"في نهاية الزمان" لعادل عصمت.. فضاء الذاكرة وقلق الوقت
5 نوفمبر 2025
تتجلى "نخطاي" في رواية في نهاية الزمان (دار الكتب خان) للكاتب عادل عصمت بوصفها موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة مع التاريخ، لا كقرية مصرية بعينها، بل ككيان حيٍّ يختبر معنى البقاء تحت وطأة التحولات، في وعيٍ متجدد يعيد تعريف ذاته كلما تبدّل الزمان.
ينفتح النص من مشهد الخليقة الأولى، ثم يهبط إلى تفاصيل الحياة اليومية، كأنما يقيم جسرًا بين الأصل والأسطورة، وبين الواقع وتجلياته الرمزية. وهذا ما يجعل الوجود في "نخطاي" أقرب إلى تجربة تأملية في معنى الزمن لا في تعاقبه، ثم يتجلى الحيز المكاني في الرواية وفق ما يسميه بول ريكور بـ "الزمن المتجسد في الفعل"، حيث لا يُفهم المكان إلا من خلال ما يفعله الناس فيه، وما يورثونه له من أثر. فالقرية تكتسب معناها من حكايات أهلها، ومن قدرتهم على ترميم الحاضر بالذاكرة. إنهم يُروون لا لأنهم يملكون ماضيًا واضحًا، بل لأنهم يخافون أن يُمحى ما تبقّى منه.
ومن هُنا، يغدو المكان وسيطًا بين الغياب والحضور، وبين الفرد والجماعة، في توتر دائم يُعيد إنتاج الحياة على هيئة سؤال مفتوح عن جدوى الوجود ذاته.
يطل الزمان في الرواية بقلقه المستمر، إذ لا يتحرك نحو نهاية، بل يتسرب عبر الوعي الجمعي في صور متكررة. يتهكم الشيخ المهدي: "من يسمعكم يشعر أن القيامة ستقوم غدًا"، وهي جملة تُكثّف نزوع القرية إلى تضخيم اللحظة حتى تغدو نبوءة. تلك المفارقة تُعبّر عمّا يسميه مرسيا إلياد "الزمن الدائري" الذي لا يسير إلى الأمام بل يعيد نفسه كلّما خافت الجماعة من الفناء.
نخطاي تعيش في هذا الدوران الزمني؛ فالخوف من النهاية يتحول إلى وسيلة للنجاة، والكارثة تصبح شكلاً من أشكال استمرار الوجود.
الحكاية الجماعية وتمويه الوعي
تتحرك رواية عصمت عبر تعدد الأصوات وتبادل الرؤية بين الأفراد والجماعة، فلا نسمع صوت الراوي في عزلة، بل في تماهٍ مع الآخرين الذين يتكلمون من خلاله. إن الحكايات في "نخطاي" لا تروى لمجرد التسلية، وإنما لتثبيت هوية مهددة. يقول النصّ:
"لأهل نخطاي طريقتهم الخاصة في رواية الحكايات... رغم أنها نفس الحكاية، تأخذ في كل مرة طابعًا مختلفًا، كأنها حكاية مفتوحة... حكاياتهم صورة لأرواحهم، ومرآة تعكس أفكارهم".
تقوم الحكاية هنا بوظيفة وجودية؛ إنها وسيلة للبقاء أكثر من كونها وسيلة للتعبير. إنها ما يسميه ميخائيل باختين "تعدد الأصوات كفضاء للحوار"، حيث كل رواية للحدث تنقض سابقتها لتُعيد تأويلها وفق رغبة جديدة أو جرح قديم. وهذا التكرار ليس عجزًا، بل شكل من أشكال المقاومة، لأن أهل "نخطاي" لا يملكون إلا اللغة ليصنعوا لأنفسهم مكانًا في العالم.
حين يبتكر الناس قصصهم عن السيد مرجان ولقائه بعبد الناصر، لا يزيفون التاريخ بقدر ما يصنعون معنى لوجودهم داخله. إنهم لا يريدون اعترافًا رسميًا، بل يريدون أن يشعروا بأنهم كانوا هناك، في قلب الحكاية الكبرى. تلك الرغبة في الاعتراف تكشف عما يمكن تسميته "تمويهًا إدراكيًا"، أي إعادة تشكيل العالم وفق ما يسمح لهم بالتصالح مع خساراتهم. فما يبدو خيالًا هو في الحقيقة صورة باطنية للحرمان الجمعي، ومحاولة لتثبيت الذات في وجه التهميش.
وقد يتمسك كاتب من "نخطاي" بالوقوف داخل هذه اللعبة؛ فشخصية سامي العفيفي تنطق برغبة موازية في الخلق: "أريد أن أكتب هذه الرواية وأجعل أحداثها لامعة... أريد أن أخلق قيمة لنفسي".
إنه لا يكتب من أجل الحكاية، بل من أجل المعنى. الكتابة عنده فعل تعويض، لا استعادة. وهذا ما يتبناه الراوي عن أهل نخطاي: "بقيت الحكايات محمولة في أعماقهم حتى أنهم كانوا يتعرفون على بعضهم بها"، يتبدى أن الذاكرة أصبحت مرآة الهوية الوحيدة الممكنة في عالمٍ لم يعد يعترف بالثابت.
الذاكرة وتحوّل الأسطورة
وفي عالم "نخطاي"، لا تنبع الذاكرة من الحنين، بل من الحاجة إلى المقاومة. إن استدعاء الماضي هو فعل تحدٍ لا بكاء على الأطلال. فالذكريات في الرواية تمارس سلطة قاسية، تُحاكم الحاضر وتُعيد كتابته وفق منطقها الخاص. يصف الراوي مشهد طابور المدرسة وتمجيد الشهداء بما يشبه المسرح الرمزي لتكرار الطاعة، حيث تتحول الطقوس اليومية إلى تدريب على الخضوع. هنا يحضر وعي حنّة أرندت حين تصف الطاعة بأنها "الاستقالة الطوعية من التفكير". إن النصّ يكشف بمهارة هذا الاستسلام الموروث، لكنه يفعل ذلك دون وعظ أو ميلودراما، عبر مفارقات تجمع السخرية بالشجن.
وفي عالم نخطاي، لا تنبع الذاكرة من الحنين، بل من الحاجة إلى المقاومة. إن استدعاء الماضي هو فعل تحدٍ لا بكاء على الأطلال
تبحث "نخطاي" في تفاصيلها الصغيرة عن عزاءٍ يعيد المعنى للحياة. "تفاصيل الأيام الفارقة... تبقى محفورة في الذاكرة، يُعاد حكيها فلا يتمكن الاعتياد من طمس اللمسة المفارقة في طياتها".
فالفشل يُروى ليصير وسيلة لاستبقاء الأمل. الراوي سامي يحوّل خسارته باعتباره صحفي إلى مشروع كتابة يبرر العتمة التي يعيشها. الذاكرة إذن فعل بناء مستمر، يعيد تشكيل الذات في مواجهة قسوة الزمان.
حين تدخل الحكاية منطقة الخارق والعجيب، لا تفقد اتزانها، بل تكشف عن منطقها الداخلي. عودة الأموات، كرامات الحاجة نفيسة، أو بطولات عبده الجن، كلها تجليات لما يمكن تسميته "الخيال الواقعي" الذي يسمح للمجتمع بترميم صدوعه الرمزية. إنها ليست أساطير بمعناها الغيبي، بل صور نفسية لتوازن هشّ بين الإيمان والعجز. يقترب النصّ هنا من "تكرار الفعل أول" ليعيد الزمن إلى بدايته. فالخارق في نخطاي ليس تهربًا من الواقع، بل إعادة خلق له وفق منطق داخلي يجعل اللامعقول وسيلة للفهم.
الشخصيات بين الخضوع والمقاومة
تُجسد شخصيات الرواية الحركة الخافتة بين الرغبة في الحرية والرضوخ للمصير. الحاجة نفيسة تستمد حضورها من إرث الأجداد، وسلطتها من الخوف الجمعي الذي صنعته الحكاية حولها. إنها تعي أن قوتها لا تأتي من الفعل بل من الصورة المتوارثة، وأن الهيبة التي تكتنفها تمنح الناس نوعًا من الطمأنينة التي تُخفي ضعفهم العميق.
عبده الجن يرمز إلى بطلٍ شعبيّ فقد مبرر وجوده، عاش بين السلطة والناس حتى أصبح مجرد ذكرى. حين تُقطع آخر نخلة في أرض النخيل، يختتم النصّ زمنه الرمزي معلنًا موت البطل وولادة العدم. أما المستشار موسى السماحي فيتجلى مثالًا على استبطان الخضوع: "بدا لي أحيانًا كأنني قبلت اليد الخشبية قبل أن أولد بعشرات السنين". إنها جملة تُكثف الإرث النفسي للطاعة، وتحولها إلى هوية اجتماعية تنتقل بالوراثة.
في المقابل، شخصيات مثل خيري المنوفي وسمية تحمل بذور المقاومة، لكنها لا تجد سبيلًا إلى الخلاص الكامل. الانعتاق هنا مشروط بالحدود التي تفرضها القرية بوصفها عالمًا مغلقًا. فالحرية في نخطاي لا تتحقق بالفعل، بل بالحلم، بالقدرة على تخيّل حياة أخرى ممكنة.
حضور مؤجل
"نخطاي" ليست قرية تُستعاد في الذاكرة، وإنما وعي يتأمل ذاته من خلال الحكاية. الزمن فيها لا يُقاس بالتقويم، إنما يُقاس بما يتبقى من أثر الإنسان حين يعبر العالم. غياب عبد الله في نهاية الرواية ليس حدثًا مأساويًا بقدر ما هو تأكيد على أن النقص جزء من جوهر الوجود. فكل محاولة لتدوين الحكاية هي بحث عن اكتمالٍ لن يحدث، وكل نهاية تُفضي إلى بداية أخرى داخل الوعي.
يصبح المكان استعارة للوجود الإنساني في حالته الهشة، حيث يُعاد تعريف الحقيقة من خلال ما يُروى عنها. وهكذا يتقاطع وعي نخطاي مع فكرة ريكور حول أن "الذاكرة ليست استعادة للماضي بل وعدٌ بالمستقبل". إنها الذاكرة التي تنقذ الذات من الزوال، لأنها تمنحها فرصة لإعادة بناء نفسها كلما انهار المعنى. وفي هذا الأفق، تُغدو نخطاي نموذجًا للإنسان العربي في زمنه المتشظي: يختنق بالأسئلة، ويقاوم بالنغمة الواحدة التي تخرج من قلب الصمت، ليقول إنه ما زال هنا، في آخر الزمان، يحلم أن يكون.







