحتجاجًا ضد الأوضاع الاقتصادية.

يحتل المغرب الصدارة عربيًا في نسبة الضرائب المفروضة سواءً على مستوى المبيعات أو الدخل الفردي أو الدخل على الشركات

الجواب يكمن في أن كثيرًا من المغاربة، مع انتشار الإنترنت والسوشيل ميديا، أصبحوا يعون التفاوت الطبقي الحاصل في البلاد، وبالتالي صاروا يطالبون بحقهم في الثروة، إذ كما يقول الباحثون في علم النفس الاجتماعي، "إن الشعور بالفقر والوعي بالتفاوت الطبقي هو أخطر من الفقر نفسه، إذ نصبح أقل صحة وأكثر غضبًا، وأيضا أكثر مجازفةً في اتخاذ قراراتنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

المغاربة والجوع.. قصة شقاءٍ مستمرة إلى اليوم

البطالة في المغرب.. توقعات متشائمة ومخاوف متزايدة