في نُزل البرتقال

في نُزل البرتقال

مقطع من لوحة لـ عماد جميّل/ تونس

03 آذار/مارس 2019

وصلت برفقة نجاة على الساعة الواحدة بعد الزوال إلى نزل البرتقال. انطلقنا قبل ساعتين من وصولنا، لكن شرخا بالعجلة الخلفية اليسرى عطّل مسيرنا. يعود ذلك لاصطدامنا بأحد الأجسام الحادّة خلال مسيرنا. قبل أسبوعين، استبدلت اليمنى واليوم أتى الدور على اليسرى.

أضحكتني نجاة خلال تغييري للعجلة، أوشكتْ على السقوط خلال مرور شاحنة كبيرة على الطريق السيّارة. مسحتْ وجهها ببعض المياه بواسطة يدها الصغيرة، كان وجهها مصفرًّا من الفجيعة. أوقفت سيّارة الرينو توينغو خاصّتنا قبيل محطّة الاستخلاص، ولم أضع سترة صفراء ولا مثّلث التنبيه. السترات الصفراء لا نفع لها بوجود مجانين الطرقات.

غيّرت عجلة السيّارة وسط رعبي من أن يمسّني مكروه بسبب إسراع السائقين. أوشك أن يخرج قلبي من مكانه. كانت نجاة تتابع حركاتي عن كثب دون أن تساعدني، لم أشأ أن أتسبّب لها في اتّساخ ملابسها وهي في طريقها لحدث مهمّ في مسيرتها. كانت حالتي مفزعة! اسودّت يداي بفعل لمس العجلات المطّاطيّة وانتشر الغبار على بنطالي الأسود وعلى حذائي الجلديّ بنفس اللّون. تمنّيت أن يلتقط مصوّر فوتوغرافيّ صورة لنا ونحن في هذه الوضعيّة، ويعرضها ببهو النزل. كان يضمّ في قاعة استقباله لوحة للفنّان التونسيّ عماد جميّل وثلاث لوحات بالخطّ العربيّ لنجا المهداوي. نزل فخم جدًّا وأشبه بمتحف للفنون. مالكه رجل أعمال وجامع لوحات وتحف فنيّة نادرة. يضمّ منحوتات وقاعة لعرض أعمال فنيّة، زرته خلال الندوة الصحفيّة الخاصّة بالسامبوزيون قبل ثلاثة أشهر. لاحظت خلوّ بعض الأماكن من لوحات، ربّما ستؤثّث ببعض أعمال المشاركين في السامبوزيوم.

استقبلنا الموظّفون بكأسين طازجين من عصير البرتقال. يكفيان لإطفاء عطشنا على كلّ حال! ليس غريبًا أن يسمّى هذا النزل بهذا الاسم، يقع في جهة نابل المشهورة تونسيًّا وعالميًّا بزراعة البرتقال. تجرعت كأس العصير على دفعتين وكأنّني أستعيد كلمات فيكتور هوغو "يمكنك الإيمان باللّه بطريقتين: إمّا مثلما يؤمن العطش بالبرتقال، أو مثلما يؤمن الحمار بالسوط".

أجهل أنّ زراعة البرتقال أتت من الصين منذ ألفي عام، ألّف الصينيّ هان ين شي في القرن الثاني عشر ميلاديّ موسوعة حول زراعة هذه الثمرة تشبه إلى حدّ بعيد موسوعة القرطاجيّ ماغون حول زراعة الكروم وتحويلها إلى خمور. نشر العرب هذه الزراعة إبّان القرن العاشر ميلادي في صقليّة والأندلس، وبقي البرتقال فاكهة نادرة عند الأوروبيّين وهديّة الأطفال المثلى في عيد الميلاد حتّى بداية القرن العشرين.

يفصل البرتقال بين السّلم والحرب، هذا ما تعلّمته من رواية اكتشفتها للروائيّ الكندي لاري ترمبلاي وعنوانها "حقل البرتقال". تدور أحداثها في مكان غير محدّد ويقترب وصف الكاتب إلى أحد بقاع الشرق الأوسط أو أفغانستان، وتروي قصّة توأمين عزيز وآماد، تمّ الاختيار على عزيز ليفخّخ نفسه ويذهب ليفجّر معسكر الأعداء في الجهة المقابلة للجبل. جاءت هذه العمليّة بناء على طلب القائد العسكريّ لمقاطعتهم للثأر من موت جدَّيْ التوأمين. رواية يفجّر فيها الكاتب لوعة الأبوين وصراعهما حتّى لا يخسرا ابنيهما مرّة واحدة، عزيز مريض ولا يقدر على حمل القنبلة ولهذا السبب يخيّر الأب آماد لكنّ الأمّ تأمر الأخير أن يتنازل عن القنبلة لأخيه غير المأمول بشفائه. يلخّص ترومبلاي عمله بالقول "تمحو الحرب الحدود بين عالم البالغين وعالم الأطفال". بدأت بترجمتها إلى العربيّة، ولم أجد الوقت لإنهائها.

تخلو مشاهد "حقل البرتقال" من صور للعنف، وتختلف عمّا نجده في "البرتقالة الميكانيكيّة" لأنتوني بورجس تلك الرواية التي تمزج العنف بموسيقى بيتهوفن. يمثّل الفيلم المقتبس عنها أحد روائع تاريخ السينما العالميّة وأخرجه الأمريكيّ ستانلي كوبريك، وأعتقد أنّنا نعيش أحد مشاهده في تونس في ظلّ انتشار المخدّرات والتطرّف الدينيّ.

انقطعت الإنترنت فجأة. كنت أودّ أن أرسل تقريرًا صحفيًّا حول ما دار هذا اليوم في نزل البرتقال. سأرسله صباح الغد. تبًّا لشركات الهاتف الجوّال، وعلى رأسها شركة "أورنج" التي اخترتُ لتوفّر لي خدمة الواي فاي! حملتها معي خشية من عدم توفّر خدمة الإنترنت بالغرف.

تعني كلمة "أورنج" الفرنسيّة: البرتقال.

 

04 آذار/مارس 2019

"اللّوحة مثل كتلة اللّحم التي أملك في جسدي!".

أطلق كلود غينار الفنّان التشكيليّ الفرنسي هذه الجملة في بداية حديثنا الصباحيّ هذا اليوم. كنت بصدد مساعدة نجاة في إعداد اللّوحات البيضاء ومعدّات الرسم. كان صاحب العينين الزرقاوتين بصدد جولة صباحيّة على المشاركين. بلغ السبعين من العمر ودرّس في كليّة الفنون الجميلة بتونس منذ ثلاثين عامًا. من الوهلة الأولى، لا يوحي مظهره بعمره الحقيقيّ. امتلك جسدًا رشيقًا وكان كثير الحركة والكلام. أسرّ لنا بأنّه كان ملاكمًا في صغره، ومصارع جودو وعاشقًا للغولف. ذكرّني بصاحب "الشيخ والبحر" إرنست هيمنغواي الكاتب الأمريكيّ الكبير والملاكم. يحتاج الرسم والكتابة إلى جسد رشيق وروح رشيقة لإنتاج أثر فنّي حقيقيّ.

يلقّب كلود بـ"المرتزق الثقافيّ" لأنّه درّس في فرنسا وأفريقيا وتعرض أعماله في كافّة دول العالم. اعتبر أنّ الاشتغال بلوحة ما يعدّ بمثابة مضاجعتها، مثلما يفعل سكّان القبائل الأفريقية مع الأرض عبر حفر حفرة يصبون فيها منيّهم في طقوس مضبوطة.

"حضرت هذه الطقوس بنفسي، خلال اشتغالي في إحدى الدول الأفريقية!"

لم يذكر البلد بالتحديد لكن فكرته استهوتني. كان كلود كثير الكلام ويتحدّث في كلّ المواضيع، لا تدوم فترة انقطاعه بين جملة وأخرى خمس ثوان على شرط أن ينتبه إلى أنّ من ينادمه يستمع إليه. إذا اكتشف استهزاء الآخر به أو عدم الاهتمام لحديثه يغادر إلى مستمعين آخرين. كان رغم ذلك فنّانًا حقيقيًّا ومثقّفًا بأتمّ معنى الكلمة، غفرت له ثرثرته على كلّ حال.

قام كلود على الصباح الباكر بإعداد لوحاته وتجفيفها تحت أشعة الشمس الساطعة التي تشي بالدخول الرسمي للربيع. حظّر مخطّطاته الأوليّة قبل الرسم. تابعت اشتغاله على لوحة ألصق في عارضتها صحنا من الخزف اقتناه من متجر بالنزل على قماشة اللّوحة. ثبّت صحن الخزف بواسطة برغيّين وشرع في تلوينه على اللّوحة. أخبرني أنّه يعمل دائما بهذه الطريقة، قد يحافظ على الشيء أو تكسيره والعمل عليه. لمحت على طاولة بالقرب منه صحنين عليهما كلمتا "الله" و"محمّد" من ضمن الصناعات التقليديّة التونسيّة. كانا ينتظران إدراجهما في أحد لوحاته.

خفت حقيقة أن يكسر الصحنين وينثرهما هكذا، وقد يتهم المنظمون بازدراء الأديان!

 

اقرأ/ي أيضًا:

مايكل جاكسون ودبابته

يوميّات سامبوزيوم: 28 شباط/فبراير 2019

:دلالات