في ناصرية وساداتية السيسي

في ناصرية وساداتية السيسي

أحد مؤيدي السيسي (محمد الشهيد أ ف ب)

لعل أسوء ما في الخطاب المعارض لعبد الفتاح السيسي، سواء صدر عن العلمانيين أو الإسلامويين، هو استدعاء جمال عبد الناصر، الذي يُصوَّر على أنه أب روحي للأول، ويُنظَر إلى حكمه باعتباره خطًا حين يُمَد على استقامته يؤدي، على نحو لا مفر منه، إلى النظام العسكري القائم.

يبقى السيسي حالة ساداتية من نوع رثّ ومضطرب في نهاية المطاف

السيء في هذا الاستدعاء أنه يقدِّم قراءة خطية للتاريخ، لا تتفهم أي انحناءات أو تعرجات بنيوية (وهذا ليس عجيبًا في زمن يضع فيه أحدهم كتابًا ليقول لنا إن عبد الناصر هو الابن الشرعي لمحمد علي باشا)، كما يتعامى عن الروح الفعلية التي تتلبس رأس النظام وسياساته، عنيتُ الروح الساداتية.

ولا يعني القول بتمثُّل الروح الساداتية أنه ليس ثمة فروق تُذكر، بين السادات والسيسي، إذ يبقى الأخير حالة ساداتية من نوع رثّ ومضطرب في نهاية المطاف. فالسادات يظل، كما أوضح محمد حسنين هيكل في "خريف الغضب"، على ما في الكتاب من تعبيرات عنصرية وطبقية زاعقة، ممثلًا مسرحيًا لافتًا.

ما ينفصل فيه عبد الناصر عن الآخرَين، السادات والسيسي، هو أنه، أولًا، لم يكن حاكمًا شوفينيًا يكرس الاستعلاء والانعزالية القطريين. صحيح أن القومية العربية، في الأفق الناصري، تبقى شيئًا خاضعًا للوطنية المصرية، لكن ذلك ليس من مدخل الحط من بقية العرب وإنما من منطق أبوي له مشكلاته الأخرى. لم يروِّج عبد الناصر لكراهية غير المصريين، من العرب أو غير العرب. وما طال العرب، وخصوصًا الفلسطينيين، من ظلم وعسف على نحو معمم بدأ في سني السادات، إثر عقده معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، في عام 1979، وتم صقله في العقود الثلاثة التي حكم فيها حسني مبارك (وفي عهده كانت تثار الشوفينية حتَّى ضد الفنانين العرب المروِّجين للنظام بدعوى أنهم كانوا يأخذون من نصيب نظرائهم المصريين في السوق الفنية).

ولم يكن عبد الناصر، ثانيًا، حاكمًا مسرحيًا. صحيح أن الرجل قد تميَّز بقدرة فائقة على "شرشحة" الخصوم السياسيين ومسرحة السياسة، لكن السادات قد اجتازه في ذلك بفراسخ. وبينما ابتعد عبد الناصر ومبارك عن النزعة الفلكلورية، إذ لم يرتد أيًا منهما الزي العسكري بعد تولي الرئاسة، أو لم يُفرطا في التنقل بين زي وآخر أو هيئة وأخرى، تملّكت المبالغة الفلكلورية من كل من السادات، الذي ارتدى أغلب أنواع البِدَل العسكرية، واشتهر بصولجانه، وغليونه، و"زبيبته"، والسيسي، الذي يبدو أن البدلة المدنية تُحدث في جسده حكة ما، وتلك العسكرية تأتيه بيوفوريا استثنائية.

ولم يكن عبد الناصر، ثالثًا، حاكمًا متزلّفًا. على النقيض من ذلك، كان أصدق تعبير عن "ارفع رأسك يا أخي العربي". وهو لم يطرح الشعب المصري كأدة "جرادية" لتخويف العالم وابتزازه، ولم ينظر إلى "وطني الكبير" [العالم العربي كمّا يُسمى في المعجم العروبي] بوصفه خِزانة أو بطاقة ائتمانية، وإنما "وحدة" في وجه الكيان الصهيوني، لا تتم إلا بالتخلص من القوى الرجعية.

إن هذا، وغيره الكثير في المسائل الاجتماعية والاقتصادية التي يُفترض أنها واضحة بما يكفي، ليس من قبيل المفاضلة بين مستبد وآخر، إذ يبقى عبد الناصر، في التحليل الأخير، حاكمًا مستبدًا وبرجوازيًا صغيرًا. لكنه ضرب من التفنيد والتمحيص الذي لا ينبغي القفز عليه أو مجافاته، نظريًا أو سياسيًا. وإذا كان تناول الأمر من باب المفاضلة نوعًا من قصر النظر، فإن المضاهاة بين ناصر والسيسي أقرب إلى العمى من أي شيء آخر، أو، بالأحرى، إلى التعامي.