قبل قمة ترامب وشي.. أميركا تتوحد لوقف "غزو" السيارات الصينية
11 مايو 2026
مع اقتراب القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني، تتصاعد في واشنطن موجة ضغوط غير مسبوقة من قطاع السيارات الأميركي والمشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لمنع أي انفتاح محتمل أمام السيارات الصينية داخل السوق الأميركية.
التحذيرات الأميركية لا تتعلق فقط بالمنافسة التجارية، بل تمتد إلى الأمن القومي والبيانات والتفوق الصناعي، في وقت تخشى فيه شركات السيارات الأميركية من تكرار السيناريو الذي حدث في أوروبا والمكسيك، حيث نجحت العلامات الصينية خلال سنوات قليلة في اقتطاع حصص متزايدة من الأسواق بأسعار منخفضة وتقنيات متقدمة.
مخاوف من "صفقة مفاجئة"
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن القلق داخل الصناعة الأميركية تصاعد بعدما أبدى ترامب في تصريحات سابقة انفتاحًا على فكرة السماح لشركات السيارات الصينية ببناء مصانع داخل الولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك قد يوفر وظائف للأميركيين وينعش قطاع التصنيع.
وخلال حديثه أمام نادي ديترويت الاقتصادي في كانون الثاني/يناير، قال ترامب إنه سيكون "رائعًا" إذا جاءت الشركات الصينية لبناء مصانع داخل أميركا، مضيفًا: "دعوا الصين تأتي، ودعوا اليابان تأتي."
تأتي هذه المخاوف في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلًا من أزمة متزايدة في أسعار السيارات. حيث تجاوز متوسط سعر السيارة الجديدة في السوق الأميركية 51 ألف دولار
لكن هذه التصريحات أثارت حالة استنفار داخل ديترويت، معقل صناعة السيارات الأميركية، حيث ترى الشركات والنقابات أن فتح الباب أمام الصين قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقويض الصناعة المحلية بدل دعمها.
ويخشى منتقدو أي اتفاق محتمل مع بكين أن يمنح ترامب الشركات الصينية منفذًا تدريجيًا إلى السوق الأميركية عبر الاستثمار المحلي، ثم إدخال سيارات تحمل علامات صينية إلى صالات العرض الأميركية.
تحالف سياسي وصناعي ضد بكين
اللافت أن قضية السيارات الصينية خلقت حالة نادرة من التوافق السياسي والصناعي داخل الولايات المتحدة.
فالمشرعون الديمقراطيون والجمهوريون، إلى جانب شركات السيارات، ومصنعي الصلب، ووكلاء السيارات، والنقابات العمالية، جميعهم يدفعون باتجاه تشديد القيود على المركبات الصينية. ومنهم السيناتور الديمقراطية إيليسا سلوتكين، والتي قادت جزءًا من هذه الحملة، محذرة ترامب علنًا من "إبرام صفقة سيئة" مع الصين خلال القمة المقبلة.
كما دعمت مشروع قانون مشترك مع السيناتور الجمهوري بيرني مورينو، يهدف إلى منع السيارات الصينية بسبب المخاوف المتعلقة بجمع البيانات والتجسس الرقمي. ويحمل المشروع اسم "قانون أمن المركبات المتصلة"، ويهدف إلى تحويل القيود الحالية المفروضة على السيارات الصينية إلى قانون دائم يصعب التراجع عنه مستقبلًا.
وفي مجلس النواب، يتحرك مشرعون آخرون نحو تشريع أكثر تشددًا قد يمنع حتى الشراكات الصناعية بين الشركات الأميركية والصينية في قطاع السيارات.
"سيارات تتجسس"
الخطاب الأميركي ضد السيارات الصينية لم يعد اقتصاديًا فقط، بل بات أمنيًا بامتياز. ويقول مشرعون أميركيون إن السيارات الحديثة تحولت إلى "أجهزة جمع بيانات متحركة"، قادرة على تتبع المواقع وتحليل حركة المستخدمين والبنية التحتية والطرق في الزمن الحقيقي. وترى واشنطن أن السماح لسيارات أو مكونات صينية بالدخول إلى هذه المنظومة يفتح الباب أمام مخاطر تجسس واختراقات واسعة.
وفي بيان مشترك، حذر النائبان ديبي دينغيل وجون مولينار من أن المركبات الصينية قد تصبح جزءًا من نظام مراقبة ضخم داخل الولايات المتحدة.، وتحظى هذه المخاوف بدعم متزايد داخل الكونغرس، حيث وقع عشرات النواب من الحزبين رسائل تدعو ترامب إلى منع دخول الشركات الصينية إلى السوق الأميركية.
التفوق الصيني يقلق ديترويت
ورغم الخطاب الأمني، فإن جوهر القلق الأميركي يبقى اقتصاديًا وصناعيًا. فالشركات الصينية باتت تمتلك عدة عناصر تفوق تثير قلق المنافسين الأميركيين، أبرزها الدعم الحكومي الضخم، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والتقدم الكبير في تكنولوجيا السيارات الكهربائية، إضافة إلى قدرتها على بيع السيارات بأسعار تقل كثيرًا عن المنافسين.
وتخشى شركات ديترويت من أن يؤدي دخول هذه المركبات إلى حرب أسعار يصعب على الشركات الأميركية تحملها، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف التصنيع داخل الولايات المتحدة.
وتقول مؤسسات أميركية إن الشركات الصينية لا تعمل وفق قواعد السوق التقليدية، بل تستفيد من نموذج اقتصادي مدعوم بالكامل من الدولة الصينية.
أوروبا والمكسيك.. النموذج المخيف
المثال الذي يثير أكبر مخاوف واشنطن هو ما حدث بالفعل في أوروبا والمكسيك. ففي أوروبا، تضاعفت حصة العلامات الصينية من سوق السيارات خلال عام واحد فقط، مع توسع سريع في النرويج وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا. ويرجع هذا التوسع إلى الأسعار المنخفضة نسبيًا للسيارات الصينية الكهربائية، إلى جانب التحسن المستمر في الجودة والتكنولوجيا. أما في المكسيك، فقد أصبحت العلامات الصينية لاعبًا رئيسيًا في السوق، حيث تمثل نحو 15% من المبيعات، مع وجود عشرات العلامات التجارية الصينية المعروضة للبيع.
وتبيع شركات صينية سيارات كهربائية بأسعار تقل بعشرات الآلاف من الدولارات عن نظيراتها الأميركية، ما يزيد الضغوط على المصنعين التقليديين.
حتى شركة تويوتا، التي عرفت تاريخيًا بقدرتها على المنافسة السعرية، أقرت بصعوبة مجاراة الأسعار الصينية في السوق المكسيكية.
أزمة الأسعار داخل أميركا
وتأتي هذه المخاوف في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلًا من أزمة متزايدة في أسعار السيارات. حيث تجاوز متوسط سعر السيارة الجديدة في السوق الأميركية 51 ألف دولار، ما يجعل المستهلك الأميركي أكثر اهتمامًا بالخيارات الأرخص.
ويرى البعض أن السيارات الصينية قد تجذب شريحة واسعة من الأميركيين الباحثين عن سيارات كهربائية منخفضة التكلفة، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات الجيوسياسية والحروب في الشرق الأوسط. لكن معارضي الانفتاح على الصين يعتبرون أن المكاسب قصيرة المدى للمستهلك، قد تتحول إلى خسارة استراتيجية طويلة المدى للصناعة الأميركية بأكملها.
هل يحسم ترامب الملف منفردًا؟
ورغم تأكيد مسؤولين أميركيين، بينهم الممثل التجاري جاميسون غرير ووزير التجارة هاورد لوتنيك، أن قطاع السيارات ليس ضمن جدول أعمال القمة مع بكين، فإن المخاوف داخل الصناعة لا تزال قائمة.
ويرى مراقبون أن ترامب معروف بقراراته المفاجئة ونهجه القائم على الصفقات المباشرة، ما يدفع خصوم أي انفتاح على الصين إلى محاولة إغلاق الباب تشريعيًا، قبل حدوث أي تفاهمات محتملة.
وفي حال سُمح للشركات الصينية ببناء مصانع داخل أميركا، فإن نتائج هذه الخطوة قد لا تظهر فورًا، إذ تحتاج المصانع الجديدة إلى سنوات قبل بدء الإنتاج، ما يعني أن آثار القرار قد تمتد إلى ما بعد ولاية ترامب الحالية.