قانون الجرائم الإلكترونية المصري.. القمع أولًا!

قانون الجرائم الإلكترونية المصري.. القمع أولًا!

تتذرع السلطات المصرية بسردية الأمن أولًا لقمع المعارضين (نيويورك تايمز)

الترا صوت - فريق التحرير

تخيل أنك أنشأت على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، وليكن فيسبوك مثلًا حسابًا للملك فاروق أو أي شخصية عامة أخرى، بأي غرض سواء أكان جادًا أو ساخرًا، فإنه ووفقًا لقانون جرائم الإنترنت المصري، الذي يحظر أي "إساءة" للرموز العامة، من المفترض أن تنتظرك عقوبة تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر و/أو غرامة بين 10 إلى 30 ألف جنيه،  بناءً على ما أشارت إليه المادة 24 من القانون، والتي تشمل كل من "اصطنع بريدًا إلكترونيًا أو موقعًا أو حسابًا خاصًا ونسبه زورًا لشخص طبيعي أو اعتباري. وفي حالة إساءة هذا الحساب للشخصية التي ينتحلها، ترتفع العقوبة لتصبح الحبس سنة على اﻷقل و/أو غرامة بين 50 إلى 200 ألف جنيه".

احتوى قانون الجرائم الإلكترونية في مصر 45 مادة، منها موادٌ لها تأثير مباشر على المستخدمين، وعقوبات جسيمة مرتبطة بأعمال عادية يقومون بها في مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل يومي وطبيعي

يشمل قانون جرائم الإنترنت المصري الذي قام البرلمان المصري بالموافقة عليه في حزيران/ يونيو الماضي 45 مادة، وهو قانون مُقدم من قِبل الحكومة المصرية، قامت بالعمل عليه لمدة ثلاث سنوات حسبما جاء في تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير.

مواد القانون.. اللامعقول مقوننًا!

احتوى قانون جرائم الإنترنت المصري المثير للجدل 45 مادة، منها موادٌ لها تأثير مباشر على المستخدمين، وعقوبات جسيمة مرتبطة بأعمال عادية يقومون بها في مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل يومي وطبيعي.

اقرأ/ي أيضًا: قانون "حماية القيم من العيب" في مصر.. قمع متزايد وحريات ضائعة

في المادة 25 من قانون جرائم الإنترنت المصري على سبيل المثال فإنك إن قمت بنشر مقطع مصور على يوتيوب مثلًا أو صور أو نصوص على مواقع إلكترونية أو حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، ينتهك خصوصية آخرين دون أخذ موافقتهم، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة، أو كانت تخص شخصية عامة وتخدم الصالح العام، ستُعاقب بالحبس لمدة ستة أشهر على اﻷقل، و/أو غرامة بين 50 إلى 100 ألف جنيه، بغض النظر إن كانت هذه المعلومة تخدم الصالح العام، أو تتضمن انتقادات مناهضة للفساد.

أما في حال نشرك لمحتوى فسرته هذه الجهات "وزارة الاتصالات، ووزارة الداخلية"، وفقًا لرؤيتها الخاصة على أنه محتوى مُخل بالمبادئ والقيم اﻷسرية في المجتمع المصري، وهو تعريف فضفاض لا تُعرف ماهيته ولا تفاصيله، فإن المادة 25 من قانون جرائم الإنترنت المصري تعرضك للحبس ستة أشهر بخلاف غرامة ما بين 50 ألف إلى 100 ألف جنيه مصري أيضًا.

في حال استخدام خدمات الـVPN أيضًا، وهي البرامج التي تقوم على إلغاء حجب أو تشفير المواقع، وتُستخدم أيضًا من أجل خدمات الأمان الرقمي، فإنك ستتعرض لعقوبة تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة بين 300 إلى 500 ألف جنيه، وفقًا للمادة 22 من قانون جرائم الإنترنت المصري التي تشمل "كل مَن حاز أو أحرز أو جلب أو باع أو أتاح أو صنع أو أنتج أو استورد أو صدر أو تداول أي جهاز أو معدات أو برامج أو أكواد مرور أو شفرات أو أي بيانات مماثلة، بدون تصريح من الجهاز (القومي للاتصالات) أو مسوغ من الواقع أو القانون، وثبت أن ذلك السلوك كان بغرض استخدام أي منها في ارتكاب أية جريمة من المنصوص عليها في هذا القانون أو إخفاء أثرها أو أدلتها أو ثبت ذلك الاستخدام أو التسهيل أو الإخفاء".

وإذا اتفقت أنت وجار لك على استخدام شبكة إنترنت لاسلكي واحدة متفقين على حق الانتفاع باقتسام مبلغ الاشتراك بينكما، أو أنك سطوت على شبكة الإنترنت الخاصة بجارك، فإنك تُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 شهور وبغرامة تتراوح بين  10 إلى 50 ألف جنيه طبقًا للمادة 13.

بينما تختص المادة 29 من  قانون جرائم الإنترنت المصري بمقدمي الخدمة، ووفقًا للقانون فإذا كنت محررًا إلكترونيًا في موقع أو أنك أحد موفري خدمة استضافة المواقع الإلكترونية، فإنك في نظر القانون "مديرموقع"، فمدير الموقع هو كل شخص "مسؤول عن تنظيم أو إدارة أو متابعة أو الحفاظ على موقع أو أكثر على الشبكة المعلوماتية، بما فيها حقوق الوصول لمختلف المستخدمين على ذلك الموقع أو تصميمه، أو توليد وتنظيم صفحاته أو محتواه أو المسؤول عنه"، وبالتالي قد تتعرض للعقوبة إن نشرت محتوى، سواء مقالًا أو تعليقًا، يندرج تحت الجرائم التي يجرمها  قانون الجرائم الإلكترونية المصري، مثل صورة لشخصية عامة دون الحصول على موافقتها، أو محتوى فني "غير ملائم للأسرة" حسب تعريف السلطات، أو مقال صحفي عن فساد شخصية عامة، بينما يمكن اعتبار ذلك "مساسًا بالأمن القومي".

من الانتقادات الهامة التي وُجهت لقانون جرائم الإنترنت المصري، أنه يحدِّد أسباب حجب مواقع الوِيب بمصطلحات فضفاضة وغير منضبطة في تعريفها، مثل تهديد الأمن القومي

انتقادات للقانون المثير للجدل

انتقدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير قانون جرائم الإنترنت المصري واعتبرت أنه "يُقنن الرقابة على الإنترنت في مصر كما أنه يُمكِّن السلطة التنفيذية من حجب مواقع الوِيب، وهي الممارسة التي بدأت السلطات المصرية بتطبيقهامنذ  24 أيار/ مايو2017 حتى الآن، دون سند قانوني مُعلن، حتى وصل عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 500 موقع، حيث تمنح المادة (7) من قانون جرائم الإنترنت المصري، جهات التحقيق صلاحية إصدار قرار بحجب مواقع الوِيب، بل إن الجدير بالذكر أنها تعطي حق الضبطية القضائية لكل من موظفي جهاز الاتصالات في الدولة بخلاف موظفي وزارة الداخلية، أو الجهاز القضائي. فبناء على تفويض من جهة التحقيق المختصة  يحق لهم، ضبط أو سحب أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات وتتبعها في أي مكان، أو نظام، أو برنامج، أو أجهزة حاسب تكون موجودة فيه، على أن تسلم أدلتها الرقمية للجهة التابع لها الموظف". و ذلك وفقا للمادة 6 من قانون جرائم الإنترنت المصري.

اقرأ/ي أيضًا: في ناصرية وساداتية السيسي

ومن الانتقادات الهامة التي وُجهت لقانون جرائم الإنترنت المصري، أنه يحدِّد أسباب حجب مواقع الوِيب بمصطلحات فضفاضة وغير منضبطة في تعريفها، مثل تهديد الأمن القومي، والذي يُعرفه القانون على أنه كل ما يتصل باستقلال واستقرار وأمن الوطن ووحدته وسلامة أراضيه، وما يتعلق بشؤون رئاسة الجمهورية ومجلس الدفاع ومجلس الأمن القومي، والقوات المسلحة والإنتاج الحربي، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، والأجهزة التابعة لتلك الجهات، حسبما أوردت المؤسسة، وهي تعريفات غير واضحة أقرب للغموض منها إلى الدقة. ويُذكر أن هذا الاتساع في التعريف جرى استخدامه في قانون التظاهر وفي القانون الذي تم وضعه لمنظمات المجتمع المدني، حيث تقوم هذه الجهات بتأويل كل رأي يخالفها على أنه ضد "الأمن القومي و يهدد استقرار البلاد".

أما المثير للاهتمام أكثر، فهو أن المادة الثانية من قانون جرائم الإنترنت المصري تُلزم شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء، لمدة 180 يومًا. وتشمل هذه البيانات تلك التي تُمكّن من التعرف على المستخدم، والبيانات المتعلقة بمحتوى ومضمون النظام المعلوماتي، والمتعلقة بحركة الاستخدام والمتعلقة بالأجهزة المُستخدمة. وذلك يعني أن مقدمي خدمات الاتصالات سيكون بحوزتهم بيانات توضّح كل الممارسات التي يقوم بها المستخدم بما في ذلك المكالمات الهاتفية، والرسائل النصية، وكل البيانات المتعلقة بهما، والمواقع التي يزورها المستخدمون، والتطبيقات المُستخدمة على الهواتف الذكية والحواسيب.

يشرع قانون جرائم الإنترنت المصري في النهاية الحق في انتهاك خصوصية المواطنين سواء في التعبير عن الرأي أو في حرية تبادل المعلومات أو الطريقة التي يفضلون بها الحصول على الإنترنت، أو الحق في التصوير أو انتقاد شخصيات عامة وغير ذلك، وهو ما يبرز في طياته الفزع الذي تعانيه هذه المؤسسات من الشباب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي رغم حبس عشرات الصحفيين والمعارضين، والشباب العاديين ممن جاء حظهم العاثر في طريقهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الفاجر القادر".. الرئيس الذي يحكم بفحولته!

تعديل قانون هيئة الرقابة الإدارية.. كل شيء خاضعٌ للسيسي