قاعدة إسرائيلية في الصحراء العراقية.. ما لم تكشفه تل أبيب عن حربها على إيران
10 مايو 2026
نهاية شهر شباط/فبراير 2026، حين أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة عملية "زئير الأسد"، كان المشهد المرئي يتمثل في موجات من الطائرات الحربية تُغطي المسافة الفاصلة بين البحر المتوسط والأراضي الإيرانية. لكن ما بقي خارج هذه الصورة كان أكثر دلالة، وهو قوة خاصة إسرائيلية مرابطة في وادٍ مقفر وسط الصحراء العراقية، على بعد نحو مائة وثمانين كيلومترًا جنوب غرب كربلاء، تنتظر ما لا يُعلن عنه في أي بيان رسمي.
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في التاسع من أيار/مايو 2026 أن إسرائيل أقامت قاعدة عسكرية سرية في الصحراء العراقية قُبيل اندلاع الحرب، لتكون مركزًا لوجستيًا داعمًا للقوات الجوية الإسرائيلية، واحتضنت قوات خاصة وفرق بحث وإنقاذ جاهزة للتحرك في حال أُسقطت طائرة إسرائيلية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، استنادًا إلى مسؤولين أمريكيين وجهات مطلعة، أُقيمت القاعدة بعلم واشنطن، رغم أن المسؤولين الأميركيين أكدوا لاحقًا عدم تورط قواتهم في أي عمليات نفذتها من ذلك الموقع.
ما يجعل هذه القاعدة موضع تحليل جدي ليس مجرد وجودها، بل ما تكشفه عن نمط التفكير العسكري الإسرائيلي في إدارة حرب بعيدة المدى.
وتبعد الأراضي الإيرانية أكثر من ألف وستمائة كيلومتر عن إسرائيل، ونفذت الطائرات الإسرائيلية آلاف الغارات خلال الحملة التي دامت نحو 40 يومًا، في حين أتاحت القاعدة الصحراوية للفرق الإسرائيلية موقعًا متقدمًا أقرب إلى ميدان العمليات. هذا يعني بصياغة مباشرة أن إسرائيل خططت لحرب طويلة وعميقة، لا لضربة جراحية خاطفة.
يصف الخبير الأمني مايكل نايتس، رئيس شركة "هورايزن إنغيج" الاستخباراتية، الصحراء الغربية العراقية بأنها "المكان المثالي لموقع عسكري سري"، نظرًا لشح سكانها ومساحتها الهائلة
راعٍ وجندي وأسرار الصحراء
الطريقة التي كادت فيها القاعدة تُكشف لا تقل دلالة عن القاعدة نفسها. في الرابع من آذار/مارس، رصد راعٍ محلي حركة غير معتادة تضمنت رحلات مروحية في منطقة نائية، فأبلغ السلطات العراقية، وأُرسلت وحدة عسكرية للتحقيق في الأمر. ما تلا ذلك هو الحادثة الأكثر حساسية في هذا الملف: تعرضت الوحدة العراقية لضربات جوية إسرائيلية أوقعت قتيلًا وأصابت عددًا من الجنود، قبل أن تُحكم إسرائيل السيطرة على المنطقة مجددًا.
وبعد الحادثة مباشرة، قال الفريق قيس المحمداوي، نائب قائد العمليات المشتركة العراقية، إن "قوة ما كانت موجودة على الأرض قبيل الضربة، مدعومة من الجو، وتعمل بقدرات تتجاوز قدرات وحداتنا"، مضيفًا أن "العملية جرت دون تنسيق أو موافقة". ورفعت بغداد شكوى إلى الأمم المتحدة، وإن كانت في البداية قد حمّلت المسؤولية للولايات المتحدة، قبل أن تؤكد مصادر مطلعة أن واشنطن لم تكن طرفًا في العملية.
هذه التفاصيل تكشف شيئًا عميقًا في طريقة اشتغال إسرائيل العملياتية، وهو الاستعداد لقتل جنود دولة ليست في حالة حرب معها، من أجل صون سر لوجستي. إنه حساب بارد لا تعوزه الجرأة، لكنه يترك وراءه تساؤلًا قانونيًا وسياسيًا بالغ الثقل.
وحدة شلداغ: الكوماندوز الذي يعمل خارج الصورة
في الخامس من آذار/مارس 2026، أعلن اللواء تومر بار، قائد سلاح الجو الإسرائيلي، في رسالة إلى منتسبيه أن "مقاتلي الوحدات الخاصة في سلاح الجو ينفذون مهامًا استثنائية يمكنها أن تُشعل الخيال"، دون أن يُفصح عن طبيعتها أو موقعها. اليوم، وبعد كشف وول ستريت جورنال، باتت هذه الجملة ذات معنى محدد.
وحدة شلداغ ليست مجهولة للمتابعين. فهي وحدة الكوماندوز الجوية الإسرائيلية التي برزت في عمليات سابقة خارج الحدود؛ نفّذت في أيلول/سبتمبر 2024 غارة على منشأة تصنيع صواريخ إيرانية تحت الأرض قرب مصياف في سوريا، حيث هبطت قوة من المظليين بالمروحيات، وزرعت المتفجرات داخل المنشأة، وانسحبت قبل أن تُفجَّر.
هذا النموذج من العمليات، الذي يقوم على الاختراق العميق والإسناد الجوي والانسحاب الصامت؛ هو بالضبط ما يناسب مهمة القاعدة العراقية من حيث توفير رديف ميداني لعمليات بعيدة المدى في العمق الإيراني.
العراق: ساحة لا دولة
من جهة أخرى، ما تكشفه هذه القاعدة ليس فقط الجرأة الإسرائيلية، بل الهشاشة البنيوية للدولة العراقية.
ويرى مراقبون أنه على الرغم من احتجاج بغداد المتكرر على انتهاكات سيادتها من قِبل واشنطن وطهران معًا، فإن قدرتها على إنفاذ هذه الاحتجاجات تبقى محدودة، بسبب الشبكات غير الرسمية والميليشيات التي تمسك بزمام جزء من القرار الأمني. بعبارة أخرى، العراق ليس دولة تتعرض للانتهاك، بل هو فضاء تتقاطع فيه مشاريع متعددة لا تعترف بالسيادة إلا حين تجد فيها مصلحة.
لماذا اختارت إسرائيل هذا الموقع في العراق؟
في سياق اختيار تل أبيب لهذا الموقع تحديدًا، يصف الخبير الأمني مايكل نايتس، رئيس شركة "هورايزن إنغيج" الاستخباراتية، الصحراء الغربية العراقية بأنها "المكان المثالي لموقع عسكري سري"، نظرًا لشح سكانها ومساحتها الهائلة، مضيفًا أن "استطلاع مثل هذه المواقع وإقامتها قبيل العمليات أمر طبيعي".
والطبيعية التي يتحدث عنها نايتس مثيرة للتأمل: فما بات "طبيعيًا" في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية يتضمن إقامة قواعد في دول ذات سيادة دون علمها، وقتل جنودها إن اقتربوا.
ما يحمله الكشف المتأخر
عثر محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر على المدرج المؤقت في صور الأقمار الصناعية: شريط بطول نحو 1.6 كيلومتر مُقام في قاع بحيرة جافة، على بعد مائة وثمانين كيلومترًا جنوب غرب كربلاء، ظهر في مشاهد مصوّرة قبل أيام من بدء الحرب مباشرة.
وبحسب ما أفادت به تقارير إسرائيلية، أُقيم المدرج في وادي حمير شمال الحدود السعودية، وهو مرتجل نشأ ثم اختفى، إذ أُتلف أو تضرر بسبب فيضان وقع في المنطقة في منتصف آذار/مارس.
هذا التفصيل الأخير يقول شيئًا عن طبيعة البنية بأكملها: إنها لم تُصمَّم للبقاء، بل للاستخدام خلال نافذة زمنية محددة، ثم تختفي دون أثر. قاعدة قابلة للتبخر، مثل الحرب ذاتها التي أُقيمت لخدمتها.
ما وراء الكشف
تبقى القاعدة الصحراوية، في نهاية المطاف، وثيقةً ضمن ملف أكبر لم تكتمل صفحاته بعد. فعندما أُسقطت مقاتلة أميركية من طراز إف-15 قرب محافظة خوزستان، وفُقد طياران أميركيان، عرضت إسرائيل المساعدة في عملية الإنقاذ ونسّقت غارات جوية لتأمين المنطقة، ما يعني أن القاعدة العراقية لم تكن استثناءً، بل جزءًا من شبكة عملياتية ممتدة تجاوز حجمها ما أُعلن عنه من أي طرف.
ولم يعلّق الجيش الإسرائيلي على التقرير، كما لم تُفصح بغداد عما تعرفه. ومع ذلك، يبدو ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" مجرد رأس جبل الجليد من قصة أكبر.
تقرؤون المزيد في: العراق في مرمى الحرب: حدود التوازن بين الولايات المتحدة وإيران