17-أكتوبر-2018

جان ميشال باسكيات/ أمريكا

أقتفي أثرك على الخرائط

أشمُّ المدن التي مرَّ بها عطرك

أدلّل الحدائق التي غارت أشجارها من حرية خطوك

أعبرُ عن البحر وأسمع تمائم الموج حنينًا وأغاني الرمل مديحًا والصيادون أيضًا يردِّدون تهليلات عن حوريّة كانت تحرس الماء من غضبه..

أستردُّ الحارات من طيشها إلى طفولة الشارع ودهشة القُبلة الأولى واحتفاء السماء بالرقصة الأولى والطيران الأول..

قيّاف آثارك أصيرُ والخرائط دليلي. أسيلُ كقصيدة في أحلامك العتيقة وأتعتّق في الجبال. أصير غزالًا مسحورًا تتخطّفه الفلكُ ومدارات خصرك. أشمُّ أنين روحك فتكبر سروة في مساحات الحزن. وتتسع القصائد لتحضنك!

 

*

قصائدي أعشاش للطيور. والعشُّ وطن. إن كان على شجرة أو على حافة شباك.

الشِباك سجن. إن كان من فخاخ أو خيوط أو من اسمنت.

قصائدي لا تنتمي للمدن التي فقدت روحها. لأنَّ الطيور تحبُّ الشجر والماء والمساحات الخضراء.

مرات، أخشى أن تتساقط طيوري طائرًا تلو الآخر إثر جفاف الرُّوح. ويُطمئن الحبّ صفحة العالم. الحبّ منقذ فيه من روح الله. والله يحبّ القصائد والطيور والأوطان المطمئنة.

 

*

لم أترك الغابة. الغابة تركتني. لم تعترف بي الشجرة التي أنجبتني. صرتُ ابنًا للموج. والموج حضن وأرجوحة. لذا لا زلت هذا الطفل.

كيف خانني الموج مع الريح. لم أعرف الريح حين تغضب. عرفتها حين صحوت وحيدًا في البرزخ. تذكرت يدي التي تسبح في النهر. تذكرت الغزالة المسجونة بين ضلوعي المسروقة. لم أفعل شيئًا. لأني صرت شجرة. وحولي غابة. ولا زلت هذا الطفل.

 

*

يدي تسبحُ وحدها في النهر. أمّا ضلوعي. ضلوعي المسروقة. فقد صنعوا منها سجنًا لغزال. وأنا أرى الغزال وأبكي. بكائي غزير. دموعي صارت بحيرة لا تلتقي مع النهر أبدًا. والغزال وحيد بين ضلوعي المسروقة. أتنفّس من عينيه وأبكي.

 

*

هذان النهدان النائمان على السرير

لا أعرف لمن، 

طعمهما لا يزال في شفتيّ

ولكني لا أذكر وجه صاحبتهما.

 

عليك ارتداء وجهك في المرة القادمة،

لست مضطرًا للنزول إلى الشارع

رافعًا نهدين في يديّ

مناديًا: لمن؟

 

على الأقل خلِّصي شفتيّ

من إصرار الطعم على البقاء

بعد قليل سأموت،

ولا أريد طعما لنهديك على شفتيّ الزرقاوتين

ولا أريد أن يعثروا على نهدين في سريري.

 

ثمّ، إذا قرّروا دفنهما مع جثتي

ماذا يتبقى لهذا العالم البائس؟

 

*

قتلتُ الحنينَ بدمٍ باردٍ

منذ سنواتٍ وأنا أذبحُه يوميًّا

بسكينٍ حافيةٍ أشقّ أعناقه.

 

كلّما صحى صوتُه، أخرستُه بالحرق

في داخلي مقابر لأصواتٍ محروقةٍ.

 

كلّما فتح عينيه، رششتُهم بالغبار.

ذاكرتي مغلّفة بطبقاتٍ من غبار أبدي.

 

منذ سنواتٍ وأنا أقمعُه يوميًّا

كسّرت أقدامَهُ الكثيرة

قطّعت كلَّ يدٍ له

حشوتُ رئتيه بكلِّ أنواع المخدرات

علّقت طرقَهُ كلَّها على المشانق.

جوّعتُه وعطّشتُه،

ربطتُه مثل كلبٍ في صحراء.

غلّقتُ شبابيكه وأبوابَه بالإسمنت

حاصرتُه في زنزانةٍ لا تعرف ضوءًا

حرمتُه من التنفّس حتّى..

ورغم كلّ هذا

وفي لحظة إشراقٍ:

اكتشفتُ أنّني القتيل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نصائح إلى عشاقٍ مبتدئين

الرواية الثانية لما قبل النزول