قانون

قانون "حماية القيم من العيب" في مصر.. قمع متزايد وحريات ضائعة

قرر النظام المصري تفعيل قانون "حماية القيم من العيب" (DPA)

يبدو أن النظام المصري لم يكتفِ بالعودة إلى عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك بمحاكم أمن الدولة الاستثنائية التي عادت للعمل منذ أقل من أسبوعين، بل اختار أيضًا العودة لعهد أنور السادات بتفعيل قانون "حماية القيم من العيب" وإعادة تشكيل محكمتي القيم والقيم العليا بقرار وزير العدل حسام عبدالرحيم، الصادر أمس الأربعاء 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. هذه المحاكم يصفها البعض بأنها أشبه بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، التي للعجب يتضاءل وجودها ودورها الآن! 

في سياق تكريسه للقمع والسلطوية، أصدر النظام المصري قرارًا بتشكيل محاكم للقيم في إطار قانون "حماية القيم من العيب"!

ويأتي هذا القرار بعد أقل من شهر من حادثة القبض على عدد من الشباب الذين حضروا حفلة "مشروع ليلى" بتهم تتعلق بميولهم الجنسية، وهو ما يُكرس من توجهات السلطة نحو مزيد من السلطوية المتداخلة في الحياة الخاصة بالمواطنين، والتحكم في أفعالهم الخاصة. ومن الملفت أن نفس القرار الصادر بالأمس، سبق أن صدر منذ قرابة العام في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، إلا أنه لم ينفذ.

اقرأ/ي أيضًا: أعلام ملوّنة ترفرف في سماء القاهرة السوداء

ما هو قانون "العيب"؟

تعتبر محكمتا القيم والقيم العليا ضمن المحاكم الاستثنائية التي تم تشكيلها طبقًا لقانون 95 لسنة 1980، الخاصة بـ"حماية القيم من العيب"، هذا القانون "سيئ السمعة" كما أسماه نواب المعارضة في وقتها، كان قد أصدره الرئيس الأسبق أنور السادات رغبة منه في تثبيت أقدامه في الحكم أكثر بقانون يعطي الحق لمحاسبة الأشخاص على نواياهم وحبس المعارضين بتهم واهية كالإساءة لرموز وطنية أو انتقاد سياسات الدولة، وربما تعزيزًا من اللقب الذي أطلقه على نفسه "الرئيس المؤمن"!

ومن المفارقات المثيرة، أن تعاني عائلة السادات بعد وفاته من ويلات القانون الذي نصبه بنفسه، لتكون القضية الكبرى الأولى التي تحكم فيها محاكم القيم، هي قضية عصمت السادات في عام 1983، حيث صادرت محكمة القيم ما يزيد عن 124 مليون جنيه من أسرة عصمت السادات، ووصفتهم المحكمة برئاسة المستشار أحمد رفعت خفاجي في مرافعته المشهودة بـ"الفئة الطفيلية، والثعالب الضالة، التي تمارس الإرهاب وتفرض الإتاوات بهدف جني المال الحرام".

وظلت محاكم حماية القيم من العيب في عملها حتى قرر مبارك إلغائها في عام 2008، بشرط استمرارها لحين الفصل في القضايا المنظورة أمامها، كما جاء في المادة الرابعة من قانون رقم 194 لعام 2008، والتي نصت على أن "تستمر محكمة القيم، والمحكمة العليا للقيم في نظر الدعاوي المقيدة بجداولها إلى حين انتهائها من الفصل فيه"، قبل أن يمنحها وزير العدل قبلة الحياة مرة أخرى ويعيدها للعمل بقراره الأخير بعد أن تعطلت لقرابة الثمان سنوات.

ما خطورة القانون؟

تتمثل خطورة قانون العيب ومحكمة القيم، في أن الأحكام الصادرة عنها تعد أحكامًا نهائية، تمامًا كأحكام محاكم أمن الدولة طوارئ، ولا توفر مبادئ المحاكمة العادلة للمتهمين، وتسلب حقهم في درجات التقاضي من الاستئناف والنقض، فالأحكام الصادرة عن محكمة القيم، يُطعن عليها أمام محكمة القيم العليا. 

كما أن قانون العيب يحمل مصطلحات فضفاضة يُمكن الالتفاف بها من أجل التنكيل بالمعارضين، فينص قانون العيب على محاكمة "كل من ارتكب ما ينطوي على إنكار الشرائع السماوية أو ما يتنافى مع أحكامها"، ويجرم القانون ما أسماه "تحريض الشباب على الانحراف عن طريق الدعوة إلى التحلل من القيم الدينية أو عدم الولاء للوطن"!

يتضمن قانون "الحماية من العيب" مصطلحات فضفاضة يمكن الالتفاف بها للتنكيل بالمعارضين، وتقنين مزيدٍ من القمع والسلطوية 

ويجب الإشارة إلى تعارض القانون مع نصوص دستورية واضحة تكفل الحق في حرية العقيدة للمواطنين، كالمادة رقم 53 من الدستور المصري الصادر عام 2014، والتي تنص على أن "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة". وكذلك يتعارض القانون مع المادة 64 التي تنص على أن "حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون".

اقرأ/ي أيضًا: في ناصرية وساداتية السيسي

ويعلّق المحامي الحقوقي أحمد البحراوي على قرار إعادة تشكيل محاكم "حماية القيم من العيب" في تصريحات لـ"ألترا صوت"، قائلًا إن "هناك دلالة بين إعادة تشكيل محاكم القيم والتوسع في التنكيل بالأفراد بتهمة إهانة الرئيس خلال الفترة السابقة".

ويُضيف أحمد البحراوي: "تعاني الدولة المصرية من أزمة حقيقية مع درجات التقاضي القانونية، وتبحث بأي شكل عن طرق ملتوية تستخدم من خلالها أحكامًا نهائية كالمقصلة"، واصفًا القرار بأنّه "عودة إلى العصور الوسطى وصورة مستحدثة من محاكم التفتيش". 

وثمة مخاوف من استغلال السلطة لمحاكم القيم للتنكيل بخصومها، هذه المخاوف مبنية على التجربة من ممارسات السلطات المصرية، خاصة بعد الثالث من تموز/يوليو 2013، وسعيها الدائم لتقنين القمع.

وتختص محكمة القيم بالنظر في قضايا عدة، من بينها "حماية القيم من العيب" وقضايا الاتجار في السوق السوداء والتلاعب بقوت الشعب، وقضايا الاستيلاء بدون وجه حق على الأموال العامة المملوكة للدولة أو الأموال الخاصة، ومحاكمة الشخصيات التي "تسيء للقيم المصرية". وتكمن المشكلة تحديدًا في اثنتين من القضايا التي تختص بها، الأولى "حماية القيم من العيب" والثانية محاكمة الشخصيات التي "تسيء للقيم المصرية"، إذ ليس هناك اصطلاح قانوني محدد يُعرّف القيم والعيب، أو القيم المصرية، وعليه سيترك الحبل على الغارب، وستتولى السلطات غالبًا التفسير من منطلق الأقوى. 

"شرطة الأخلاق" لم يعد مصطلحًا مجازيًا

ازدادت في السنوات القليلة الماضية الحوادث والقضايا المرتبطة بمصطلحات واسعة وفضفاضة مثل "التحريض على الفسق والفجور" أو "خدش الحياء العام ومخالفة الآداب العامة"، حتى أصبح مصطلح "شرطة الأخلاق" حقيقة، بعد أن اعتاد الشباب استخدامه سخريةً ومجازًا، وأصبحت نوايا الدولة واضحة في السعي نحو فرض رقابتها على "القيم" و"الأخلاق" من منظورها، وخلق نسخ مكررة من البشر على هوى النظام الحاكم.

فمنذ قرابة الشهر، شنت السلطة المصرية حملة أمنية شرسة على مجموعة من الشباب والفتيات الذين حضروا حفلًا لفرقة موسيقية بالقاهرة، بسبب التلويح بأعلام قوس قزح، وبتهم تتعلق بالميول الجنسية. ولا يزال هؤلاء الشباب قيد التحقيق حتى الآن، ولا تلوح في الأفق بوادر الإفراج عنهم قريبًا. وفي الأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، صرّح مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين السابق ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (بديل وزارة الإعلام)، بأنّ "مهنة الصحافة لها أصول وآداب عامة"، وأنه من "العيب" أن يقابل صحفي أحد المصادر مرتديًا "بنطلون جينز مقطع". ويبدو الأمر مثيرًا للريبة في سياق التساؤل المشروع: هل مكرم محمد أحمد رئيسًا لمجلس إعلامي أم لمدرسة ابتدائية؟ 

وفي بداية الشهر الجاري أيضًا، قرر عميد كلية الحقوق بجامعة طنطا، إحالة طالبيْن للتحقيق، قبل فصلهما، على خلفية احتضان شاب لزميلته التي طلب خطبتها في ساحة الجامعة وأعلنت موافقتها. واعتبرت إدارة الجامعة أن الفعل "مخالفٌ للآداب العامة" لدرجة فصل الطالبين وتهديد مستقبلهما.

ومنذ عامين أيضًا تحولت الفنانة المصرية انتصار إلى محاكمة عاجلة بعد أن تقدم المحامي سمير صبري ببلاغ يتهمها فيه "بالتحريض على الفسق والفجور ونشر الرذيلة وخدش الحياء العام"، بعد أن أعلنت على التلفاز عدم ممانعتها لمشاهدة الأفلام الإباحية، وكذلك حكم على الروائي المصري أحمد ناجي بالحبس لمدة سنتين في عام 2015 للأسباب نفسها، بعد أن نشر روايته "استخدام الحياة" والتي احتوت في فصلها الخامس على عبارات اعتبرتها المحكمة "خادشة لحياء المجتمع".

يسعى النظام المصري لتقنين مبدأ "ميصحش كده" بعد تجاوزه ملاحقة المعارضين إلى ملاحقة عموم الشعب بتهم زائفة "لحماية القيم من العيب"!

يبدو أن السلطات المصرية لا تكتفي بالملاحقة الأمنية للسياسيين والحقوقين والصحفيين والكتاب، ولكن امتد الأمر لعموم الشعب بتهم زائفة متعلقة بالحياء العام والقيم المجتمعية، وتسعى الدولة لشرعنة انتهاكاتها حريات الآخرين عبر قوانين مجحفة عفى عليها الزمان، ما يعكس نوايا السلطة في إعادة تشكيل المجتمع بشكلٍ يتوافق مع رؤية القيادات الحاكمة تحت مبدأ الأب الأكبر وكبير العائلة الذي من "العيب" معارضته، بل تسعى الدولة بكل وضوح إلى تفعيل مبدأ "مايصحش كده".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الفاجر القادر".. الرئيس الذي يحكم بفحولته!

تعديل قانون هيئة الرقابة الإدارية.. كل شيء خاضعٌ للسيسي