قاق... قاق... قاق

قاق... قاق... قاق

من ضحايا المجزرة الكيماوية في خان شيخون (فيسبوك)

في أي صندوق نراكم كل هذه الصور وأين تُرمى المفاتيح؟ هل وجد أحدٌ قبرًا لدفن العيون التي رأت؟ وكيف تتسع الصور لتنبت أشواكها وتمتد على امتداد الوقت ثم تنغرس في العظم حتى تعرش خارج الصناديق كلها؟ "كيف" هنا ليست تساؤلاً، ولا حتى استنكارًا، هي مجرد إصبع ندفعه في الحلق لنتقيأ أدمغتنا التي خزنت بشاعاتٍ لا يمكن معها الاستمرار في الحياة.

تشبه بلادنا الآن فيلم رعبٍ هوليودي طويل رديء، الجميع فيه "زومبي"

أدفن راسي في صندوق وأرمي المفتاح بعيدًا فيلتقطه طفل مختنق آخر ليخرج عينيّ ويحدق فيهما. ولا أفهم ولم أبحث عن السبب ولكن لماذا كلهم جميلون كلوحة هؤلاء المختنقين، ولماذا يغسلونهم، لمَ رموشهم مبلولة.

اقرأ/ي أيضًا: العشرينيون.. أنشودة التغيير

لا صناديق تتسع للخزي الذي يحسه السوريون الآن رغم اختلاف الندابين بلهجاتهم، بتضرعاتهم، باتهاماتهم. يختلط الشعور بالخزي مع العجز، مع الاتهامات لتكرار الوصفة نفسها للحقد. ملامح الجثث تختلف قليلًا جدًا والندابون لا يتغيرون، منتشرون في أصقاع شتاتهم حتى في الداخل وتضطرم العروق باحتراقها دون جدوى.

ربما استسلم أغلب المشاهدين هنا وهناك لحقيقة أن الحل ليس باليد، وبالطبع لا أحد يمكنه التحديق في اليد لإدراك ما فيها، ربما لاشيء فيها أصلًا. وكما في كل مذبحة تتغير بروفايلات المشاهدين بينما تنهال صور الأطفال القتلى الشهداء الضحايا المغدورين، ويكرر الحزانى صرخاتهم الزرقاء واتهاماتهم وشتائمهم ولا يتغير شكل الجنازة وترتيبات العزاء.

يُقتل هؤلاء بلا ذنبٍ هنا ليقتل أولئك بلا ذنبٍ هناك، والكل يبرر ردود الأفعال، ولا أحد يتفق كما من سنين على أي شيء سوى الصراخ.

تشبه بلادنا الآن فيلم رعبٍ هوليوديًا طويلًا رديئًا، الجميع فيه "زومبي"، الأبطال والمخرج والكومبارس والجمهور، من النوع الذي تضرج الشاشة فيه بالدماء والنحيب والولولة من اللحظات الأولى حتى اللانهاية. فيلمنا من النوع الذي لا يهيج عشاق السينما ولا ينال الجوائز، لكنه مموّلٌ إلى الأبد.

أيها السوريون توقفوا عن الإنجاب انقرضوا، أطفالكم سيموتون أمامكم حتى وهم أحياء

اقرأ/ي أيضًا: حافظ الأسد وساسوكي

هذه نعوة أخرى ستعلق على جدار صحيفة أو موقع إلكتروني أو منبر ثقافي أو فيسبوكي. هي مجرد نعيق آخر على الخراب. نحن غربان البشرية المملة في حلقات دورانها الحلزونية، نندب الآن انتهاكات القرن وكأن ما مر على هذا الكوكب من مجازر سابقة كانت أقل هولًا أو تعلم منها أحدٌ شيئًا.. منذ اقتتال الآلهة الأول وحتى اللحظة، ما الذي يدفع أي بشري للتخيل بأن العالم كان أو سيكون يوماً مكاناً أفضل، أو أن الحكام سيكونون أقل فتكاً، أو أن الآخر سيبالي أكثر؟ لا أجد أي مبرر لهذه الخزعبلات سوى الإصرار على إفقاد الذاكرة ذاكرتها.

أيها السوريون توقفوا عن الإنجاب، انقرضوا. أطفالكم سيموتون أمامكم حتى وهم أحياء. أو ستموتون أمامهم فقط لتحطموا قلوبهم. موتوا وحيدين أفضل واصمتوا. أيها الكوكب تفجر دفعةً واحدة لتوقف هذا النعيق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لا تصدقوني.. كنت أكذب على الدوام

في وصف جحيم حلب