قانون الأحوال الشخصية في مصر: قرن من التعديلات وأسئلة بلا إجابات
24 يناير 2026
منذ أكثر من ثمانية أعوام، لم يعرف منزل هيثم صوت خطوات ابنته البالغة من العمر 12 عامًا، ولم تمكث بين جدرانه ليلة واحدة، ثمان سنوات من الغياب القسري، اختزلها الرجل الخمسيني في كلمات ثقيلة، خرجت محمّلة بالوجع والحرمان، وهو يروي معاناته مع قانون الأحوال الشخصية؛ ذلك القانون الذي يراه كثير من الآباء سيفًا مسلطًا على قلوبهم، حرمهم دفء الأبوة وحوّل اللقاء بأبنائهم إلى حلم مؤجل.
ومع انطلاق الدورة الجديدة لمجلس النواب (البرلمان) بتشكيلته الراهنة، عادت الآمال لتنبض من جديد في صدور هؤلاء الآباء، آمالٌ معلّقة على تعديل قانون تجاوز عمره المائة عام، لم يعد – بحسب مطالب حقوقية متزايدة – قادرًا على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي أعادت تشكيل مفهوم الأسرة وأدوارها.
بين رجاءٍ بأن تنجح هذه الدورة البرلمانية في حسم ملف طال انتظاره، وإخراج قانون أكثر عدلًا إلى النور، وبين مخاوف من أن يُطوى مرة أخرى في أدراج التأجيل، يقف ملايين المتضررين من القانون الحالي على عتبة الانتظار، ينتظرون حكمًا جديدًا يخفف عنهم سنوات القسوة، أو قرارًا آخر يترك جراحهم مفتوحة، ويُبقي المعاناة على ما هي عليه، بلا نهاية واضحة.
مطالب حقوقية متصاعدة
في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر الماضي، أطلقت مؤسسة "قضايا المرأة المصرية"، وهي منظمة حقوقية مستقلة، حملةً حقوقية عبر صفحتها الرسمية على موقع "فيس بوك" تحت عنوان "افتحوا أبواب العدالة"، دقّت من خلالها ناقوس الخطر بشأن حالة الجمود التشريعي التي تُخيّم على ملف قانون الأحوال الشخصية.
وأكدت المؤسسة أن الإطار القانوني القائم أخفق في أداء وظيفته الأساسية المتمثلة في حماية الأسرة، إذ بات – وفق توصيفها – يُدير الصراعات أكثر مما يحسمها، ويُطيل أمد النزاعات بدلًا من احتوائها، مشددة على أن التشريع الحالي لا يوفر ضمانات حقيقية لصون حقوق الأطفال، بل يتركهم أسرى لمنازعات قضائية ممتدة، تُرهقهم نفسيًا واجتماعيًا، في وقت يُكرّس فيه عدم المساواة ويُعيد إنتاج أشكال متعددة من العنف، سواء داخل نطاق الأسرة أو في أروقة المحاكم.
وفي بيانها الختامي الخاص بالحملة الإعلامية، كشفت المؤسسة عن وجود حالة تلكؤ واضحة في تمرير التعديلات المرتقبة على قانون الأحوال الشخصية، رغم اكتمال إعداد مشروع القانون الجديد.
أطلقت مؤسسة "قضايا المرأة المصرية" حملة "افتحوا أبواب العدالة" على فيسبوك، للتحذير من الجمود التشريعي في قانون الأحوال الشخصية
وأشارت إلى أنه في كانون الثاني/يناير 2025، أعلن المستشار عبد الرحمن محمد، رئيس لجنة إعداد مشروع القانون، الانتهاء من صياغة مواده بعد ثلاث سنوات كاملة من العمل، حيث جرى تقسيم المشروع إلى ثلاثة محاور رئيسية: الولاية على النفس، والولاية على المال، والإجراءات المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية.
وبرغم جاهزية المشروع من الناحية الفنية والتشريعية، أوضحت المؤسسة أنه لم يُعرض على البرلمان الذي انتهت مدته الدستورية، ولم يُدرج ضمن أولويات الأجندة التشريعية لإنهاء إجراءاته، لينتهي به الأمر مُرحّلًا إلى البرلمان المقبل، في مشهد يعكس – بحسب البيان – فجوة واضحة بين الوعود التشريعية والواقع العملي، ويُبقي ملايين الأسر رهينة قانون تجاوزته تحولات المجتمع ومتطلباته المعاصرة.
قرن من المحاولات غير المكتملة
على امتداد قرن كامل، شهدت منظومة الأحوال الشخصية في مصر سلسلة من القوانين والتدخلات التشريعية الجزئية، استهدفت معالجة ما أصاب البنيان القانوني المنظّم لشؤون الأسرة من اختلالات، غير أن هذه المحاولات، رغم تعددها، لم تبلغ حدّ المعالجة الشاملة، إذ لا تزال المنظومة تعاني ثغرات بنيوية جوهرية، يُعوّل على مشروع القانون الجديد في سدّها وإعادة التوازن إليها.
وتعود الجذور التشريعية الأولى لهذا الملف إلى صدور القانون رقم 25 لسنة 1920، الذي مثّل باكورة الجهود الهادفة إلى تقنين مسائل الأحوال الشخصية، من خلال وضع قواعد حاكمة للزواج والنفقة والحضانة، ليشكّل الإطار المرجعي الأساسي الذي بُنيت عليه التشريعات اللاحقة.
وتوالت بعد ذلك التعديلات والتشريعات المكملة، من بينها القانون رقم 25 لسنة 1929، الذي وسّع نطاق الأحكام المتعلقة بالطلاق والنفقة، ثم القانون رقم 77 لسنة 1943، الذي عالج مسائل المواريث وبعض الحقوق الأسرية المرتبطة بها، وصولًا إلى القانون رقم 119 لسنة 1952، الذي تولّى تنظيم أحكام الولاية على المال، بوصفها أحد المحاور الجوهرية في حماية حقوق القُصّر.
كما صدر القانون رقم 100 لسنة 1985، متضمنًا تعديلات على بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، في محاولة لإدخال قدر من التوازن على العلاقة القانونية بين أطراف الأسرة.
وقد جاءت هذه التطورات التشريعية متوازية مع التحولات الدستورية التي شهدتها الدولة المصرية، بدءًا من دستور عام 1971، وانتهاءً بدستور 2014 المعدّل في عام 2019، والذي رسّخ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وأكد التزام الدولة بحماية الأسرة بوصفها نواة المجتمع.
حلقة مفرغة من الإرجاء
مرّ مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، المزمع طرحه للنقاش خلال الدورة البرلمانية الحالية، بعدد من المراحل والإجراءات المتتابعة، وصولًا إلى وضعه الراهن، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: تشكيل اللجنة المختصة
في حزيران/يونيو 2022، أصدر المستشار عمر مروان، وزير العدل، قرارًا وزاريًا بتشكيل لجنة قضائية قانونية متخصصة في شؤون وقضايا محاكم الأسرة، عهد إليها إعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.
ثانيًا: مدّ مدة إعداد المشروع
كان من المقرر أن تنتهي اللجنة من إعداد مسودة التعديلات المقترحة بحلول الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2022، غير أن المهلة المحددة جرى تمديدها، واستمر العمل التشريعي إلى أن تم الانتهاء من صياغة المشروع كاملًا في وقت لاحق.
ثالثًا: الانتهاء من الصياغة الأولية ومضمون المشروع
في كانون الثاني/يناير 2025، أعلن رئيس اللجنة الانتهاء من صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، والذي يضم (355) مادة، موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية، بواقع::(175) مادة تنظم الولاية على النفس، (89) مادة تتعلق بالولاية على المال،(91) مادة خاصة بالإجراءات وآليات التنفيذ.
كما يتضمن المشروع (60) مادة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، تقتصر على المسائل الإجرائية والتنظيمية، مثل الرؤية والاستزارة والنفقة، دون المساس بالأحكام الشرعية الخاصة بكل ديانة، وذلك وفقًا لما أعلنه رئيس اللجنة. ويشمل المشروع كذلك تعديل نماذج عقود الزواج للمسلمين والمسيحيين على السواء. وقد أُحيل مشروع القانون عقب ذلك إلى وزارة العدل.
رابعًا: المراجعة النهائية والإجراءات المكملة
وفي العشرين من آذار/مارس 2025، أعلن وزير العدل، خلال احتفالية المرأة المصرية، تسلّم الوزارة لكافة التعديلات والمقترحات المتعلقة بالمشروع، موضحًا أنه جارٍ إعادة ضبط النصوص وصياغتها القانونية النهائية. كما أشار إلى العمل على إعداد مشروع قانون مستقل بإنشاء صندوق رعاية الأسرة المصرية، يتكون من (13) مادة، في إطار استكمال البنية التشريعية الداعمة للأسرة.
التعديلات المطلوبة في القانون الجديد
استعرضت مؤسسة الإنسان والمدينة للأبحاث الاجتماعية (حقوقية مستقلة) في ورقة بحثية بعنوان "معضلات قانون الأحوال الشخصية في مصر"، أبرز ملامح التعديلات الواردة بمشروع القانون الجديد، ولا سيما ما يتعلق بالحضانة والنفقة والوصاية والولاية، وتنظيم الرؤية والاستزارة، والطلاق الشفهي، والزواج والتعدد، فضلًا عن إعداد مسودة مستقلة لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.
وأشارت الورقة إلى أن هذه التعديلات تمس جوهر العلاقة القانونية داخل الأسرة، لما لها من أثر مباشر على حقوق النساء والأطفال واستقرار البنيان الأسري.
وفيما يخص الحضانة والنفقة، نص المشروع على تثبيت سن الحضانة عند 15 عامًا للذكور والإناث، مع تقديم الأب في الترتيب مباشرة بعد الأم، بدلًا من ترتيبه المتأخر في القانون الساري، كما تناولت الورقة الإشكاليات العملية المتعلقة بالنفقة، حيث يظل عبء إثبات دخل الزوج عائقًا رئيسيًا أمام حصول النساء على حقوقهن المالية، في ظل انتشار العمل غير الرسمي، بما يستدعي – وفق التوصيات – تبني آليات قانونية أكثر فاعلية وسرعة لضمان النفقة.
أما على صعيد الوصاية، فقد منح المشروع الأم صفة الوصي الأول على أموال الأبناء القُصّر في حال وفاة الأب، بينما لم تتضح بعد تعديلات جوهرية بشأن الولاية التعليمية والسفر أو قواعد إثبات النسب.
على امتداد قرن كامل، شهدت منظومة الأحوال الشخصية في مصر سلسلة من القوانين والتدخلات التشريعية الجزئية، استهدفت معالجة ما أصاب البنيان القانوني المنظّم لشؤون الأسرة من اختلالات
وفي محور الرؤية والاستزارة، استبدل المشروع مصطلح "الاستضافة" بـ"الاستزارة"، مع تحديد مدد زمنية واضحة وتنظيم أماكن وآليات التنفيذ، بما في ذلك إتاحة الرؤية الإلكترونية، وربط الالتزام بها بالإنفاق.
كما شددت التعديلات على ضبط آثار الطلاق الشفهي، بحيث لا يُعتد به قانونًا إلا من تاريخ إخطار الزوجة رسميًا، مع توقيع جزاءات على عدم التوثيق.
وفيما يتعلق بالزواج والتعدد وقوانين المسيحيين، أشارت الورقة إلى استمرار غياب تفاصيل واضحة بشأن تقييد التعدد وضمان حقوق الزوجات، فضلًا عن تعقيد الإطار القانوني المنظم للأحوال الشخصية للمسيحيين، وما يترتب عليه من تمييز وتضارب تشريعي، بما يبرز الحاجة إلى قانون موحد أكثر اتساقًا مع الدستور ومبادئ المساواة والعدالة.
تحديات قائمة
رغم أن المقترحات المتداولة بشأن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد تضمنت تعديلات تمس الولاية على النفس والمال، والطلاق، والرؤية، والنفقة، وأوضاع المسيحيين، فإنها أغفلت تناول قضايا جوهرية تمس الأمن الإنساني للأسرة، وفي مقدمتها الحق في المسكن الآمن للنساء والأطفال، والتصدي التشريعي الصريح للعنف الأسري.
ويأتي ذلك في ظل فراغ قانوني قائم منذ إلغاء المحكمة الدستورية العليا النص الملزم للزوج بتوفير مسكن للمطلقة الحاضنة، بما ترتب عليه اقتصار حقها على أجر مسكن فقط، مع صعوبات عملية في تنفيذ أحكام التمكين، فضلًا عن غياب أي اعتراف قانوني بمساهمة الزوجة في تكوين مسكن الزوجية أو تنمية ثروة الأسرة، رغم الدعوات الفقهية والدينية لإعمال مبدأ "الكد والسعاية" كحق مستقل عن النفقة والميراث.
وهكذا يقف الملايين، رجالًا ونساءً، على عتبة الانتظار، يحدّقون في قبة البرلمان كما لو كانت آخر أبواب الخلاص، قلوب معلّقة بجلسات قد تُعيد إليهم بعض ما سُلب من استقرار وعدالة، أو تُمعن في إطالة زمن الوجع.
فهل تحمل هذه الدورة البرلمانية نهاية لمعاناة امتدت لسنوات، أم تفتح فصلًا جديدًا من التأجيل، يُضاف إلى سجل طويل من الانتظار؟







