قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: حين يتحول التشريع إلى أداة حرب
31 مارس 2026
صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلية بالقراءتين الثانية والثالثة على البنود الأساسية لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 صوتًا مقابل 47، وبدعم مباشر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. لا يقتصر هذا التطور على كونه إجراءً تشريعيًا داخليًا، بل يعكس تحولًا في مقاربة إسرائيل للحرب على الفلسطينيين، عبر نقل أدوات المواجهة من الميدان إلى بنية قانونية.
قانون يولد من رحم اليمين المتطرف
يقف خلف هذا التشريع تيار اليمين القومي والديني المتطرف، الذي يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ويدفع باتجاه سياسات أكثر قسوة تجاه الفلسطينيين. هذا التيار لا يرى في العقوبات، وإن كانت قاسية مثل السجن المؤبد، وسيلة كافية للردع، بل يسعى إلى إعادة تعريف منظومة العقاب برمّتها، بما يجعل الإعدام خيارًا "طبيعيًا" ضمن أدوات "الدولة".
وقد طُرح القانون من قبل عضوة الكنيست ليمور سون هارميلخ عن حزب "الصهيونية الدينية" الذي يقوده بن غفير، وتم تمريره بسرعة لافتة بعد تجاوز أكثر من 2000 تحفّظ خلال مداولات لجنة الأمن القومي، في مؤشر واضح على وجود إرادة سياسية لتسريع إقراره رغم الجدل الواسع.
يقف خلف هذا التشريع تيار اليمين القومي والديني المتطرف، الذي يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ويدفع باتجاه سياسات أكثر قسوة تجاه الفلسطينيين
حظي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بدعم كامل من داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث صوّت لصالحه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالإضافة أفيغدور ليبرمان وأرييه درعي. في المقابل، عارض عدد من القادة الإسرائيليين عن معارضتهم، من بينهم يائير لابيد وبيني غانتس وموشيه غفني، كما عارضت الأحزاب العربية هذا القانون المثير للجدل.
نص قانوني يفتح باب الإعدام دون قيود
ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق أي فلسطيني يُدان بتنفيذ عملية أدت إلى مقتل إسرائيليين، مع إلغاء أي إمكانية للعفو أو تخفيف الحكم لاحقًا. كما يجعل العقوبة إلزامية، دون اشتراط إجماع القضاة، بل ويمنح المحكمة صلاحية إصدار حكم بالإعدام حتى في حال لم تطلب النيابة ذلك.
الأخطر من ذلك، أن تنفيذ الحكم يتم خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا، وبطريقة الشنق عبر مصلحة السجون، ما يحوّل الإعدام من إجراء استثنائي نادر إلى أداة عقابية سريعة ومباشرة.
ورغم ذلك، لا يُطبّق القانون بأثر رجعي على منفذي هجوم 7 أكتوبر، إذ يجري العمل على مسار تشريعي منفصل لإنشاء محكمة خاصة بهم، وهو ما يعكس توظيفًا سياسيًا مزدوجًا للأدوات القانونية.
نظام قانوني مزدوج قائم على الهوية
أخطر ما في القانون ليس فقط نصّه، بل بنيته، إذ يكرّس بشكل واضح نظامًا قانونيًا مزدوجًا: أحدهما للإسرائيليين، حيث تبقى عقوبة الإعدام شبه مستحيلة التطبيق، والآخر للفلسطينيين، حيث تصبح إلزامية وسريعة التنفيذ، من دون الحاجة إلى إجماع قضائي أو حتى طلب من النيابة.
هذا التمييز لا يُعد مجرد انتهاك لمبدأ المساواة أمام القانون، بل يعيد إنتاج بنية تشريعية قائمة على الهوية، يصبح فيها الانتماء القومي محددًا لمصير المتهم، لا طبيعة الجريمة. وقد دفعت هذه المقاربة جهات حقوقية إلى وصف القانون بأنه "تشريع للقتل المتعمد" قائم على أسس عنصرية.
إلى جانب ذلك، يثير تطبيق القانون على الفلسطينيين في الضفة الغربية إشكالية قانونية جوهرية، باعتبارها أراضي محتلة تخضع لسلطة القائد العسكري، لا للكنيست، ما يجعل التشريع نفسه موضع طعن قانوني.
تصادم مباشر مع القانون الدولي
يتعارض القانون بشكل واضح مع منظومة القانون الدولي، سواء من حيث تطبيقه على سكان تحت الاحتلال، أو من حيث تقويضه لضمانات المحاكمة العادلة، أو إلغائه لأي فرصة للعفو.
وفي هذا السياق، اعتبرت الدكتورة سهاد بشارة من مركز "عدالة" أن القانون يمثل "إضفاءً للشرعية على القتل المتعمّد بدم بارد"، مؤكدة أنه قائم على تمييز عرقي واضح، وينتهك مبدأ المساواة. كما أعلن المركز عزمه التوجه إلى المحكمة العليا للطعن في القانون.
وجاء في الالتماس أن التشريع "يُنشئ علاقة معكوسة بين خطورة العقوبة وسهولة فرضها"، ويؤسس لنظامين قانونيين منفصلين، لكل منهما معاييره، ما يعمّق الانتهاكات للحق في الحياة والإجراءات القانونية العادلة.
ضغوط وتحذيرات دولية متصاعدة
على الصعيد الدولي، أثار القانون ردود فعل حادة، خصوصًا من الاتحاد الأوروبي، الذي لوّح بإمكانية فرض عقوبات على إسرائيل، تشمل تعليق اتفاقيات الشراكة والتعاون، وربما حتى تعليق عضويتها في المجلس الأوروبي.
كما كشفت تقارير عن اتصالات مكثفة بين مسؤولين أوروبيين وإسرائيليين لمحاولة وقف تمرير القانون، وسط تحذيرات من أن إسرائيل "تنزلق نحو هاوية أخلاقية"، في ظل إنشاء نظامين قانونيين منفصلين لليهود والعرب.
هذه الضغوط تعكس إدراكًا أوروبيًا بأن القانون لا يهدد الفلسطينيين فقط، بل يضع إسرائيل نفسها في مواجهة مع التزاماتها الدولية ومع حلفائها التقليديين.
منطق القوة بدل القانون
في المحصلة، يتجاوز هذا القانون كونه أداة عقابية، ليصبح مؤشرًا على طبيعة إسرائيل. فحين يصبح الإعدام إجراءً قانونيًا سريعًا وموجّهًا لفئة بعينها، فإن ذلك يعكس انتقالًا من منطق القانون إلى منطق القوة والانتهاك.
هذا التحول لا يهدد الفلسطينيين فقط، بل يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام القانوني الإسرائيلي نفسه، وحدود التزامه بالمبادئ التي طالما قدّم نفسه على أساسها.
وبينما يمضي القانون نحو التنفيذ، تبقى تداعياته مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ بتصعيد ميداني وفرض أمر واقع جديد، وتمتد إلى تكريس مزيد من الانتهاكات بحق الفلسطينيين، عبر إضفاء غطاء قانوني على سياسات العقاب القصوى التي تمس الحق في الحياة وتعمّق مناخ الإفلات من المساءلة.