قبر ناصية للإيجار

قبر ناصية للإيجار

في بعض البلدان تستأجر الأسر مقابر جماعية للدفن (تعبيرية/ Xinhua)

لطالما حسدت ويل سميث على منزله المتنقل، فهو كأفريقي متشرد (في أحد أفلامه) ضمن لروحه وطنًا مثاليًا متجددًا، واحتفظ في الوقت نفسه بوجوده المتحرك في فضاءات مختلفة. وأظن أن سميث أراد تعويض محنة أبناء جلدته المهاجرين، في كل منعطفات الشتات، عندما أدرك أن بإمكانه أخذ الأرض معه أيضًا إلى أي مكان. 

أجد نفسي وآلاف من أبناء جيلي في مطحنة الإيجار نغالب معضلة عصية على الحل بمخاوف من سلبنا مأوى صغير يتسع فقط للزيادات السنوية

أجد نفسي والآلاف من أبناء جيلي، في مطحنة الإيجار، نغالب معضلة وجودية عصية على الحل، بمخاوف من سلبنا مأوى صغير يتسع فقط للزيادات السنوية، وتسعى فيه حيل السماسرة للحصول على زبائن، على الأرجح تكون بداية طردهم بنهاية طردنا.

اقرأ/ي أيضًا: كيف أصبحت الخرطوم مدينة تكره سكانها؟

الذي جعل مدينتي تقريبًا ومعظم مدن العالم الثالث لعنة أبدية، احتكر لقِلة من حَمَلة الامتيازات التاريخية أراضٍ شاسعة، مقابل الولاء السياسي المطلق. وبعد أن تخلص الناس من الاستعمار الأوروبي، جثمت على صدورهم وطأة الإقطاعية، وتغلغلت كنوع من الثقافة الجديدة، بأشكال وأسماء مختلفة. 

وهو بذلك، ربما يهدد بسحق مفهوم الدولة والمواطنة، لأن المواطن العادي اليوم يبدو مثل الفلاح في عصر العبودية "سايب الشقة وساكن في غرفة واحدة" بطريقة ساخرة طبعًا، أو كما وصفه ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة": "إذا جاء الشتاء دخل الفلاح وزوجته وأبناؤه وبهائمه وضيوفه في الكوخ ليدفئ بعضهم بعض".

كنت دائمًا في غم طويل بسبب الإيجارات، وأتساءل بإفراط: من الذي اكتشف هذا الهراء الاستثماري الطفولي وبالغ في تقنينه؟ وكيف يبيع الناس أرض الله للناس ليعتاشوا منها؟ حتى أنه لم تفلح الثورات الجديدة كلها في نقاش حق السكن، ومعادلة حقوق المالك والمستأجر، فلا أحد يأبه بالمُلحات كالعادة. 

دعك من الحكومات والأحزاب والمجتمع المدني الهلامي، ثمة مشكلة سقف للروح، ثمة حاجة لوسادة خالية للجسد، لمنازل المتنبئ في القلوب. الشقة نفسها ضيقة وغالية، وهي محض سجن دون كهرباء وماء، والناس متكومة ببلاهة على السراميك اللعين، أما الجثة الحية لم تتعب من الركض. قال مُستأجر مسكين: "يا رب اكتب لي بيتًا في الجنة، أي بيت"!

ابتذلت الراسمالية فكرة البنوك، حتى أن الحكومة إذا رغبت في تمليك الناس المال لبناء البيوت، لا تعطهم إياه مباشرة، لكن تعطه للذين سيقرضونهم المال. ونظير ذلك يجنون أرباحًا غير منطقية، كمن يبيع للمساكين نفس البضاعة مرتين.

تاريخ التشرد والنزوح هو تاريح أحزانٍ استفاضت مسائله في فصولٍ وأبوابٍ، وأسبابها ونتائجها حروب ومشاكل حول الأرض؛ فأنت بين يوم وليلة قد تجد نفسك ضحية حرب جراء مغامرات سياسية لا يد لك فيها، ونتيجة لذلك تفقد بيتك الحنون وتصبح بلا مأوى، لا تعرف إلى أين تذهب، وبعد ذلك تتحول أملاكك في الحياة إلى ذكريات، وهذا يعني أنك سوف تعيش على النوستالجيا قدر المعذبين في الأرض.

بما أن حق السكن هو حق إنساني أصيل، فلا يمكن أن يستولي على الأرض من يولد قبلك، بمعنى أن الذي يصل في الأول يأخذ كل شيء، ويورث أبنائه مئات الهكترات والعقارات، وتظل أنت زبونًا دائمًا لهذه العوائل المحظوظة، لأن الأرض تحولت إلى سلعة مثل الطعام وخدمات الإنترنت والكهرباء، كما لو أننا أتينا إلى هذه الدنيا ليمثل كل واحدٍ منا فصلًا من معاني الشقاء الإنساني.

عندما أحصل على بيت، ولا أعرف كيف سيحدث ذلك، سأكون حريصًا على ألا أمتلك غيره حتى لا أسهم في انتقاص حقوق وفرص الآخرين، لأن الأرض ملك للجميع، على الشيوع، وهذا لا يعني أن تتدخل الحكومات وتبيع شهادات البحث إلى أصحاب الحيازات، فتقنن للظلم وتعرض الأرض والإنسان معًا للضياع.

الحكومات تستثمر في مدن الشباب. الاسم نفسه مغرٍ كما يبدو، لكنها حيلة انتهازية، إذ تحصل على شقة ضيقة وتقتطع سنوات طويلة وأنت تسدد ديون الحكومة عليك، وربما تموت قبل أن تملتك ذلك المأوى بالكامل، فالتمويل العقاري أصبح اليوم نوع من الاستثمارات الطفيلية. 

لكن الأغرب هو أن الأسعار حاليًا هزمت قانون القيمة الذي صكه ماركس، من حيث أن السلع تستمد قيمتها من مصدرين هما ندرتها من ناحية والعمل اللازم للحصول عليها من ناحية أخرى. وهنا لا يبدو أن العمل جوهر القيمة، فأنت تعمل بلا طائل، كما أن الأرض التي تحولت إلى سلعة، لا تتأثر قيمتها بالوفرة إطلاقًا.

كنت دائمًا في غم طويل بسبب الإيجارات، وأتساءل: من الذي اكتشف هذا الهراء الاستثماري الطفولي؟ وكيف يبيع الناس أرض الله للناس؟

في بعض البلدان تستأجر الأسر مقابر جماعية للدفن، الدفن المريح لأهل الميت بالطبع، ذلك لأن المساحات ضيقة. وغالبًا سوف نصل حد عرض مساحات جيدة للدفن، ناصية أو شوارع رائعة، فالأرض تحولت إلى نزاع بلا قيمة أخلاقية، فبما بالك بأسعار البيوت واللإيجارات. الأسعار كلها في علو وأقدار الناس في هبوط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عقارات دمشق.. الشقة بمليار ليرة والغلاء وصل العشوائيات

200% ارتفاع في أسعار العقارات بمحافظة إب اليمنية.. ما علاقة أمراء الحرب بذلك؟