قانون

قانون "الجرائم الإلكترونية" وفظائع الاختفاء القسري في الإمارات

ازدادت معدلات الاختفاء القسري في الإمارات بدرجة مفزعة (EMASC)

نشر موقع شبكة "ذا ريل نيوز" حوارًا مع مسؤول صحفي في الحملة الدولية من أجل الحريات في الإمارات، أوضح خلاله كيف تُمعن السلطات الإماراتية في انتهاكاتها الحقوقية استنادًا إلى قانون غامض، يُخالف في مضمونه القوانين الدولية. في السطور التالية، نقلنا لكم الحوار مترجمًا بتصرف.


يختفي الناس في الإمارات العربية المتحدة بمُعدلاتٍ مُفزعة. ولا يحدث هذا عبر وسائل خيال علمي، بل عبر شخص يتحرك بمُوافقة الدولة والسُلطات، حيث يُختطف الأشخاص من الشارع أو من منازلهم، ثم يُنكر المسؤولون معرفتهم عنهم أو يرفضون الإفصاح. ويُعد هذا جريمة في ضوء القانون الدولي.

تشهد الإمارات ارتفاعًا مُفزعًا في معدلات اختفاء الأشخاص، وسط إنكار حكومي، وهو أمر يعد جريمة دولية

وتحدث جميع هذه الحوادث اقترانًا بالزيادة المُزعجة في الملاحقات القضائية للأفراد في ضوء قانون الجرائم الإلكترونية، بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد استنتجت إحدى التقارير التي نشرها مركز الإمارات للدراسات والإعلام، أن هناك 300 ملاحقة قضائية على الأقل، في 2016، لما يُسمّى بـ"الجرائم الإلكترونية" في الإمارات.

اقرأ/ي أيضًاكيف تستقدم حكومة أبوظبي من يتجسس على مواطنيها؟

ولمناقشة هذه البيئة التي تمارس قمعًا متزايدًا في العالم الحقيقي، عبر الأنشطة الإلكترونية، نحاور جو أوديل، وهو مسؤول صحفي في الحملة الدولية من أجل الحريات في الإمارات.

حسنًا جو، دعنا نبدأ معك بتعريف قانون الجرائم الإلكترونية، الذي يُستخدم لمقاضاة الأشخاص في الإمارات، بسبب ما يمكن اعتباره حرية التعبير.

جو أوديل: سنَّت السلطات الإماراتية هذا القانون عام 2012، وادَّعت أنه وُضع لاحترام الخصوصية والمكافحة من أجلها، ولكي يحمي الأشخاص ضد هجمات القرصنة وما إلى ذلك. ولكن عندما تنظرين إلى القرار، ستجدين أن الصياغة الغامضة لبنوده تُقدِم بالضرورة، وعلى أساس قانوني إذا أردنا، قيودًا شديدة على حُرية التعبير والتجمع، وهي في الأساس قمعٌ لأي حراك سياسي وانتقادات للحكومة، وهو ما شهدناه بمعدلات مفزعة منذ سنّ القانون في عام 2012.

حسبما فهمت، يُستهدَف الأشخاص بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي التي من الممكن أن يكونوا نشروها خارج الإمارات. هل هذا صحيح؟

جو أوديل: أجل، وهناك بعض الحالات التي حدث فيها ذلك. في بدايات 2014، نشر الصحفي الأردني،  تيسير النجارسلسلةً من المنشورات التي ينتقد فيها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وانتقد فيها عديدًا من القادة العرب، بما فيهم النظام الإماراتي، لأنهم لم يفعلوا ما فيه الكفاية لدعم الفلسطينيين

وقد نشر هذا المنشور عندما كان في الأردن عام 2014. وعندما انتقل في عام 2015 إلى الإمارات ليعمل مُراسلًا صحفيًا هناك، اعتقلته السلطات. واختفى لأكثر من عام، ثم واجه اتهامات في النهاية بسبب هذه المنشورات التي نشرها على فيسبوك، وحُكم عليه في آذار/مارس بالسجن لمدة ثلاثة أعوام.

وكيف يسمح لهم القانون أن يفعلوا ذلك، وهو شيءٌ حدث في الواقع خارج الإمارات؟

جو أوديل: يتعلق هذا بالغُموض الذي يكتنف القانون نفسه، فهو ليس قانونًا واضحًا، فهو لا ينُص حقًا على أن هذه المنشورات يجب أن يكون الشخص نشرها في الإمارات. بل يمكن أن تُنشر خارج الإمارات. ويوجد مثال على ذلك مع مواطن أمريكي كان يعمل في شركةٍ إماراتية، يُدعى ريان باتي، كتب في 2015 منشورًا على فيسبوك حول شكواه ضد الشركة. ثم عاد إلى الإمارات ليواصل عمله معهم، واعتُقل بسبب منشورٍ كتبه عندما كان في فلوريدا. لذا، مثلما قُلت، يحيط هذا القانون كثيرًا من الغموض، وهو ليس واضحًا. وهو ما يؤدي بكُل وُضوح إلى حدوث إجراءات خارج إطار القضاء ذات علاقة بهذا القانون.

ما هي بعض الموضوعات التي قد يتحدث عنها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وتبدو مُعادية للدولة؟

جو أوديل: أعتقد بكل وضوح أنها المواضيع العامة. هذا ما يستهدفه القانون في الأساس، وهو جُزءٌ من حملةٍ تتم على نطاقٍ أكبر في الإمارات. أعني أنها لا ينبغي أن يتم استيعابها بمنأى عن هذه الحملة. فمنذ انطلاق ثورات الربيع العربي في 2011، صار قمع الدولة في الإمارات أكثر قسوة

تعرف الإمارات عديدًا من حالات الإخفاء القسري لأشخاص غير إماراتيين تعرضوا لسياساتها على مواقع التواصل الاجتماعي خارج الإمارات!

وقد حدث ذلك مع مجموعة من النشطاء الذين أطلقوا عريضة طالبوا فيها بإصلاحات ديمقراطية. كانت النتيجة أن جميع الأشخاص البالغ عددهم 64 شخصًا سُجنوا. ثم وُضِع هذا القانون بعد ذلك. إنه مُصمَّم في الأساس لإسكات أي انتقادات للدولة، وإسكات أي عمل للنُشطاء الحقوقيين

اقرأ/ي أيضًاالإماراتي أحمد منصور.. رصد التجسس وكشف التطبيع

ويوجد حاليًا الناشط المعروف، أحمد منصورالذي فاز بجائزة مارتن إينال للمدافعين عن حقوق الإنسان، التي تُعتبر جائزة نوبل لنشطاء حقوق الإنسان. اعتُقل منصور أو اختفى مطلع العام الحالي بسبب منشورات له على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو الأمر مُثيرًا للسخرية؛ لأن منصور كان يُنظم حملة في الإمارات عن القيود على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الآن اختفى قسريًا نتيجةً لنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي.

صحيح. لذا من الواضح يا جو أنك تعمل على هذه القضية، فما هي بعض من الحالات الأُخرى التي تعمل عليها وتتعلق بالاختفاء القسري واستخدام قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات؟

جو أوديل: توجد حالات أخرى، أعني أنه كان هناك العديد من الحالات التي حدث فيها هذا. ففي بداية العالم الحالي، حُكِم على الأكاديمي الإماراتي البارز  ناصر بن غيثبالسجن لعشر سنوات، بسبب تغريداته على موقع تويتر، والتي انتقد خلالها الحكومة الإماراتية. 

وكان ناصر بن غيث قد اختفى قسريًا حوالي ثمانية أشهر، وهي الفترة التي قال إنه تعرض للتعذيب خلالها. وبعد ذلك، أطلقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حملة دولية تُطالب بإطلاق سراحه العاجل وغير المشروط. كما بدأ المعتقل الإماراتي إضرابًا عن الطعام.

لذا توجد كثير من الأمثلة على هذا، ولكن من المهم استيعابها ضِمن سياق أوسع من القمع في الإمارات، وأعتقد أنه من المهم استيعابها ضمن النطاق الأوسع للشرق الأوسط، وارتباط ذلك بتصدير السلاح إلى الشرق الأوسط

لدينا إذًا الثورات العربية في عام 2011، وقد أطلق كثيرون على هذه الثورات (ثورة الفيسبوك). كانت مواقع التواصل الاجتماعي ذات تأثير جوهري في الطريقة التي نظّم الناس بها أنفسهم، وقد خرج الناس بعد ذلك إلى الشوارع مُطالبين بتحرُكاتٍ مُؤيدة للديمقراطية، ومن ثم استوعبت الأنظمة سريعًا، بما فيها الإمارات، الحقيقة التي تفيد بأنهم في حاجة إلى السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ما الذي يمكنك أن تُخبرنا به حول دور الحكومات الأجنبية، والشركات التي تتعاون من أجل القمع المنتشر في الإمارات؟

جو أوديل: جاء تحقيق "بي بي سي" ليرفع الستار عن أنظمة "بي أيه إي"، وهي شركةٌ بريطانية متخصصة في صناعة الأسلحة، حيث تُصدر السلاح والتكنولوچيا العسكرية وتكنولوجيا الأمن السيبراني إلى الإمارات العربية المتحدة. تُساعد هذه التكنولوجيا في الأساس السلطات الإماراتية، وتجري استطلاعات على السكان وتراقبهم. كما أنها تُشفر الاتصالات الهاتفية، ولديها أيضًا برنامج تتبُع الصوت.

لذا فإن الشركات البريطانية، مثلها مثل الإمارات وإسرائيل، مُتورطة أيضًا في تصدير برامج المراقبة والرصد والتتبع إلى الإمارات. وانتشرت رواية في العام الماضي تقول، إن أحمد منصور، ناشط حقوق الإنسان الذي ذكرته من قبل، واجه مُحاولة للقرصنة على هاتفه من قبلكانت المحاولة عبارة عن رسالة نصية. وقد وعدته هذه الرسالة أن تعطيه معلومات حول أحوال السجناء في الإمارات

ولمّا كان قد تعرض لهجمات سيبرانية من قبل، كان مُرتابًا جدًا. لذلك أعطى هاتفه إلى مُنظمة تسمى "سيتيزن لاب" ومقرها تورنتو، لتجري المنظمة تتبُعًا للرسالة، لتكتشف أنه قد كانت هناك محاولة لاختراق الهاتف. وأفاد التتبُع أن المحاولة تعود لشركة إسرائيلية تُسمّى "إن أو إس غروب"، ويُقال إن الإمارات دفعت مليون جنيه إسترليني إلى الشركة الإسرائيلية لتحصل على هذا التطبيق. إذن هناك سوق حقيقي على مستوى وكلاء الأمن السيبراني، إذا أردنا قول ذلك، والتي تُساعد على هذا القمع.    

ما الذي يمكن للناس أن يفعلوه إن أرادوا دعم الأشخاص المستهدفين، أو ما الذي يستطيع الأشخاص الذين يعتقدون أنهم مُستهدفون أن يفعلوه إذا انتابتهم الريبة بشأن العبث بهواتفهم أو رسائلهم؟

جو أوديل: نتيجةً لأن دولة الإمارات تبدو ذات طبيعة قمعية تُطبق المُراقبة والرصد، فمن الصعب إن كُنت في الإمارات أن تتصدى لهذه الهجمات التي تُنفذها الحكومة، أعني أن ما فعله أحمد منصور كان شيئًا عظيمًا في ما يتعلق بالكشف عن طبيعة هذه الهجمات وفضحها، وهو ما قاد آبل في الحقيقة إلى تحديث البرامج لتجنُب الأخطاء الموجودة في الهاتف، والتي تسببت في هذه الهجمات.

فما يُمكنهم أن يفعلوه إذً، هو أن يتبعوا المبادرة التي قادها أحمد منصور، وأن يبقوا على اتصال بمجموعات مثل "سيتيزن لاب". وما يمكن أن يفعله الناس في المملكة المتحدة وفي الولايات المتحدة هو أن يمارسوا ضغطًا على حكوماتهم، كي يُوقفوا بيع مثل هذه الأنواع من البرامج، وألا يسمحوا للشركات البريطانية والأمريكية أن تُصدِّر هذه التطبيقات إلى الأنظمة في بلاد العالم التي تُمارِس انتهاكًا روتينيًا لحقوق الإنسان

تشترك حكومات دول كبرى كبريطانيا وأمريكا في انتهاكات السلطات الإماراتية، بسبب تزويدها إياها ببرامج المراقبة والتجسس

لذا من المهم للغاية أن نُدرك، أن الحكومة البريطانية مُتواطِئة في انتهاكات حقوق الإنسان، فهي تسمح بتصدير هذا النوع من برامج الأمن السيبراني إلى الإمارات. ويعود الأمر لشعوب الغرب إذا رغبت في ممارسة الضغوطات على حكوماتهم كي تُوقف هذه الأنواع من الصادرات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليست مجرد ناطحات سحاب لامعة.. إنها إمارات الظلام

العبودية الحديثة.. تجدد الدماء في عروق أسواق النخاسة الإماراتية