في مديح السيدة الجليدية

في مديح السيدة الجليدية

فيسبوك

عكست مواقع التواصل الاجتماعي، في ردة فعلها على قرار الحكومة الألمانية بإيقاف العمل باتفاقية دبلن، الطريقة التي يقارب فيها العقل العربي تعاطيه مع الشأن السياسي، فذهب أحد مدراء المجموعات إلى وضع صورة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وسط قلب حب أبيض، محمولًا على ألوان العلم الألماني. ولقد بلغ به الحرص به إلى إضافة عبارة "منحبك"، أسفل الصورة، تخوفًا من قيام بعض قراء إعلانه بإساءة تفسيره.

اعتاد العربي المطابقة بين طريقة إدارة الأب لشؤون أسرته وطريقة إدارة الحاكم لشؤون شعبه 

تعكس تلك الكليشة المجانية التي اختطها صاحبها طبيعة َمقاربة العقل العربي للسياسية من حيث أنها علاقة حبٍّ بين طرفين. جذور هذا التفكير تكمن في عقلٍ ما زال يتخذ من السحر وسيلة لإدراك الظواهر الطبيعية والاجتماعية التي تحيط به. فقد اعتاد العربي المطابقة بين طريقة إدارة الأب لشؤون أسرته وطريقة إدارة الحاكم لشؤون شعبه، رغم اختلاف طبيعة كل منهما من حيث الجوهر.

استمرأ الحكام العرب عبر التاريخ هذه العلاقة، وعملوا على تكريسها في الثقافة الشعبية بكل ما أوتوا من قوة وفطنة وسعة حال. تخفي علاقة الحب تلك الطابع اللا أخلاقي للسلطة التي تهدف إلى التحكم بمصائر الآخرين وإخضاعهم، من حيث كونها سلطة عسف وتسلط واستباحة حياة وممتلكات المحكومين. فبموجبها يستطيع الحاكم، من موقعه كأب، أن يعتبر كل نقد يطاله بمثابة قلة أدبٍ ووقاحة تتطلب التعنيف في الحد الأدنى، وتمرد وخروج على سلطته، يستوجب العقاب والقصاص في حده الأقصى. ومن جهة ثانية، استسلم لفكرة تحويل كل تحسين يقوم به لحياة رعاياه بمثابة مكرمة أو هبة أومنحة، تستوجب الشكر والاستحسان والامتنان لواهبها.

لا غرابة إذًا أن نرى صاحب هذه الصفحة الالكترونية، أو سواه، ينهال بالمديح على عطايا السيدة ميركل، ويستسهل تقديم ولاء الطاعة لها تحت مسمى الحبّ. كان من الأجدر من أصحاب تلك الصفحات التوجه بالشكر للشعب الألماني الذي يموّل من جيوب أبنائه إقامة اللاجئين اللذين يستضيفهم على أراضيها. لكنهم يصرون، مع الأسف الشديد، أن يدمجوا عن سابق جهل بين زعامة الحاكم الذين عاشوا في ظله، وبين دور المستشارة الألمانية التي تستمد، بموجب الدستور، مشروعية بقائها في سدة الحكم من حيث إنها تعمل على تحقيق مصالح الشعب الألماني.

ليس بالحب تدار الاوطان أيها السادة، هذا ما تقوله وقائع الحادثة التي كانت بطلتها السيدة أنجيلا ميركل نفسها. ففي معرض إجابتها على سؤال وُجه إليها من الطفلة الفلسطينية اللبنانية ريم سحويل، ذات الأربعة عشر ربيعًا، عن إمكانية ترحيلها هي وعائلتها من ألمانيا كونها لا تحظى بصفة الأشخاص الذين يحق لهم طلب الحماية الإنسانية.

 بعد حوارها مع الطفلة ريم سحويل، وصفت بعض الصحف الألمانية ميركل بـ"السيدة ذات القلب الجليدي"

قالت السيدة ميركل التي لا تحمل من طابعها الملائكي سوى اسمها الأول: "لأكن صريحة معك يا ابنتي، سيتم ترحيل جميع الأشخاص الذين لا يستوفون شروط البقاء على الأراضي الألمانية". لم تضع السيدة مريكل في اعتبارها حين أجابت أن صاحبة السؤال طفلة، وأن هذه الطفلة مصابة بإعاقة جسدية منذ الولادة، بل قد ذهبت في صراحتها إلى حدّ دفع الفتاة إلى النحيب أمام صراحتها الفولاذية الصادمة التي كانت محل تندر بعض الصحف الألمانية إذ وصفتها بـ"السيدة ذات القلب الجليدي". 

لم تبد ميركل أدنى حد من الحب والشفقة تجاه الفتاة المريضة، ولم تبال بحاجتها الماسة إلى البقاء في ألمانيا من أجل العلاج والدراسة. كل ما أظهرته من حب كان من قبيل: "إنها ليست غلطتك"، وحين أصرت على تغيب أي إمكانية لجلب دموعها على مسرح الحدث، تمكنت وبكل قسوة من إحضار عقلها البارد عبر عبارة: "السياسة غير رحيمة يا ابنتي". 
   
أظهرت السيدة ميركل انسجامها مع دورها كحاكمة حين لم تبع الطفلة أوهامًا لا تستطيع الوفاء بها. كما أظهرت انضباطًا واحترامًا للقوانين التي تحكمها قبل أن تحكم أبناء شعبها. ما لم تقله المستشارة الألمانية قاله اليونان على لسان حكمائهم قبل ألفي سنة "القانون فوق اللآلهة".

دفع رد السيدة ميركل وبكاء الطفلة ريم قضية الأشخاص الذين لا يحصلون على وضعية الحماية الإنسانية إلى الواجهة، ما حدا بالبرلمان الألماني أن يسن قانونًا يعالج مثل هذه الحالات. منح القانون ريم ومن في حكمها حق الإقامة الدائمة في ألمانية التي صارت حقًا للأشخاص الذين أثبتوا مقدرة على تعلم اللغة الألمانية، أو الذين تمكنوا من الحصول على فرصة عمل خلال إقامتهم. بعد سن هذا القانون صار بوسع السيدة ميركل، ذات القلب المتحجر، أن تفاخر بأنها سيدة القضايا الإنسانية الرابحة، إذا ما توافر أشخاص بمثل قامة ريم التي أثبتت قدرة فائقة في تعلم الألمانية والإنجليزية معًا رغم إعاقتها الجسدية.

لا يمكن مقابلة قرارات الحكومة والبرلمان الألماني بعبارة "منحبك"، التي تستهوي الديكتاتور العربي

في الوقت نفسه، يصر صاحب تلك الصفحة على تقديم اقتراح شكر للشعب الألماني، بناء على القرار الحكومي القاضي بتسهيل استقبال مزيدٍ من اللاجئين السوريين عبر القيام بتوزيع الورود على الشعب الألماني في محطات القطارات. ينسى هذا الشخص أن الشعب السوري اليوم في محنة كبيرة وطامة كبرى، ويكاد لا يعرف مقدار القسوة التي يتسبب بها الموت العبثي لكل عائلة، ولا آلام التهجير التي تساوي بمفرازتها مرارة الموت نفسه، ولا ضراوة الكفاح اليومي للحصول على ما يكفي لسد رمق الناس.. فكيف يمكن لفرد من شعب يتعرض يوميًا لكل هذه المحن أن يوزع ورودًا، حتى لو كانت مستحقة وواجبة؟ ثم ألم يتسائل صاحب الاقتراح كيف يمكن للاجئ أن يتمكن من توفير تمويل لهذه الورود، وهو الشخص الذي يعيش على راتب الضمان الاجتماعي؟

ماهكذا تورد الإبل. قرارات الحكومة والبرلمان الألماني تستحق طبعًا كل شكر والتقدير. ولكن هي في طابعها الأغلب ليست قرارات حب يمكن مقابلتها بعبارة "منحبك"، التي تستهوي الديكتاتور العربي بلا شك، ولا بتوزيع الورود. قرارات الحكومة والبرلمان مؤسسة على المنفعة التي تنبع أولًا وأخيرًا من مصلحة الشعب الألماني الذي سيواجه عجزًا ديموغرافيًا في عشرات الملايين من البشر. الأمر الذي سينعكس سلبًا على حياة السكان الألمان في المستقبل القريب.

إذا كان لا بد من الشكر للشعب والحكومة الألمانية فليكن على شكل الالتزام بالقانون الألماني، تفهم القيم الثقافية للمجتمع، تعلم اللغة الألمانية، ثم الإسراع للدخول في سوق العمل. ولنكف عن تدوير الإعلانات التي تحتوي اقتراحات لا تغني ولا تسمن من جوع.