قاسم مرواني: نحن كائنات متناقضة ومعقّدة إلى حدٍّ كبير

قاسم مرواني: نحن كائنات متناقضة ومعقّدة إلى حدٍّ كبير

الكاتب قاسم مرواني

من السهل على من قرأ قاسم مرواني معرفة أنّ الكاتب والروائي اللبنانيّ الشاب يسير في خطٍّ سرديّ واحد وثابت وطويل الأمد أيضًا. فمنذ مجموعته القصصية الأولى "وجه مارغريت القبيح"، الصادرة قبل ثلاث سنواتٍ من الآن، تبيّن أنّ مرواني كاتبٌ يُمجّد الموت، لا صبر له على انتظار الأقدار التي لا تُبشّر بخير إطلاقًا، فيستعجلها كما يستعجل رحيل شخصيات أعماله الأدبية.

مرواني كاتبٌ يُمجّد الموت، لا صبر له على انتظار الأقدار التي لا تُبشّر بخير إطلاقًا

طيف، بطل عمله الروائي الأوّل "السقوط من عدن" مثال على ما سبق. والرواية الصادرة مطلع العام المنصرم دليل على توّجه الكاتب نحو نبش وهتك وفضح أسرار مجتمعٍ متآكل ومُتهالك وعلى شفير الانهيار كذلك الأمر، ببشرٍ منعزلين تارةً ومعطوبين تارةً أخرى، فيبدو أنّ مرواني كأنّمّا يكتب ليدخل في صراعٍ مع هذا المجتمع، أو لأجل إنهاء حساباتٍ قديمةٍ بينهما فقط.

العبارة الأخيرة أعلاه تعود بنا إلى سنوات الطفولة والمراهقة، باعتبارها عادةً مصدر كلّ ما يصير المرء عليه في سنواتٍ لاحقة. ولأنّها كذلك، سألنا قاسم مرواني إن كان في طفولته ما أوحى بأنّه سوف يصير كاتبًا، والقصد من السؤال هو البحث عن الدوافع الأولى للجنوح نحو الكتابة، ومعرفة من وجّه أوّل خطواته نحوها، ومن زرع فيه هذه الرغبة والشهوة بالحكي. يقول مرواني: "أبدًا، لم يكن في سنوات الطفولة أو المراهقة ما يوحي بأنّني سأصير كاتبًا، والتوجّه نحو الكتابة حدث في مرحلةٍ متأخّرة. ولكن ذلك لا يعني عدم وجود اهتمامات أدبية في تلك المرحلة. في المقابل، كانت البيئة التي ولدت فيها لا تُفسح أي مجالٍ للمرء للتوجّه نحو الأدب والفن. أتحدّث هنا عن فترة التسعينيات، وجيل ما بعد الحرب الأهلية".

يؤكّد قاسم مرواني ضمن هذا السياق أنّه ينتمي إلى جيلٍ لم يكن يملك تلك الرفاهية التي تسمح أو تتيح للمرء أن يكون قارئًا نهمًا، أو شغوفًا بالأدب في تلك الفترة التي يرى أنّها كانت كفيلةً بتكوين جملةً من الانطباعات السيئة عن العالم، والتي تحوّلت فيما بعد إلى جُملة من الاعتراضات عليه، وكانت المسؤول الأوّل والأخير عن توجّهه نحو الكتابة، بهدف التخلّص منها، أو منحها شكلًا احتجاجيًا مجديًا أكثر من بقائها في سرّه.

يُفسّر ضيفنا بذلك بدايته الأدبية المتأخّرة، والمقتصرة أساسًا على مجموعة نصوص وقصص قصيرة لم يخطر في باله أن تتحوّل في نهاية المطاف إلى كتاب. الحديث هنا عن "وجه مارغريت القبيح" الذي دفعنا لسؤاله عن سبب توجّهه لاحقًا نحو الرواية، وتعامله مع قلق الجملة الأولى من الرواية حين شرع في كتابة "السقوط من عدن". نستخلص من إجابته أنّ القصّة القصيرة وسيطه الأدبي الأقرب إلى القلب دائمًا، وأنّ الرواية ليست سوى استطراد للقصّة.

ويضيف الروائي: "السقوط من عدن فرضت نفسها عليّ، وبالتالي كنت مُجبرًا على كتابتها. ومن الممكن أن تجد أساسها في تجربة طويلة ومتراكمة مع مجموعة من الأشخاص الذين تتقاطع مصائرهم مع مصائر شخصيات الرواية، فتصير عبارة عن خليط بين ما هو إنساني ووجودي. وللأمانة، لم يكن بإمكاني إبقائها في داخلي دون أن تُكتب".

في هذه الرواية، أي "السقوط من عدن"، تغيب المركزية السردية، ونلاحظ أيضًا توزيع الحكايات على شخوص العمل بشكلٍ منفصل، وقريب من القصص المنفصلة والمتّصلة ببعضها البعض من خلال المكان والزمان والبيئة المشتركة تارةً، والصدفة تارةً أخرى. نسأل قاسم مرواني هنا إن كان لا يزال إلى الآن مسكونًا بالقصّة القصيرة؟ يجيب قائلًا: "ما سبق من حديث حول غياب المركزية السردية وتوزيع الحكايات صحيح إلى حدّ كبير، ومقصود تمامًا. لربّما أفسّر ذلك برغبتي بالكتابة بأسلوبٍ مختلف، وكان الأمر مغامرة. كنت مدركًا تمامًا أنّ الكثيرين لن يتقبلوا أن تُكتب رواية دون بطل واحد، ومن دون حدثٍ رئيسيّ؛ رواية يكون لكلّ شخصية فيها حدثها وقصّتها المنفصلة عن الشخصيات الأخرى، والمتّصلة بفعل المكان والزمان فقط. وأعتقد الآن بأنّ فكرة الرواية فرضت عليّ هذا الأسلوب، ذلك أنّ هناك مجموعة من الحيوات المنفصلة التي تقاطعت والتقت صدفةً لتشكّل رواية واحدة وكبيرة. أليست حياتنا اليومية الآن شبيهة بذلك؟".

يُفسّر قاسم مرواني الحياة من خلال الموت في روايته هذه. ويُبرّر القتل ودوافعه من خلال الكبت والعقد الجنسية. أمّا عن السبب وراء ذلك، ووراء تشييد روايته على مجموعة عناصر تبدو معقّدة ومتداخلة ببعضها البعض، كثنائية الموت والحياة، الجنس والكبت، وكذلك التديّن المنطوي على نقيضه تمامًا، أو على ما يسعى لانتهاكه إن صح التعبير؛ فيقول: "ليس تبريرًا للقتل، بل تفسيرًا له. فمن وجهة نظر القاتل هناك سبب وجيه لما يفعله، معظم الناس لا يرونه. أعتقد أنّ حياة الإنسان هي ردّة فعل على الموت، الحدث الذي لا نملك تفسيرًا له. كل شخص يسعى في حياته لأن يهزم الموت بطريقته الخاصة أو بحسب فهمه للحياة أو للموت".

يُفسّر قاسم مرواني الحياة من خلال الموت في روايته "السقوط من عدن". ويُبرّر القتل ودوافعه من خلال الكبت والعقد الجنسية

يُضيف: "حياتنا معقّدة بشكل كبير، لا سيما إن تحدّثنا عن العلاقات الإنسانية تحديدًا. وأنا أردت أن أنقل ذلك في الرواية دون شك. وكذلك شأن أفكارنا المتناقضة، تلك التي تنقلنا فجأة من تأييد فكرة معينة إلى معاداتها كليًا عندما تختلف ظروفنا ومصالحنا. نحن كائنات متناقضة ومعقدة إلى حد كبير".

اقرأ/ي أيضًا: قاسم مرواني.. نسيج حكائي للعبث

يتعامل قارئ "السقوط من عدن" مع شخصيات معطوبة ومشوّهة، داخليًا وجسديًا. السؤال هنا، لماذا اختار قاسم مرواني أن تكون بعض الشخصيات في عمله مُصابة بمرض بالفشل الكلوي؟ بينما الشخصيات الأخرى لا تخرج عن هذا الإطار أيضًا، وموزّعة بين ممرّضة وطبيب وغير ذلك. لماذا اختار من هذا المكان بالذات، المستشفى وغرف غسل الكلى تحديدًا، فضاءً لروايته الأولى؟ ما السرّ؟: "هذا السؤال هو الأهم، لأنّ هذه الرواية هي، بالدرجة الأولى، هدية إلى شخص هو، رغم غيابه، عزيز ودائم الحضور أيضًا. كان مصابًا بالفشل الكلوي وهو صاحب فكرة الرواية، قص عليّ أحداثها الحقيقية ناحتًا شخصياتها وملامحهم، راسمًا في مخيلتي خطوطها العريضة ويوميات كل واحد منهم. بعد رحيله، كان عليّ متابعة كتابتها وحيدًا باحثًا في زوايا الذاكرة عن بقايا أحاديث قديمة، تبادلناها خلال سهراتنا الشتوية بالقرب من الموقد. تحوّل الموت بعد رحيله إلى الحدث الرئيسي فيها كما تحولت شخصياته إلى شواهد على موته وهو لو كان بيننا الآن لربما أعطى لهذه الرواية نهاية أكثر إشراقًا ورونقًا وجمالية. كان ليضيف إليها بعضًا من سخريته، بعضًا من مواقفه الطريفة والكثير من الحب".

لعلّ أكثر ما يُلفت القارئ أنّ حضور الجنس في رواية قاسم مرواني هذه لا يبدو حضورًا عاديًا على الإطلاق؛ فهناك من يمارس الجنس مع ابنة خالته وزوجة عمّه بعد أن كان متدينًا فيما سبق، ويُقاتل في صفوف حزب دينيّ أيضًا. وهناك من يمارس الجنس مع شقيقته التي تعرّضت للاغتصاب في الحرب الأهلية. وثمّة فتاة من عائلة دينية شديدة المحافظة تُمارس الجنس مع عشيقها ثم تنتحر. وهناك من تمارس الجنس بحثًا عن حياةٍ أفضل. أإلى هذا الحد يشغل الجنس المجتمع اللبنانيّ؟ نتحدّث عن المجتمعات الريفية والمحافظة تحديدًا؟ عن ذلك يقول: "صحيح، حضور الجنس ليس عاديًا، بغض النظر عن فكرة إلى أي مدى يشغل موضوع الجنس المجتمعات المحافظة، وهو يشغل بالها إلى حد كبير دون شك".

يُضيف: "حضور الجنس كان إلى حد ما مجازيًا. المقاتل المتدين الذي يمارس الجنس بعيدًا عن أي التزام بالقيم والدين، يفعل ذلك كتعبير عن الانتقام والرفض، على عكس الممرضة التي تمارسه من منطلق اللذة الأبيقورية البحتة. هناك من يمارسه كتضحية، قربان من أجل الحب وآخرون كفعل تحرر. حضور الجنس في الرواية لم يكن حضورًا لهدف أو مسألة بيولوجية حصرًا، بل كان صلة وصل أكثر من أي شيء آخر بين تبدلات حيوات الشخصيات، وكيفية تجاوزها لحائط المحرّم، ذلك الذي يمتلك حضورًا ثقيلًا في حياتنا".

بهذا المعنى، يبدو لنا أنّ المجتمع اللبنانيّ إذًا مجتمع مشوّه بمعزلٍ عن تشوّهات الهوية والانتماءات المتعدّدة طائفيًا وسياسيًا. تشوّهات من نوعٍ آخر، إن كان ذلك في المجتمع البرجوازي أو الشعبيّ، مُحافظًا أو منفتحًا، في الريف أو المدينة. كلّها تعيش المأزق نفسه على ما يبدو. لذلك يصير السؤال هنا عمّا يحتاجه هذا المجتمع اليوم للخروج من مآزقه الكثيرة. عن رأيه الشخصي بذلك، يقول قاسم مرواني: "الموضوع معقّد وما يرد في الرواية ليس الهدف منه إجراء دراسة اجتماعية. الرواية برأيي تتأسّس على الواقع، وتنطلق من شيء واقعي ولكنّ العلاقات داخلها لا تلتزم به. إلى حد بعيد، يعكس الأدب اللبنانيّ كلّه تشوهات المجتمع ومشاكله ومن دون طرح حلول لها، هذه ليست وظيفة الأدب. برأيي الشخصي، كما قلت الموضوع معقد ومتراكم لذلك لن يكون إيجاد الحلول سهلًا".

قاسم مرواني: يعكس الأدب اللبنانيّ تشوهات المجتمع ومشاكله ومن دون طرح حلول لها، هذه ليست وظيفة الأدب

نسأل ضيفنا إن كان نبش وهتك أسرار هذا المجتمع، المحافظ منه تحديدًا، هو ما يعني ويشغل قاسم مرواني؟ أي أن يكشف ما تراكم من وقائع مهملة في هذه البيئة. يقول: "لم أكن يومًا صانع حدث، كنت دائمًا عبارة عن مراقب أحلل الأحداث وأحاول فهم أسبابها، ولكنّني عندما أكتب عنها، فإنّني أكتب ضمن فضاء افتراضي يتجاهل أمورًا ويضخّم أخرى، ويختلق علاقات وصلات متعدّدة. أحاول باختصار أن أكون مراقباً جيدًا، ولكنّي في كتاباتي لا أنقل مشاهدات".

اقرأ/ي أيضًا: في رواية "السقوط من عدن".. هذه هي الحياة باختصار

يُجيب قاسم مرواني على سؤالنا عمّا إذا كانت "السقوط من عدن" تحمل شيئًا من السيرة الذاتية، باعتبار أنّ كلّ رواية تحمل شيئًا من ملامح كاتبها؛ يُجيب بالقول إنّ قاسم مرواني هو كلّ شخصيات السقوط من عدن، وهو في الوقت نفسه بعيد عن شخصياتها. وينهي حوارنا معه بالتأكيد على أنّه يعوّل في بناء عمارته السردية على القصّة، فالقصّة أو الحكاية عنده هي من تفرض الأسلوب عادةً.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خالد خليفة.. بلاد في جنازة