قبل أكثر من مئة عام كان لدينا "بستان أطفال"
1 ديسمبر 2025
سلخت من عمري في التعليم بمدارس رام الله 30 عامًا، وأنا أحاول تطبيق مبادئ المعلم الملهم خليل السكاكيني، مستلهمًا تجربته العظيمة في تأسيس المدرسة الدستورية (التي سماها كذلك تيمنًا بالدستور العثماني 1908) في القدس عام 1909، على أسس علمانية متحررة من كل ما لا يحترم عقيدته ولونه وأصله ودينه، وما يلجم روح الطالب أو يحجز أحلامه وقدراته وفرديته. كان فيها طالب يهودي واحد فقط.
يومًا ما اقترب مني طالب في المدرسة وهمس في أذني: "أستاذ، أجانا اليوم طالب مسيحي". لم يتحمل المسيحي الفلسطيني كمية التنمر التي تعرض لها، فسأله زميله: "أنت عن جد مسيحي؟ طب ليش ما تروح على مدارس مسيحية؟ المسيحيين بيصلوا؟"
ما الذي كان سيحدث لخليل السكاكيني لو عرف أنه بعد 100 عام من تأسيس تحفته التعليمية العالمية، سيسأل طالب فلسطيني زميله هذه الأسئلة؟
(إعزاز الطالب لا إذلاله) كان هذا أهم مبدأ من مبادئ المدرسة الدستورية، وقد حاولنا تطبيقه أنا ومعلمان آخران كانا مثلي من المتأثرين بالمدرسة الدستورية. نجحنا في تطبيقه في صفوفنا وتعاملنا مع الطلاب باحترام وتفهم، لكن واجهنا صعوبة في إقناع المعلمين الآخرين الذين سخروا منا وتحدونا، إن كنا قادرين على الصمود بهذه الأفكار الغريبة عن واقعنا. أطلقوا علينا متندرّين لقب: "السكاكينيون الهبايل".
لن أنسى تلك الواقعة المخيفة التي حدثت أمامي؛ كنت أخرج من أحد الصفوف منهيًا حصتي، وكان هناك خمس دقائق بين الحصص. مشيت باتجاه غرفة المعلمين، وبعد لحظات سمعت صراخًا في صفي. ركضت إلى هناك، فإذا بالمعلم المناوب قد قرر معاقبة الصف بأكمله لأن لا أحد استعد للوشاية بمطلقي الفوضى. المفجع ليس فقط فكرة العقاب الجماعي التي يتبناها الاحتلال، بل أيضًا أن ثلاثة من ذوي الاحتياجات الخاصة في الصف قد تم عقابهم. رأيتهم يمدون أيديهم برعب وهم لا يعرفون السبب.
أشار خليل السكاكيني إلى أن المدرسة ليست تبشيرية، بل وطنية، تقبل الطلاب من مختلف الأديان والمذاهب دون المساس بعقائدهم، مع التركيز على القيم الإنسانية والوطنية. وأكد أن منهج المدرسة يقوم على الانضباط والاحترام والحرية في التعلم داخل إطار التربية، ورفض العقاب والتقييد الشديد، مع الحرص على أن يكون الطالب مستعدًا جسديًا وصحيًا للتعلم واللعب، وأن يحضر المستلزمات اللازمة للدراسة، وهو ما يعكس دمج الشروط العملية مع فلسفة التربية الحديثة التي أرساها.
بهذه الطريقة، كانت المدرسة الدستورية تنشئ طالبًا قادرًا على احترام القانون والحقوق والحريات، مدركًا أهمية الدستور وفصل السلطات، ومتعودًا على الانضباط والمسؤولية، في بيئة تعليمية وطنية شاملة تعكس رؤية السكاكيني التعليمية والإصلاحية.
أما شروط الدخول فكانت متقدمة: لا يُقبل تلميذ دون الثامنة من عمره، ولا يُقبل إلا إذا كان حاملًا لشهادة طبية تؤكد صحة جسمه وسلامة عينيه وقدرته على اللعب والدراسة. أما لوازم التلاميذ في القسم الداخلي، التي طلب منهم إحضارها معهم، فهي: أربع شراشف، لحاف أو إحرام، مخدّتان، ست مناديل محارم، قمصان نوم، قمصان لبس، مناشف وجه ومناشف حمام، بدلات كاملة تفصل حسب الشكل والقماش الذي تختاره المدرسة، حذاءان، مشط، فرشاة أسنان، وكيس لتوضع فيه الثياب للغسيل.
أما رسوم المدرسة الخارجية فكانت 50 فرنكًا في بستان الأطفال، و60 فرنكًا للصف الأول، و100 فرنك في بقية الصفوف، تُدفع على ثلاثة أقساط: القسط الأول عند الدخول، والثاني بعد ثلاثة أشهر. أما رسوم المدرسة الداخلية فكانت 16 (ليرة فرنسوية)، تُدفع أيضًا على ثلاثة أقساط. أما التلاميذ الذين يرغبون في تناول الغداء في المدرسة فيدفعون 60 فرنكًا.
وثمة تنبيه هام من المدرسة حول اتفاقها مع صديقها الدكتور إلياس أفندي حلبي، أن يكون طبيب المدرسة يزور المدرسة مرتين في الأسبوع، ولا يُكلّف بأجرة العيادة أو ثمن الدواء. بدأ عمل المدرسة على ثلاث مراحل بين 19 و29 أيلول/سبتمبر و2 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1909، واستمرت المفاوضات منذ ذلك الوقت مع مؤسسي المدرسة الدستورية: علي جار الله، وخليل السكاكيني، وافتيم مشبك، وجميل الخالدي.
الجميل والمبهج في هذه التجربة الرائدة في التعليم بفلسطين قبل النكبة هو أنها أسست أول فرع للأطفال من سن الرابعة حتى السابعة، المسمى "بستان الأطفال"، حيث يتعلمون على يد معلمة اختصاصية تُهذب حواسهم، تُثقف حركاتهم، تُرهف عقولهم، وتُدرّبهم على التفكير واللطف والصبر والترتيب من خلال أشغال يدوية وألعاب وأغانٍ وتمارين متنوعة.
وجاء في تقديم المدرسة إلى فلسطين والعالم، بكلمات خليل السكاكيني: "لقد استوفينا الشروط الحصية جريًا على الخطة التي أخذت نفسها بها إلى اليوم، ملتزمين بالأصول الجديدة المتبعة في مدارس أميركا وأوروبا".
ما الذي حدث لنا؟ نحن أصحاب أول تجربة تعليمية رائدة، مشرقة بتفاصيل ورؤية حداثية إنسانية متقدمة، لدينا عظيم اسمه خليل السكاكيني، سقط في زمننا مبكرًا، ولم ننتبه لتجربته ولم نفخر بسطوعه الذهني كما يجب. ويا ليت الموضوع كان فقط ذلك، لقد ظلت منظومتنا التعليمية تخطط عكس مبادئ المدرسة الدستورية، مثل رجل مجنون يعشق إطلاق النار على قلبه.







