قال "لا" 15 مرة.. حارس كوراساو يكتب واحدة من أعظم قصص المونديال
21 يونيو 2026
دخل منتخب كوراساو تاريخ كأس العالم من أوسع أبوابه بعدما انتزع تعادلًا سلبيًا ثمينًا أمام الإكوادور ضمن الجولة الثانية من منافسات المجموعة الخامسة في مونديال 2026، في مباراة تحوّل فيها الحارس المخضرم إيلوي روم إلى بطل استثنائي، بعدما قدّم واحدة من أعظم العروض الفردية لحراس المرمى في تاريخ البطولة.
ولم يكن التعادل مجرد نقطة في جدول الترتيب، بل لحظة تاريخية لدولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 156 ألف نسمة، تخوض مشاركتها الأولى في كأس العالم. وبينما كانت الإكوادور تهاجم بلا توقف، وقف روم كالسد المنيع ليمنح بلاده أول نقطة مونديالية في تاريخها.
ليلة استثنائية للحارس المخضرم
احتاج روم إلى دقيقتين فقط ليعلن عن نفسه نجمًا للمباراة، عندما تصدى ببراعة لمحاولة خطيرة من المهاجم الإكوادوري إينر فالنسيا من مسافة قريبة، قبل أن يواصل تألقه طوال اللقاء. وأنهى الحارس البالغ من العمر 37 عامًا المباراة بـ15 تصديًا ناجحًا، وهو الرقم الأعلى في مباراة خلال 90 دقيقة بتاريخ كأس العالم، وثاني أعلى حصيلة إجمالية في تاريخ البطولة بعد الأميركي تيم هاورد الذي سجل 16 تصديًا أمام بلجيكا في مونديال 2014، لكن تلك المباراة امتدت إلى الوقت الإضافي.
بعد صافرة النهاية، قفز أحد الصحفيين القادمين من كوراساو داخل المنصة الإعلامية وهو يصرخ: "كوراساو حصلت على نقطة.. هذا تاريخ"
وتحولت المباراة إلى عرض فردي مذهل من روم، الذي تصدى لتسديدة قوية من جون ييبواه من خارج منطقة الجزاء في الدقيقة 41، ثم أنقذ مرماه من رأسية خطيرة لفالنسيا في الشوط الثاني، إلى جانب سلسلة أخرى من المحاولات التي أبقت شباكه نظيفة حتى صافرة النهاية.
أرقام تعكس الهيمنة الإكوادورية
ورغم النتيجة النهائية، فإن الإحصائيات كشفت حجم المعاناة التي عاشها منتخب كوراساو. فقد شهدت المباراة 18 تسديدة بين الخشبات الثلاث، وهو أكبر عدد من التسديدات على المرمى في مباراة بكأس العالم تنتهي بالتعادل السلبي منذ عام 1966.
وسجلت الإكوادور 15 تسديدة على المرمى، وهو أعلى رقم يحققه منتخب من أميركا الجنوبية في مباراة واحدة بالمونديال منذ بدء تسجيل هذه البيانات، كما بلغ معدل الأهداف المتوقعة للفريق 3.05 أهداف، وهو أعلى معدل لفريق يفشل في التسجيل خلال مباراة بكأس العالم. أما فالنسيا فكان الأكثر خطورة، إذ بلغ مجموع أهدافه المتوقعة 1.7 هدف، لكنه عجز عن هز الشباك أمام التألق الأسطوري لروم.
منتخب المخضرمين يحقق المعجزة
لم تكن الخبرة مجرد تفصيل جانبي في تشكيلة كوراساو، بل أحد أسرار الصمود التاريخي. فقد بدأ المنتخب المباراة بخمسة لاعبين أساسيين تبلغ أعمارهم 32 عامًا أو أكثر، ليصبح ثالث منتخب يحقق ذلك في كأس العالم 2026 بعد إيران التي أشركت ستة لاعبين من هذه الفئة العمرية والبرازيل التي دفعت بخمسة لاعبين. وكان روم أكبر لاعبي المنتخب سنًا، لكنه بدا الأكثر حيوية وتركيزًا، ليؤكد أن الخبرة يمكن أن تعوض فارق الإمكانات أمام منتخبات أكبر وأكثر قوة.
من نيميخن إلى المجد المونديالي
ولد إيلوي روم في مدينة نيميخن الهولندية عام 1989، وبدأ مسيرته الكروية في أكاديمية فيتيسه الهولندي قبل أن يصعد إلى الفريق الأول عام 2008. وعلى مدار مسيرته، تنقل بين عدة محطات مهمة، أبرزها فيتيسه وآيندهوفن وكولومبوس كرو الأميركي، قبل أن ينضم إلى ميامي إف سي في دوري الدرجة الثانية الأميركي. لكن طريقه لم يكن مفروشًا بالورود. فقد واجه فترات طويلة على مقاعد البدلاء، وخاض تجارب إعارة، وعانى من المنافسة الشرسة على مركزه، إلا أنه تمسك دائمًا بعقلية "عدم الاستسلام"، وهي العقلية التي قادته لاحقًا إلى أكبر ليلة في حياته الكروية.
لماذا اختار كوراساو؟
رغم ولادته ونشأته في هولندا، قرر روم تمثيل كوراساو التي ينحدر منها والده. وكشف الحارس في مقابلات سابقة أن حلمه منذ الطفولة كان قيادة كوراساو إلى كأس العالم، وهو الحلم الذي بدا مستحيلًا لسنوات طويلة قبل أن يتحقق أخيرًا في نسخة 2026. وكان المدرب الهولندي السابق باتريك كلويفرت قد تواصل معه عام 2015 لإقناعه بتمثيل المنتخب الكاريبي، ليبدأ منذ ذلك الحين رحلة طويلة انتهت بلحظة تاريخية في كانساس سيتي.
ملك كوراساو الجديد
الحضور الملكي الهولندي أضفى طابعًا خاصًا على المناسبة، إذ تابع المباراة الملك فيليم ألكسندر والملكة ماكسيما من المدرجات. لكن نجم الأمسية كان روم نفسه، الذي قال بعد المباراة إن أفراد العائلة المالكة احتفلوا مع اللاعبين داخل غرف الملابس، وإن الملكة قامت بتقبيله بعد الإنجاز التاريخي.
كما انعكس التألق على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قفز عدد متابعيه على إنستغرام من أقل من 100 ألف متابع قبل المباراة إلى مئات الآلاف خلال ساعات قليلة، ليصبح حديث الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم.
لحظة ستبقى في الذاكرة
بعد صافرة النهاية، قفز أحد الصحفيين القادمين من كوراساو داخل المنصة الإعلامية وهو يصرخ: "كوراساو حصلت على نقطة.. هذا تاريخ". كانت تلك العبارة تختصر كل شيء. فبينما توقع كثيرون أن تكون الإكوادور في طريقها إلى فوز مريح، كتب رجل واحد اسمه إيلوي روم فصلًا جديدًا في تاريخ كرة القدم.
وربما لم تحقق كوراساو أول انتصار لها في كأس العالم بعد، لكن بفضل حارسها الأسطوري، حققت ما هو أهم: إثبات أن الأحلام الكبيرة لا تحتاج إلى دول كبيرة كي تتحقق.