قدرة المصريين الشرائية.. أرقام البؤس بعيدًا عن دعاية النظام

قدرة المصريين الشرائية.. أرقام البؤس بعيدًا عن دعاية النظام

الفقراء في مصر ضعف الأغنياء وأبناء الطبقة الوسطى معًا (حسن عمار/ أسوشيتد برس)

ألترا صوت - فريق التحرير

تروج أذرع الحكومة المصرية في الإعلام لأن الشعب المصري صاحب مال وفير ينعكس في سفه الإنفاق والاستهلاك، كما يدعون. يخرج تامر أمين، مذيع الحكومات المتعاقبة الوفي والمفضل، منذ عهد حسني مبارك، ليقول، دون سندٍ أو منطق، إن المصريين أكلوا فسيخ في شم النسيم بمليار جنيه، متسائلًا: "من أين أتيتم بالمال يا مصريين؟!".

إعلاميون وصحفيون آخرون اعتبروا الشاي والقهوة سلعًا استفزازية، وهاجموا شراء المصريين لها، بعد أن ادعوا أن الشعب المصري، الذي هم منه، صرف أربعة مليارات جنيه على الشاي والقهوة.

نحو 28% من المصريين، من الفقراء، بدخل شهري أقل من 472 جنيهًا أي حوالي 26 دولار أمريكي فقط!

ورأى كثيرون أن هؤلاء الإعلاميين يحاصرون المصريين في معاشهم، في مأكلهم ومشربهم، وأنهم يُحاسبونهم حساب غير المُستحق للنعماء التي يرغد في عيشها! لكن، بعيدًا عن الادعاءات، ماذا تقول الأرقام والحقائق عن استهلاك المصريين وإنفاقهم؟

أرقام وحقائق

الأرقام تترجم الحقائق التي تتعلق بدخول المصريين ومستوى استهلاكهم، فطبقًا لورقة نُشرت بمركز البديل للتخطيط والدراسات الإستراتيجية عن طبيعة استهلاك المصريين بالمقارنة بدخولهم؛ فإن تعويم الجنيه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، كان له أكبر الأثر في تعميق عدم المساواة في الدخول وبالتالي في مستويات الانفاق، فالأسر التي تعيش على دخل يساوي ألف جنيه جنيه شهريًا أي ما يعادل أقل من 60 دولارًا شهريًا، توجه إنفاقها إلى الاحتياجات الأساسية من المأكل والتنقلات، بينما توجه الأسر ذات الدخول المرتفعة، التي تصل إلى 100 ألف جنيه، أموالها نحو الادخار والاستثمار، وهو ما يعني أننا أمام حالتين: إحداهما تعيش على الكفاف، والأخرى تلبي احتياجاتها الأساسية مع رفاهية الادخار لتأميل المستقبل!

اقرأ/ي أيضًا: صور وفيديوهات.. الغلابة في مصر على صفيح ساخن!

وتكشف البيانات عن أن الطبقتين الوسطى والغنية تمثلان معًا ما نسبته 15% من المجتمع المصري، في حين أن 85% فقراء أو على حدود الفقر، بدخول لا تتجاوز أربعة آلاف جنيه شهريًا أو 225 دولارًا تقريبًا. وتبلغ نسبه الفقراء 27.8%، وهؤلاء الذين يعيشون على دخل أقل من 472 جنيهًا شهريًا أو حوالي 26 دولارًا.

و يفضح مُعامل جيني (معامل جيني لقياس مدى العدالة في توزيع الدخل، وتتراوح قيمته بين الصفر والواحد الصحيح، فكلما اقترب المُعامل من الواحد الصحيح كانت هناك عدم عدالة مطلقة في توزيع الدخل، وإن كان الُمعامل يساوي الصفر تكون هناك عدالة تامة) اللامساواة في توزيع الثروة، فوفقًا لإحصائية نشرها البنك الدولي التابع للأمم المتحدة، فإن مُعامل جيني أو مقياس العدالة في توزيع الدخل بمصر، في 2015، يُشير إلى 0.32، وهو رقم كبير يعكس واقع التفاوت في الدخول وتوزيع الثروة.

ويُضاف إلى ذلك قطاع الخدمات في مصر، والذي يكشف واقعه كذلك حجم انعدام التساوي بين المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية، إذ تشير دراسة حديثة بعنوان: "ثقوب وجيوب: بحث في أسباب إهدار المال العام في مصر" إلى أن المصريين ينفقون على التعليم، الذي يفترض أنه مجاني، من مالهم الخاص، فيذهب 42% من دخل الأسرة المصرية إلى الدروس الخصوصية.

وتقول الدراسة إن ثمانية ملايين مصري حاولوا تقديم شكاوى عديدة حول سوء جودة التعليم الذي يتلقاه أبناؤهم، لكن بلا جدوى، بل على العكس، فقد تراجعت الميزانية العامة للتعليم من 17% بداية العقد الأول من القرن الـ21، إلى 9% من موازنة العام المالي الحالي 2017/2018. 

تُنفق الأسرة المصرية متوسط 42% من دخلها على الدروس الخصوصية لانعدام جودة التعليم الذي يفترض أنه مجاني

وبالنسبة لقطاع الصحة، فينفق المصريون سنويًا ما قيمته 4290 جنيهًا على الخدمات والرعاية الصحية في المدن والمراكز، مقابل 3166 جنيهًا في القرى والريف، رغم أن أعداد سكان المناطق الريفية في مصر، لا يزال أكبر منه في المناطق الحضرية، ويعني ذلك في إحدى أوجهه انعدام المساواة في الحصول على الخدمات الصحية، فضلًا عن ارتفاع أسعارها بشكل كبير، في مقابل تدني جودتها التي يشتكي منها الغالب.

قانون الضريبة على الدخل واللامنطق!

قانون الضريبة على الدخل، هو قانون رقم 91 لسنة 2005 بعد تعديله ليصبح قانون رقم 97 لسنة 2018. وقد أقره مؤخرًا مجلس النواب المصري، لتكون الشرائح الضريبية فيه، وفقًا للدخل، كالتالي:

الشريحة الأولى: مستوى دخل حتى ثمانية آلاف جنيه في السنة، وهذه معفاة من الضريبة، أي أن من تبلغ قيمة دخولهم الشهرية نحو 660 جنيه أي أقل من 40 دولارًا في الشهر، معفون من الضريبة، في حين أن الشريحة الثانية بمستوى دخل أكثر من ثمانية آلاف جنيه وحتى 30 ألف جنيه، تطبق عليهم الضريبة بنسبة 10%.

أما الشريحة الثالثة بمستوى دخل من 30 ألف إلى 45 ألف جنيه مصري سنويًا، تطبق عليهم الضريبة بنسبة 15% من الدخل، والشريحة الرابعة بمستوى دخل من 45 ألف إلى 200 ألف جنيه، تطبق عليهم الضريبة بنسبة 20%. المثير للاهتمام، أن الشريحة الخامسة، أو أعلى الشرائح دخلًا بأكثر من 200 ألف جنيه مصري، تطبق عليهم الضريبة بـ22.5%، أي بزيادة 2.5% فقط عن أصحاب الدخول التي تتراوح ما بين 45 ألفًا و200 ألف سنويًا، أو 3750 و16 ألف شهريًا. بصيغة أخرى، من يتقاضى أقل من أربعة آلاف جنيه (225 دولار تقريبًا) شهريًا سيدفع 20% من دخله كضريبة للدخل، في حين أن من يتقاضى أكثر من 16 ألف جنيه (900 دولار تقريبًا) شهريًا سيدفع 22.5% من دخله كضريبة!

يمثل الفقراء في مصر ما نسبته حوالي 28% من السكان (Getty)
يمثل الفقراء في مصر ما نسبته حوالي 28% من السكان (Getty)

ويأتي قانون ضريبة الدخل الذي يراه كثيرون مجحفًا بالنسبة للشرائح الدنيا من الطبقى المتوسطة وبالنسبة للشرائح الأكثر فقرًا، في ظل معدلات تضخم مرتفعة باستمرار، وصلت إلى 29.6% خلال شهر كانون الثاني/ يناير 2017.

كما سجلت أسعار الغذاء أكبر زيادات لها في مؤشر التضخم السنوية بنسبة 38.6% تلتها خدمات الرعاية الصحية بنسبة 33.3%، في العام 2017. هذا بالإضافة إلى الزيادات الأخيرة التي أعلنت عنها السلطات المصرية في أسعار المحروقات، وأثرها المباشر على أسعار مختلف السلع الأخرى المرتبطة بعملية النقل وتأثره أسعاره بتغير أسعار الوقود.

تكشف الأرقام والبيانات كذب الادعاء ببذخ المصريين وسفهم استهلاكهم، في مقابل تأكيدها على انعدام المساواة في توزيع الثروة

إذًا، تُخبرنا البيانات والأرقام أنه ليس كل ما يقال حقيقة بشأن بذخ المصريين وسفه استهلاكهم، وذلك لأن المصريين أو أكثرهم، لا يتمتعون برفاهية البذخ مع قلة الدخول، أو بالأحرى مع انعدام المساواة في توزيع الثروة واقتطاع الضرائب. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

السوشيال ميديا في مصر.. رحلة البحث عن حلول بديلة للغلاء القاتل

بسبب التضخم.. المصريون يكتفون بوجبة واحدة يوميًا!