ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

قانون العمل المصري الجديد.. جدل لم يُحسم بعد

30 ابريل 2025
مظاهرة عمالية
وقف قانون العمل الحالي عاجزًا عن تخفيف حدة الاحتقان أو احتواءه (وسائل التواصل الاجتماعي)
عماد عنان عماد عنان

بعد سنوات من الانتظار، ومع اقتراب اليوم العالمي للعمال، خرج قانون العمل المصري الجديد إلى النور، عقب إقراره رسميًا من مجلس النواب. وجاء ذلك تتويجًا لعدة جولات من النقاش والمراجعة شارك فيها ممثلون عن الحكومة والبرلمان وأصحاب الأعمال والمنظمات العمالية.

وبحسب الحكومة، يهدف القانون إلى تحقيق توازن عادل بين حقوق العمال ومصالح أصحاب الأعمال، وإرساء مظلة قانونية وتنظيمية تحكم العلاقة بين الطرفين، فضلًا عن توفير بيئة عمل جاذبة للاستثمار الأجنبي، بما يسهم في إنعاش الاقتصاد المصري وتنويع موارده.

وبعد إقراره برلمانيًا يُفترض أن يصدّق رئيس الجمهورية على القانون الجديد قبل نشره في الجريدة الرسمية، ليتم تطبيقه فعليًا على نحو أكثر من 30 مليون عامل في القطاع الخاص، يشكلون قرابة 85 % من إجمالي العاملين في مصر، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء، فيما لا يسري هذا القانون على العاملين بالقطاع العام ولا عمال الخدمة المنزلية.

كان يٌفترض أن يُطرح القانون منذ تقديمه للبرلمان في 2017 على مائدة النقاش المجتمعي، كونه تشريع يمس حياة الملايين من العمال، وينظم العلاقة بين أطراف اجتماعية تتباين مواقعها ومصالحها،

وتباينت الرؤى مع الإعلان عن مسودة القانون الجديد، بين من يراها خطوة مهمة نحو استرداد العمال حقوقهم المسلوبة، واستعادة بعضًا مما فقدوه خلال السنوات الماضية، وإحداث التوازن بين طرفي المعادلة، العامل وصاحب العمل، وبين من يعتبرها أداة جديدة لتكريس نفوذ أصحاب الأعمال على حساب العمال وتجريدهم مما تبقى من منظومة حقوقهم المتآكلة.

هل كانت مصر بحاجة فعليًا لقانون عمل جديد؟

سؤالٌ يطرح نفسه في ظل الجدل الدائر حاليًا حول قانون العمل الجديد وترقّب التصديق عليه ودخوله حيّز التنفيذ: هل كانت مصر بحاجة فعلية إلى مثل هذا القانون في هذا التوقيت؟

للإجابة عن هذا السؤال، تجدر الإشارة أولًا إلى أن القانون المعمول به حاليًا هو القانون رقم 12 لسنة 2003، ما يعني أن العمال المصريين تعاملوا على مدى 22 عامًا مع تشريع لم يعد يواكب المستجدات والمتغيرات التي شهدها سوق العمل خلال العقدين الماضيين، وهو ما فرض الحاجة إلى بنية تشريعية ونظام لائحي يضمن حقوق العمال ويُحقق التوازن بين طرفي علاقة العمل.

وبعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 زادت الساحة العمالية احتقانًا، فيما وقف قانون العمل الحالي عاجزًا عن تخفيف حدة هذا الاحتقان أو احتواءه بشكل أو بأخر، وهو ما وسع الهوّة بين العمال وحقوقهم، الأمر الذي انعكس على صورة الدولة المصرية دوليًا، ووضعها على القائمة السوداء لمنظمة العمل الدولية لعدة سنوات نتيجة لملاحظات المنظمة بشأن الحريات النقابية وعدم التوافق الكامل مع اتفاقيات العمل الدولية.

وكان يٌفترض أن يُطرح القانون منذ تقديمه للبرلمان في 2017 على مائدة النقاش المجتمعي، كونه تشريع يمس حياة الملايين من العمال، وينظم العلاقة بين أطراف اجتماعية تتباين مواقعها ومصالحها، وعليه طالب شيوخ العمال بضرورة أن يدور بشأنه حوار مجتمعي حي وحقيقي يفتح الباب لكافة التيارات والأطياف الاجتماعية، من أجل التوصل إلى صيغة مقبولة ومُرضية للجميع.

وكانت "دار الخدمات النقابية"، وهي منظمة غير حكومية تأسست في 26 أذار/ مارس 1990 على يد قيادات عمالية مؤمنة باستقلالية النقابات وديمقراطياتها، وتدافع عن حقوق العمال، قد قدمت طرحًا استعرضت فيه أبرز الثغرات التي تضمنها القانون الحالي والتي يجب أن يُعاد النظر فيها عند مناقشة القانون الجديد

كان من أبرزها تعثر التسوية الودية بين طرفي علاقة العمل، بطء عملية التقاضي، وعدم جدوى الجزاءات الجنائية مما أدى إلى بقاء العديد من المنازعات العمالية معلقة لم يبت فيها بالتراضي أو أمام القضاء، وعدم التنسيق والتجانس بين قانون العمل والتشريعات الاجتماعية الأخرى، إضافة إلى ضرورة تطبيق مفهوم النصوص الدستورية الواردة بدستور 2014، والاستناد إلى ما استقر عليه الفقه والقضاء، علاوة على التوافق مع ما تنص عليه مواثيق واتفاقيات العمل الدولية.

إيجابيات القانون.. التوازن بين أطراف العملية الإنتاجية

رفعت الحكومة أثناء مناقشة القانون قائمة مطولة من الأهداف التي يسعى لتحقيقها أهمها ضمان سوق عمل جاذب للاستثمار، توفير حماية اجتماعية للمواطنين، حصول العامل على أجر عادل، توافق القانون الجديد مع معايير العمل الدولية، تبنى القانون تعريفًا موسعًا للعامل يشمل كافة الفئات، توفير الحماية القانونية والاجتماعية للفئات الأَولى بالرعاية، وتنمية مهارات الموارد البشرية لتلبية احتياجات سوق العمل محليًا ودوليًا.

وبعد التعديلات التي تضمنها القانون المطروح حاليًا يلاحظ أنه ضُمنّ العديد من المواد الجديدة أبرزها: علاوة سنوية لا تقل عن 3% من الأجر التأميني، تُستحق بعد سنة من التعيين، حماية العامل من إلغاء "استمارة 6" والاستقالة المسبقة، مع ضرورة اعتماد الاستقالة من جهة إدارية.

إضافة إلى تحصيل العامل لمستحقاته حتى قبل المصروفات القضائية، مع الحفاظ على العقود عند بيع أو اندماج المنشأة، بجانب ضرورة إبرام عقد عمل إلزامي ومكتوب بالعربية في أربع نسخ، والأصل أن يكون غير محدد المدة، وفي حالة نهاية الخدمة لا بد وأن يكون ذلك بإخطار ومكافأة وتعويض.

كما تضمن القانون إعفاء العمال من الرسوم القضائية، وإنشاء محاكم عمالية متخصصة، تنظيم الإضراب بضوابط واضحة، ومنع الإضراب في المنشآت الخدمية الأساسية، تشكيل مجلس للتشاور الاجتماعي لحل المنازعات الجماعية ورفع الحد الأدنى للأجور، فيما اعتبره حقوقيون ونواب طفرة كبيرة في منظومة حقوق العمال المصريين وأفضل كثيرًا من القانون المعمول به حاليًا.

الانتصار لأصحاب الأعمال.. أبرز السلبيات

على الجانب الأخر أثار القانون حالة من الغضب لدى المعنيين بحقوق العمال، حيث يرى الباحث الاقتصادي والعمالي إلهامي الميرغني، وهو أحد مؤسسي اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق والحريات النقابية والعمالية سابقًا، أن القانون في مجمله "يميل بشكل واضح نحو ترسيخ امتيازات أصحاب الأعمال على حساب حقوق العمال، ويركز على مواد فرعية بينما يتجاهل أو يقلل من شأن المواد الأساسية المتعلقة بحقوق العمال المادية والمعنوية. كما أن القانون صدر دون إجراء حوار مجتمعي حقيقي وبغياب مشاركة فعالة من النقابات العمالية المستقلة".

وأضاف في تصريحات صحفية له أن القانون قنن بشكل مقلق وضع شركات التوظيف، التي وصفها بـ"تجارة العمالة" أو "نظام السخرة"، لافتا أن هذه الشركات تعتمد عليها المصانع حاليا لتوفير العمالة تحت مظلة "شركات التعهيد"، مع اقتطاع نسب خصم عالية من رواتب العمال لصالحها بهدف التهرب من الأعباء القانونية.

ومن أبرز السلبيات التي تضمنها القانون بحسب الميرغني، خفض العلاوة الدورية من 7% إلى 3%، ووجود خلل في تنظيم الإجازات، خاصة إجازات "الوضع" الخاصة بالمرأة العاملة"، كما أنه لم يضع قيودًا كافية على سلطة أصحاب العمل في الفصل التعسفي للعمال، وقام بتقييد حق العمال في تنظيم الإضراب من خلال إجراءات مانعة ومعقدة.

وفي ورقة بحثية بعنوان "ما العمل في قانون العمل؟"، اعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (وهي منظمة مستقلة) أن القانون الجديد يُعدّ امتدادًا لسياسات تُحابي أصحاب الأعمال والمستثمرين على حساب العمال.

واعتبر مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة، وائل جمال، أن تحديد العلاوة السنوية بنسبة 3% فقط من الأجر التأميني — الذي غالبًا ما يكون أقل بكثير من الأجر الأساسي — في بلد تتزايد فيه معدلات التضخم، يعني استمرار تآكل القيمة الحقيقية للأجور، وهو ما يحدث منذ نحو 25 عامًا، مما أثر سلبًا على حياة المواطنين ومستواهم الاجتماعي والمعيشي.

كما تجاهل القانون ربط الأجور بمعدلات التضخم ومستوى الأسعار، ما يخلّ بهدفه المُعلن المتمثل في تحقيق التوازن والعدالة بين طرفي علاقة العمل. ويرى مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المبادرة، أنه كان من الأجدر ربط العلاوة السنوية بمعدل التضخم السنوي، لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للعمال. ويضيف: "صحيح أن القانون ينصّ على ضرورة تطبيق الحد الأدنى للأجور، لكنه لا يوفّر أي آلية واضحة لتنفيذ ذلك".

وفي الأخير فإن مجرد خروج قانون العمل للنور بعد سنوات من التجميد خطوة محمودة في الطريق الصحيح، حتى وإن لم يكن على المستوى المأمول، ولم يحقق أحلام العمال المأمولة، لتدخل النقاط الخلافية ثلاجة التجميد مؤقتًا لحين طرحها مستقبلا على موائد النقاش والتباحث مرة أخرى خلال جولات قادمة، إعمالًا للقاعدة: ما لا يُدرك كله لا يُترك جله.

كلمات مفتاحية
بيروت

المدنيون يدفعون الثمن.. هل تستنسخ إسرائيل نموذج غزة في لبنان؟

في مشهد مأساوي، يواجه المدنيون في لبنان شبح المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث باتوا يدفعون أثمانًا باهظة في حرب استنزاف لا تتوقف

بيروت

حين لا تكفي النجاة في لبنان.. هل البشر أغلى من الحجر؟

"البشر أغلى من الحجر".. هل تكفي هذه العبارة لكي يشعر الذين خسروا منازلهم وأرزاقهم أنهم في حالٍ أفضل؟

الهند

الحرب على إيران.. عندما اهتز هرمز وارتجّ العالم

نشرت صحيفة "الغارديان" تقريرًا لافتًا تكشف فيه كيف شكّلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حدثًا متعدد الأبعاد، يمكن قراءته اجتماعيًا واقتصاديًا على حد سواء

بيروت
سياق متصل

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

لبنان
راصد

"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت

أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر

طهران
سياق متصل

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد

القمح
أعمال

مخاوف من "هدنة هشة" تدفع أسعار القمح إلى الارتفاع

أدى إعلان الهدنة بين إيران والولايات المتحدة إلى انخفاض أسعار القمح عالميًا، لكن العدوان الإسرائيلي على لبنان زاد المخاوف، فارتفعت أسعار الوقود وتأثرت بذلك أسعار القمح