قاضٍ أميركي يعرقل مساعي ترامب لترحيل نشطاء مؤيدين لفلسطين
29 أغسطس 2026
وجه قاضٍ فيدرالي أميركي ضربة جديدة إلى سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب المتعلقة بالهجرة وحرية التعبير، بعدما حكم بأن استخدام قوانين الهجرة لإلغاء تأشيرات طلاب أجانب وبدء إجراءات ترحيل بحقهم بسبب نشاطهم المؤيد للفلسطينيين وانتقادهم لإسرائيل، ينتهك الدستور الأميركي.
ويأتي الحكم في وقت تخوض فيه إدارة ترامب معارك قانونية متصاعدة بشأن سياساتها تجاه المهاجرين والطلاب الأجانب، خصوصًا أولئك الذين شاركوا في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين أو عبّروا عن مواقف ناقدة للحرب الإسرائيلية على غزة.
حكم ينتصر لحرية التعبير
وحسبما نقلت وكالة "رويترز"، أصدرت قاضية المحكمة الجزئية الأميركية في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، نويل وايز، حكمًا انتقدت فيه بشدة طريقة استخدام وزارة الخارجية ووزارة الأمن الداخلي لقوانين الهجرة لاستهداف غير المواطنين بسبب آرائهم السياسية.
وخلصت وايز إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية، عندما يكون التعبير السياسي للشخص هو السبب وراء إلغاء تأشيرته أو اتخاذ خطوات لترحيله، تخالف التعديلين الأول والخامس للدستور الأميركي.
حذرت من أن السماح للحكومة باستخدام قوانين الهجرة لمعاقبة أشخاص بسبب آرائهم يمكن أن يؤدي إلى توسيع نطاق الاستهداف
ويحمي التعديل الأول حرية التعبير، بينما يتضمن التعديل الخامس ضمانات تتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة. وبذلك، لم تعتبر المحكمة أن وضع الطالب كمواطن أجنبي يتيح للحكومة استهدافه بسبب مضمون آرائه.
وأكدت القاضية أن حرية التعبير، بما في ذلك الحق في انتقاد الحكومة وقادتها، تمثل أحد عناصر قوة الديمقراطية الأميركية، محذرة من أن هذه القوة تتراجع عندما يشعر المواطنون وغير المواطنين بأن عليهم فرض الرقابة الذاتية على أنفسهم لتجنب انتقام الحكومة.
كيف بدأت القضية؟
تعود جذور القضية إلى آذار/مارس 2025، عندما بدأت إدارة ترامب حملة على طلاب وأكاديميين أجانب شاركوا في نشاطات مؤيدة للفلسطينيين داخل الجامعات الأميركية.
وكان من أبرز الأسماء التي ظهرت في تلك الحملة محمود خليل، خريج جامعة كولومبيا، الذي اعتُقل على خلفية نشاطه المؤيد للفلسطينيين ودخل في معركة قانونية منفصلة لمنع ترحيله من الولايات المتحدة.
وأصبحت إجراءات الإدارة بحق الطلاب الأجانب مصدر قلق واسع داخل الجامعات، إذ لم تقتصر آثارها على الأشخاص الذين تعرضوا للاعتقال أو إجراءات الترحيل، بل امتدت إلى آخرين بدأوا يتجنبون التعبير عن آرائهم أو المشاركة في نقاشات مرتبطة بإسرائيل وفلسطين.
"الخوف من الترحيل" يصل إلى الصحافة الجامعية
كانت صحيفة The Stanford Daily، التابعة لجامعة ستانفورد، محور الدعوى التي أدت إلى الحكم. وقالت الصحيفة إن بعض كتابها من الطلاب الذين يحملون تأشيرات دراسية بدأوا يتجنبون تغطية الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين أو القضايا المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، خشية أن تؤدي كتاباتهم إلى إلغاء تأشيراتهم أو تعرضهم للترحيل.
يمثل الحكم انتصارًا مهمًا للطلاب الأجانب الذين يخشون أن تتحول آراؤهم السياسية إلى سبب لفقدان وضعهم القانوني في الولايات المتحدة
وفي وثائق القضية، قال طلاب غير أميركيين إنهم لجأوا إلى الرقابة الذاتية، وتوقف بعضهم عن نشر تعليقات تتعلق بإسرائيل وفلسطين، كما طلب آخرون إزالة مواد سبق أن نشروها.
وأظهرت القضية بالتالي أن تأثير سياسة الترحيل المحتملة لم يكن محصورًا في الإجراءات القانونية المباشرة، بل امتد إلى المجال الإعلامي والأكاديمي، عبر خلق مناخ يدفع الطلاب إلى التفكير في عواقب التعبير عن آرائهم قبل نشرها.
القوانين التي استخدمتها إدارة ترامب
استندت الإدارة إلى أحكام في قانون الهجرة والجنسية الأميركي تمنح وزير الخارجية صلاحيات واسعة في بعض الحالات المتعلقة بتأشيرات غير المواطنين وترحيلهم.
ومن بين هذه الأحكام قاعدة تتيح لوزير الخارجية، ماركو روبيو، اعتبار شخص غير مواطن قابلًا للترحيل إذا خلص شخصيًا إلى أن وجوده أو نشاطه "يضر بمصلحة ملحة للسياسة الخارجية" للولايات المتحدة، إلى جانب صلاحيات مرتبطة بإلغاء التأشيرات. لكن المحكمة رأت أن تطبيق هذه الصلاحيات على أساس مضمون خطاب الشخص أو موقفه السياسي يمثل تمييزًا ضد وجهة نظر محددة.
وقالت وايز إن الحكومة، عندما تجعل التعبير السياسي سببًا لإلغاء التأشيرة أو بدء إجراءات الترحيل، فإنها تستهدف ذلك التعبير بمعاملة غير مواتية بسبب مضمونه أو وجهة النظر التي يعبر عنها.
تحذير من "منحدر خطير"
لم تكتفِ القاضية بالنظر إلى الحالات المرتبطة بالاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، بل حذرت من أن السماح للحكومة باستخدام قوانين الهجرة لمعاقبة أشخاص بسبب آرائهم يمكن أن يؤدي إلى توسيع نطاق الاستهداف. وحذرت من إمكانية انتقال هذه السياسة إلى استهداف أشخاص آخرين داخل الولايات المتحدة لمجرد تعبيرهم عن آراء لا تحظى بقبول الحكومة. ورأت أن هذا المسار يتعارض مع الدستور الأميركي، الذي يضمن الحق في التعبير الحر، حتى عندما تكون الآراء نفسها مثيرة للجدل أو مرفوضة من الحكومة.
وتكمن أهمية هذا الجزء من الحكم في أنه يحول القضية من نزاع محدود حول تأشيرات طلاب أجانب إلى نقاش أوسع بشأن حدود سلطة الحكومة عندما تتقاطع قوانين الهجرة مع حرية التعبير.
سابقة قضائية ضد إدارة ترامب
لا يمثل حكم وايز أول قرار قضائي يرفض هذه السياسة. ففي العام الماضي، أصدر القاضي الفيدرالي وليام يونغ في بوسطن حكمًا خلص فيه أيضًا إلى أن إدارة ترامب تصرفت بصورة غير دستورية عندما اعتمدت سياسة تقوم على إلغاء تأشيرات واعتقال واحتجاز وترحيل طلاب وأعضاء هيئة تدريس أجانب بسبب نشاطهم المؤيد للفلسطينيين.
ويشير تكرار الأحكام القضائية إلى أن سياسة الإدارة تواجه مقاومة متزايدة داخل المحاكم، خصوصًا عندما ترى المحاكم أن تطبيق أدوات الهجرة يتحول إلى وسيلة لمعاقبة التعبير السياسي.
ماذا يعني الحكم لطلاب الجامعات؟
يمثل الحكم انتصارًا مهمًا للطلاب الأجانب الذين يخشون أن تتحول آراؤهم السياسية إلى سبب لفقدان وضعهم القانوني في الولايات المتحدة. كما يمنح وسائل الإعلام الجامعية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الطلاب، حماية قانونية أكبر عندما يتعلق الأمر بتغطية القضايا السياسية الحساسة.
ويأتي الحكم ضمن سلسلة من المواجهات بين إدارة ترامب والمحاكم الفيدرالية بشأن سياسات الهجرة والحريات المدنية. فالإدارة دفعت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض باتجاه تشديد إجراءات الهجرة، وتوسيع نطاق استخدام أدوات حكومية مختلفة ضد المهاجرين وغير المواطنين، بينما لجأت جماعات حقوقية ومؤسسات تعليمية وإعلامية إلى القضاء للطعن في بعض هذه الإجراءات.