قانون العمل الجديد في مصر.. إصلاحات على الورق وأزمات في التطبيق
8 سبتمبر 2025
دخل قانون العمل الجديد في مصر حيز التنفيذ في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، وذلك بعد 8 سنوات من جولات النقاش المكوكية التي شارك فيها ممثلو الوزارات والغرف الصناعية والمجالس القومية، وسط حالة ترقب لتأثير تطبيق القانون الذي ينظم أوضاع نحو 30 مليون عامل في منشآت القطاع الخاص.
صدر القانون في الثالث من أيار/مايو الماضي، بالتزامن مع احتفالات عيد العمال، ونصّ على سريانه اعتبارًا من أول الشهر التالي لانقضاء 90 يومًا من تاريخ نشره، على أن يبدأ تطبيقه في شأن المحاكم العمالية المتخصصة اعتبارًا من الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفق ما أعلن وزير العمل المصري محمد جبران.
وتشهد منظومة العمل التشريعية والإجرائية في مصر معارك ضارية على مدار عقود طويلة، بين فريق يراها بيئة خصبة للإنتاج وفق التزاماتها بالمبادئ العمالية الحقوقية والإنسانية، وآخرون يعتبرونها واحدة من أسوأ المناخات العمالية في العالم، مستندين في ذلك إلى تقرير "مؤشر الحريات النقابية العمالية" للعام 2024، والذي حلت فيه مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم بالنسبة للعمال، وبأسوأ تصنيف هو الخامس للعام الثالث على التوالي.
تشهد منظومة العمل في مصر صراعًا ممتدًا بين من يعدّها بيئة منتجة تحترم الحقوق، ومن يصفها بأنها من أسوأ المناخات العمالية عالميًا
بيئة عمل عادلة وآمنة
يرى المدافعون عن القانون الجديد الذي صدّق عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه يأتي في إطار حرص الدولة على توفير بيئة عمل عادلة ومنظمة، ترفع من كفاءة الأداء وتراعي حقوق العاملين بما يتماشى مع المعايير الدولية للعمل، وذلك وفق عدد من المؤشرات والبنود التي تضمنها.
أولها ما يتعلق بمنع التمييز على أساس الجنس، حيث يحظر القانون أي شكل من أشكال التمييز في الإعلان عن الوظائف، التوظيف، التدريب، شروط العمل، أو الحقوق الناشئة عن عقد العمل، إذا كان مبنيًا على الجنس أو على أسس أخرى مثل الدين، الإعاقة، أو الوضع الاجتماعي.
كما يجيز التمييز الإيجابي لصالح النساء من أجل تحقيق مساواة فعلية، مثل منح إجازات أمومة أو توفير مرافق خاصة، وهو بذلك يتماشى مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (111) الخاصة بالمساواة في الفرص والمعاملة، كما يتوافق مع الاتفاقية رقم (100) التي تؤكد على المساواة في الأجور بين الجنسين للعمل ذي القيمة المتساوية.
ومن هنا، وبحسب القانون نصًا، يُحظر نشر إعلانات وظائف تُحدد الجنس المطلوب (مثل: "مطلوب موظف ذكر") إلا لضرورة وظيفية، كما يُمنع دفع أجور أقل للنساء عند أداء وظائف مساوية في القيمة.
كما يمنح القانون المرأة العاملة إجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة 90 يومًا (قبل الولادة وبعدها)، وذلك لثلاث ولادات كحد أقصى خلال فترة خدمتها، ويحظر فصل المرأة بسبب الحمل أو أثناء إجازة الأمومة، وهو ما يقل عن الحد الأدنى الذي أقرته اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (183) (حماية الأمومة)، والمحدد بـ 14 أسبوعًا (98 يومًا).
ومن أبرز المؤشرات التي احتفى بها المدافعون عن القانون ما أقره بشأن الحماية من التحرش في مكان العمل، حيث تضمن نصوصًا لمكافحة التحرش الجنسي، وتُلزم أصحاب العمل باتخاذ إجراءات وقائية مثل وضع سياسات داخلية وآليات لتلقي الشكاوى، وهو بذلك يتوافق مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (190) لعام 2019 بشأن القضاء على العنف والتحرش في العمل.
ورغم أن القانون لم يحدد آليات تنفيذية مفصلة (لجان داخلية، برامج تدريب، صناديق شكاوى، خطوط ساخنة) بشأن تلك المسألة، مما يترك فجوة في التطبيق، إلا أنه وضع مستويات عدة للحماية: تشريعية وقانونية (تجريم صريح للتحرش وفق المادة 306 من قانون العقوبات، وعقوبات جنائية وعمالية رادعة، وحماية المبلّغات من الانتقام أو الفصل)، وإدارية مؤسسية (سياسات مكتوبة لمكافحة التحرش يلتزم بها جميع العاملين، قنوات سرية وآمنة لتقديم الشكاوى، تدريب دوري للموظفين والمديرين)، وأخيرًا عقوبات إدارية واضحة (إنذار، خصم، فصل).
دعم دمج المرأة في سوق العمل
حرصت المادة الخامسة من القانون على تفعيل برامج دمج المرأة في سوق العمل بالتعاون بين وزارة القوى العاملة ووزارة التضامن، وذلك عبر عدة سياسات منها برامج التدريب المهني، دعم ريادة الأعمال، توفير جداول عمل مرنة والعمل عن بُعد، كذلك الامتثال للمعايير الدولية في هذا الشأن، حيث التماشي مع توصيات منظمة العمل الدولية بشأن المساواة بين الجنسين، والعمل على تقليص فجوة مشاركة النساء في سوق العمل.
جدير بالذكر هنا أن مشاركة النساء في سوق العمل في مصر أقل بكثير مما تقره القوانين والمبادئ الدولية، وهو ما يعكس البون الشاسع بين الشعارات والتطبيق، حيث لا تتجاوز نسبة المشاركة 17% مقابل 70% للرجال، بسبب قوائم مطولة من المعوقات الثقافية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بالمساواة في الأجور، فينص القانون صراحة على مساواة الأجور بين الرجال والنساء للعمل ذي القيمة المتساوية، ويلزم أصحاب العمل بالشفافية في الأجور، متوافقًا مع اتفاقية منظمة العمل الدولية، وإن كانت هناك فجوة واضحة في الأجور لا تزال قائمة في القطاع الخاص وغير الرسمي.
ومن المسائل التي حظيت بنقاش مطول خلال الفترة الماضية دعم الأمهات العاملات، حيث يمنح القانون فترات راحة يومية للرضاعة (30 دقيقة لمدة عامين بعد الولادة)، ويشجع على توفير حضانات في أماكن العمل التي تضم أكثر من 100 عامل، متسقًا مع التوصية 191 (حماية الأمومة) التي تدعو لدعم الأمهات العاملات.
وحاول القانون قدر الإمكان التيسير على العمال أثناء عمليات التقاضي، إذ تنص المادة (7) على إعفاء الدعاوى العمالية من الرسوم والمصاريف القضائية في جميع مراحل التقاضي، بما يسهل وصول العاملات والعمال للعدالة، غير أن هناك ثغرات في تلك المادة ربما تجردها من مضمونها، أبرزها أن إمكانية إلزام العامل بالمصروفات إذا رُفضت الدعوى قد تُثني البعض عن المطالبة بحقوقهم، كما لا يغطي النص بشكل واضح عمال القطاع غير الرسمي (40-50% من القوى العاملة)، ما يضعف استفادتهم من الحماية.
تكبيل للحريات ونسف معايير الأمان
على الجانب الآخر، أبدى حقوقيون تحفظات عدة على القانون الجديد الذي يرونه، رغم ما حققه من إيجابيات، لا يزال يعاني من شروخ غائرة في جدار حقوق العمال، من بينها إنهاؤه فكرة العلاقة التعاقدية الدائمة بين صاحب العمل والعامل، واستبدالها بنظام العقود السنوية المتجددة. هذا التغيير حدّ من قدرة العامل على الحصول على إجازة للعمل بالخارج – والتي كانت بعض الشركات تسمح بها لفترات محددة دون إنهاء علاقة العمل – حيث بات تجديد العقد شرطًا لاستمرار الخدمة.
كما جرد القانون حق العمال في الإضراب، حين حظر وبشكل نهائي الإضراب في المنشآت الحيوية التي تمس الأمن القومي أو تقدم خدمات أساسية للمواطنين. كما منح أصحاب العمل في تلك القطاعات الحق في فصل العمال المضربين، وقف أجورهم، وإحالتهم إلى المحاكمة.
علاوة على ذلك، خفض القانون العلاوة الدورية السنوية من 7% من الأجر الأساسي إلى 3% من أجر الاشتراك التأميني، كما اشترط لاستحقاقها مرور عام كامل من تاريخ التعيين أو من تاريخ استحقاق العلاوة السابقة، وذلك وفقًا للقواعد التي يضعها المجلس القومي للأجور.
أبدى حقوقيون تحفظات عدة على القانون الجديد الذي يرونه، رغم ما حققه من إيجابيات، لا يزال يعاني من شروخ غائرة في جدار حقوق العمال
وفي ذات السياق، سمحت بعض الاستثناءات في القانون بزيادة ساعات العمل، وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور في حالات الطوارئ أو الظروف الاستثنائية، كما أجازت تقنين عقود العمل المؤقتة، وسمح بالتوظيف دون عقود في أعمال غير موسمية، مخولًا صاحب العمل سلطة الخروج عن شروط العقد الفردي أو الاتفاقية الجماعية بحجة "الضرورة"، حيث نصّت المادة (173) على حق صاحب العمل في فصل العامل إذا تغيب بعد استنفاد إجازاته السنوية.
ورغم أن القانون يركز على تنظيم سوق العمل الداخلي، إلا أنه تضمن مواد مؤثرة على العمالة المصرية بالخارج، منها فرض شروط مشددة على ترخيص الشركات العاملة في مجال إلحاق العمالة بالخارج، وحظر على تلك الشركات تقاضي مبالغ من العامل مقابل تشغيله، باستثناء نسبة لا تتجاوز 1% من أجره في السنة الأولى كمصروفات إدارية.
في الأخير، يمكن القول إن القانون الجديد جاء بعد سنوات طويلة من الجدل ليشكل محطة فارقة في مسار تنظيم علاقات العمل، إذ حمل في طياته بنودًا إصلاحية تتعلق بالمساواة بين الجنسين، وحماية المرأة العاملة، وتيسير الوصول إلى العدالة، إلى جانب مواكبة أنماط العمل الحديثة مثل العمل عن بُعد والعمل عبر المنصات الرقمية.
لكن، وفي المقابل، أثار مخاوف جدية تتعلق بتقليص الضمانات العمالية، أبرزها إنهاء فكرة العقود الدائمة لصالح العقود السنوية المتجددة، وتقييد حق الإضراب، وتقليص العلاوة السنوية، فضلًا عن فتح الباب أمام استثناءات قد تمس بالحد الأدنى للأجور وساعات العمل. كما أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي تظل واسعة، خاصة في ظل ضعف الرقابة على القطاع الخاص، وغياب الحماية الفعلية للعمالة غير الرسمية التي تمثل نحو نصف قوة العمل في مصر.
وعليه، فإن مستقبل هذا القانون سيظل مرهونًا بمدى جدية الدولة في تطبيق مواده الإيجابية، وسد ثغراته التنفيذية، وتفعيل آليات رقابية تحمي العاملين من التعسف، وتضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار من جهة، وحماية حقوق العمال من جهة أخرى، فإما أن يكون خطوة نحو بيئة عمل أكثر عدالة وأمانًا، أو مجرد إطار قانوني جديد يرسخ واقعًا قديمًا من التفاوت وعدم الاستقرار.