قبل مليون دقيقة ونصف

قبل مليون دقيقة ونصف

مقهى في إسطنبول (Getty)

كسائحٍ أقسم عدم تفويت أي لحظةٍ من دون متعة، لفتت انتباهي وردة على طاولة تبعُد بضع سنتيمترات عن الشارع، فقررت بعد مكالمةٍ أجريتها الجلوس لشرب كوبٍ من القهوة؛ فمن يزور إسطنبول يجب عليه إدمان القهوة.

طلبت النادل مبتسمًا:

- "أريد كوبًا من القهوة".

عبسَ في وجهي لثوانٍ وكأنه كان يبحث عني ووجدني، ثم نطق أخيرًا:

- "سيدي هذه الطاولة محجوزة، محجوزة لزبونة المقهى، وهي تأتي كل يوم وهذا موعد وصولها".

وأثناء نقاشنا وعدم رضاي الكامل، أماء برأسه مشيرًا إلى شابةٍ تقف على رصيف المقهى، فتاة بشعرٍ كسبائك ذهبٍ متصلة:

- "ها هي، أرجوك لا تسبب لي إحراجًا معها".

لست أنانيًا ولكني معجبٌ بالطاولة ولن أجلس عليها مرةً أخرى، ولن أغادرها الآن أيضًا.

 

أتت قهوتي، وما أجمل حين تمتزج رائحة إسطنبول برائحة القهوةِ التركية

مزيجٌ غريبٌ جميل.

 

كنت قد بدأت أكتب كعادتي، ليباغتني صوتٌ رقيق أشبه بصوت "هبة طوجي"

تلك الكائنة الملائكية التي تدندن "لا بداية ولا نهاية"

- "هذه طاولتي"

نظرت إليها وما أجمل الفضاءَ ظهرًا!

عيناها..

تبًا لعينيها

فالأرض بحجمها وناسها

تملكُ قمرًا، وهي فقط

بين رمشيها قمران.

 

قدماي تآمرتا عليّ، فوجدت نفسي واقفًا معتذرًا بلغةٍ رأيتها تبتسم عليها

فأنا بالكاد أتحدث التركية.

لساني اللئيم استغل الفرصة، وقال مباغتًا:

- هل لي الجلوس معك؟ وأعدكِ أنْ لن أزعجك.

 

ودون انتظار الجواب، تحركتُ بضع خطوات لأصل الكرسي المقابل

ناقلًا حاسوبي الشخصي، قهوتي وورقة كنت قد كتبت عليها "أشتاق لهواء عمّان"

مزقتُها لاحقًا.

 

انتهيتُ من فنجاني، شرقيتي أجبرتني على المغادرة

فألقيت التحية وغادرت بجسدي.. ليبقى عقلي مع تلك التي علمتُ لاحقًا بأن اسمها "ميراي".

 

اختار جسدي المكوث على أريكةٍ كنتُ أزورها فقط لمشاهدة التلفاز..

كان المذيع يقول...

لا أعلم، لم أكن حينها بكامل قوايَّ العقلية

كنتُ فقط انتظر أن تشرق شمس الأول من أيلول

لأزور ذلك المقهى.. تلك الطاولة

لأرى الفضاءَ مرةً أخرى.

 

عقارب الساعة اللعينة، المَكوى الذي يأبى إعطائي الضوء الأحمر

إشارةً منه أنْ ابدأ بالكيّ

كل شيء ليلتها كان ضدي، حتى قلمي أبى أن يكتب سوى جملةٍ واحدة

"سأبقى هنا".

 

نظرتُ للنادل بخبث:

- "كوبين من القهوة لو سمحت"

جاءت هي قبل قهوتي، جاءت لتثبت أن ما قلته كان صحيحًا

أنّ وجهها فضاء؛

اكتشفت شامةً على خدها الأيمن

أو ربما الأيسر.. كانت تشبه كوكب "نيبيرو"

ذلك الذي لا محالة.. سيسحق الأرض.

 

وضعتْ كتابًا كانت تحمله بكلتا يديها

كطالبةٍ في أول يومٍ جامعيّ..

وأتت القهوة، ألم أقل سابقًا أنّ من يزور تركيا سيعشق القهوة!

 

كنّا نحمل مسدسيّن بين فكيّنا

من يطلق أولًا ينتصر

فأطلقت رصاصتي قائلًا:

- "ماذا تقرأين"

- "Sen Benimsin"

فأردتُ مداعبتها بعد ترجمةِ الكلمة في عقلي:

- "أنتِ لي"؟

ضحكت وكأن صوتَ هبة طوجي بات ثاني أجمل الأصوات في عمري

- اقرأ هذه الرواية وحين تنتهي ستجدني هنا

وأكملتْ بعد ثوانٍ كنت قد استلمت فيها الكتاب

- "أخبرني ما رأيك بـ رغد في الرواية بكل صدق"

 

لم أُكمل قهوتي

وانطلقت إلى معرض "إسطنبول للكتاب"

أبحث عن نسخةٍ مترجمة بالعربية

فأنا بالكاد أتحدث التركية

كان الكتاب عربيّ الأصل

عنوانه "أنت لي".

 

قبل مليون دقيقة ونصف..

كنت أقرأ "أنت لي"

وكلي اشتياق لكوكب "نيبيرو"

لتلك المجرّة

للقمرين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأمواج الهائجة

علّمته الأسماء كلها