ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

في لحظة إقليمية مشتعلة: نتنياهو يوقع صفقة الغاز مع مصر

18 ديسمبر 2025
حقل ليفياثان
منصة الغاز التابعة لحقل "ليفياثان" الإسرائيلي (رويترز)
عماد عنان عماد عنان

بعد سجال سياسي وإعلامي دام أشهر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المصادقة على صفقة الغاز الجديدة مع مصر، واصفًا إياها بأنها "الأكبر في تاريخ إسرائيل"، ومقدّرًا قيمتها بنحو 35 مليار دولار، في تصريح يعكس حجم الرهان السياسي والاقتصادي الذي توليه تل أبيب لهذا الاتفاق.

الإعلان، الذي جاء في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2025، لم يكن مجرد بيان اقتصادي، بل رسالة واضحة عن انتقال الغاز من كونه موردًا طبيعيًا إلى أداة استراتيجية في حسابات القوة والنفوذ الإقليمي.

تفاصيل الصفقة، كما كشفتها شركة "نيو ميد إنرجي" الشريك في حقل "ليفياثان"، تشير إلى تعديل جوهري على اتفاق التصدير الموقع مع الجانب المصري، يتضمن إضافة نحو 4.6 تريليون قدم مكعب من الغاز، موزعة على مرحلتين: الأولى فورية بكمية 20 مليار متر مكعب، والثانية مشروطة باستثمارات وتوسعات في البنية التحتية، وتشمل 110 مليارات متر مكعب إضافية.

كما يمدد الاتفاق فترة التوريد حتى عام 2040، ما يمنح إسرائيل تدفقات مالية طويلة الأجل ويعزز موقعها كمصدر رئيسي للغاز في شرق المتوسط، عبر البوابة المصرية.

غير أن إبرام الصفقة، بعد مسار معقد من العرقلة والتأجيل، أعاد طرح أسئلة جوهرية تتجاوز الأرقام والعقود: كيف تحولت مصر من دولة مصدّرة للغاز إلى مستوردة منه؟ وكيف انتهى بها المطاف إلى رهن أمنها الطاقوي بدولة عدو تاريخي؟

فالاتفاق، في جوهره، لا يعكس مجرد خلل اقتصادي، بل يكشف أزمة أعمق في إدارة ملف الطاقة، حيث تداخلت الحاجة المالية العاجلة مع حسابات سياسية قصيرة المدى، على حساب استقلال القرار الطاقي والأمن القومي طويل الأجل.

يمدد الاتفاق فترة التوريد حتى عام 2040، ما يمنح إسرائيل تدفقات مالية طويلة الأجل ويعزز موقعها كمصدر رئيسي للغاز في شرق المتوسط، عبر البوابة المصرية

مسار متأرجح

لم يكن توقيع بنيامين نتنياهو على صفقة تصدير الغاز إلى مصر خطوة سلسة أو محسومة، بل جاء نتاج مسار متقلب اتسم بالمناورة والتردد والعرقلة، فمنذ اللحظة الأولى، بدت الصفقة محمّلة باعتبارات سياسية وأمنية تتجاوز منطق الاقتصاد البحت، ما جعلها عرضة للتأجيل وإعادة التقييم أكثر من مرة، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاشتعال.

في آب/ أغسطس 2025، أعلنت تل أبيب إبرام اتفاقية لتصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر حتى عام 2040، بقيمة تقارب 35 مليار دولار، ووصفتها بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل، غير أن الإعلان فجّر موجة غضب واسعة في الشارع المصري والعربي، إذ تزامن مع استمرار الحرب على غزة، واعتُبر لدى قطاعات واسعة تطبيعًا اقتصاديًا مع دولة تُتهم بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، في لحظة عجز عربي رسمي غير مسبوقة.

أمام هذا الغضب، حاولت القاهرة احتواء المشهد عبر نزع الطابع السياسي عن الصفقة، مؤكدة أنها مجرد امتداد لاتفاق 2018 وليست اتفاقًا جديدًا، غير أن هذا التبرير لم ينجح في تبديد التناقض الواضح بين الخطاب المصري الداعم للحقوق الفلسطينية، وبين تعميق الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل، ما وضع الدولة في مأزق أخلاقي وسياسي مزدوج.

التعقيد ازداد في حزيران/ يونيو حين أوقفت إسرائيل إنتاج الغاز من حقولها البحرية بحجة اعتبارات أمنية مرتبطة بتصاعد التوتر مع إيران، ما أدى إلى توقف الإمدادات لمصر بشكل كامل قبل استئنافها لاحقًا.

ثم جاء التصعيد الأكبر في أيلول/ سبتمبر، عندما أعلن نتنياهو فجأة عزمه إعادة النظر في الاتفاق، مبررًا ذلك بالتحركات العسكرية المصرية في سيناء، وواصفًا إياها بأنها تمثل تهديدًا للملحق الأمني لاتفاقية السلام، في خطوة بدت أقرب إلى توظيف سياسي للغاز كورقة ضغط.

ورغم الرد المصري الحازم، الذي حذّر من تداعيات اقتصادية وسياسية على إسرائيل نفسها، وأكد امتلاك القاهرة بدائل محتملة، فإن المفارقة بلغت ذروتها في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر، حين أعلنت تل أبيب تعليق تنفيذ الاتفاق بدعوى خلافات تتعلق بالتسعير وضمان تلبية الطلب المحلي.

الولايات المتحدة تضغب

هذه الخطوة المفاجئة أدت إلى توتر مع واشنطن، ما دفع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت لإلغاء زيارته التي كانت مقررة لتل أبيب في ذلك الوقت، لتتسع دائرة الأسئلة لاحقًا حول خلفيات هذا التعليق، وسط أحاديث تدور حول ضغوط أميركية مكثفة لإجبار الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ الاتفاق وإبرام الصفقة، لصالح حسابات اقتصادية وسياسية ولوجستية.

ورغم الطابع الخاص للعلاقة الأميركية–الإسرائيلية، فإنها لم تكن يومًا علاقة شيك على بياض؛ فواشنطن لا تتردد في الصدام مع تل أبيب متى شعرت بأن مصالحها الاستراتيجية على المحك، وحتى في ذروة الدعم الأميركي خلال إدارة ترامب، كان الانحياز لإسرائيل محكومًا بميزان المنفعة الأميركية أولًا، سياسيًا واقتصاديًا، وعندما تُمس هذه المصالح، تتراجع لغة المجاملات سريعًا، ليظهر وجه أكثر صرامة وبراغماتية، لا يأبه كثيرًا بالحساسيات السياسية الإسرائيلية.

وفي هذا الإطار، تنظر الولايات المتحدة وأوروبا إلى غاز شرق المتوسط باعتباره ركيزة أساسية لتنويع مصادر الطاقة وتوسيع النفوذ الجيوسياسي في منطقة تتصاعد فيها المنافسة الدولية، ومن هنا، ترى واشنطن أن تعطيل اتفاق الغاز المصري–الإسرائيلي لا يمس القاهرة وحدها، بل يعرقل مشروع "الممر الهندي–الأوروبي" (IMEC) الذي تراهن عليه كبديل استراتيجي لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وبما أن أي اهتزاز في هذا المسار يهدد ثقة المستثمرين ويقوّض الاستقرار المطلوب لإنجاحه، فإن من غير المرجّح أن تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بالاستمرار في المناورة، بل ستواصل الضغط لدفعها نحو حسم الاتفاق واستئناف تدفق الغاز دون مزيد من التعطيل، وهو ما تم فعليًا.

ملامح خارطة الغاز المصرية… ثروة غير متوازنة

يمثل الغاز الطبيعي حجر الزاوية في منظومة الطاقة المصرية، سواء على مستوى الاستهلاك المنزلي أو الصناعة أو توليد الكهرباء. وتنقسم خارطة الإنتاج إلى ثلاث مناطق رئيسية، البحر المتوسط بنسبة تقارب 62% من إجمالي الإنتاج، دلتا النيل بنحو 19%، الصحراء الغربية بنسبة 18%.

وتعمل في مصر قرابة عشرين شركة تنقيب وإنتاج، تجمع بين شركات وطنية مثل "بتروبل" و"خالدة" و"بدر الدين"، وأخرى أجنبية عملاقة مثل "إيني" الإيطالية، و"بي بي" البريطانية، و"شل" الهولندية، و"أباتشي" الأمريكية، وتحتضن البلاد عشرات الحقول، يتصدرها حقل "ظُهر" العملاق باحتياطي يُقدَّر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، يليه عدد من الحقول الكبرى في شمال الإسكندرية والدلتا.

غير أن هذه الثروة، على ضخامتها، ظلت تعاني اختلالًا هيكليًا بين الإنتاج والاستهلاك؛ إذ تُقدَّر الفجوة بنحو 2.8 مليار قدم مكعب يوميًا، في ظل إنتاج يقترب من 4 مليارات مقابل استهلاك تجاوز 6.8 مليارات، ما وضع الحكومات المتعاقبة أمام معادلة صعبة: الترشيد، أو الاستيراد.

مرحلة الفائض وتصدير الغاز لإسرائيل (2005–2011)

خلال أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، حققت مصر فائضًا ملحوظًا في إنتاج الغاز نتيجة اكتشافات كبرى في البحر المتوسط والدلتا، ما دفع الدولة إلى تبني خيار التصدير كمصدر للعملة الصعبة. غير أن المفاجأة الصادمة تمثلت في اختيار إسرائيل كوجهة رئيسية للتصدير.

في عام 2005، وقّعت القاهرة اتفاقًا مع شركة شرق المتوسط للغاز (EMG) لتصدير نحو 1.7 مليار متر مكعب سنويًا لإسرائيل لمدة 20 عامًا. لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في التصدير بحد ذاته، بل في الشروط المجحفة، أبرزها بيع الغاز بسعر يتراوح بين 0.7 و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، في الوقت الذي بلغت فيه تكلفة الإنتاج نحو 2.65 دولار، إضافة إلى إعفاءات ضريبية سخية للشركة الإسرائيلية.

أثار الاتفاق موجة غضب شعبي وبرلماني واسع، وصدرت أحكام قضائية ببطلانه، إلا أن الحكومة تمسكت به حتى اندلاع ثورة يناير، وسط اتهامات مباشرة بإهدار المال العام والفساد السياسي.

الانهيار الأمني وتراجع الإنتاج… من التصدير إلى الإلغاء

مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في سيناء بعد 2011، تعرض خط أنابيب العريش–عسقلان لأكثر من 15 تفجيرًا، ما أدى إلى تعطل الإمدادات. تزامن ذلك مع تراجع حاد في الإنتاج المحلي نتيجة نضوب بعض الحقول، وتأخر تطوير أخرى، وتباطؤ الاستثمارات الأجنبية.

في نيسان/ أبريل 2012، وتحت ضغط شعبي واسع، أعلنت مصر إلغاء اتفاق تصدير الغاز لإسرائيل، رسميًا بسبب عدم سداد المستحقات والمخاطر الأمنية. لكن الإلغاء لم يكن انتصارًا استراتيجيًا بقدر ما كان بداية أزمة داخلية خانقة، تمثلت في انقطاعات الكهرباء وتوقف المصانع، ما دفع الدولة لأول مرة للتفكير الجدي في الاستيراد.

حقل "ظُهر" … الاكتفاء الذاتي المؤجل

أعاد اكتشاف حقل "ظُهر" عام 2015 الأمل بتحقيق الاكتفاء الذاتي، فالحقل، الأكبر في شرق المتوسط، رفع الإنتاج إلى نحو 3 مليارات قدم مكعب يوميًا بحلول 2018، وجرى الترويج له إعلاميًا باعتباره "كنز مصر الاستراتيجي".

لكن هذا الاكتشاف لم يُستثمر ضمن رؤية طويلة الأمد لإدارة الاحتياطي، بل جرى التعامل معه باعتباره موردًا سريعًا للإنقاذ المالي، لا ركيزة للأمن الطاقي المستدام.

المفارقة الكبرى… استيراد الغاز الإسرائيلي (2018)

في ذروة الحديث عن الفائض، فاجأت الحكومة المصرية الجميع بتوقيع اتفاق لاستيراد الغاز من إسرائيل بقيمة 15 مليار دولار (لاحقًا ارتفعت إلى 35 مليارًا)، عبر شركة "دولفينوس"، من حقلي "تمار" و"ليفياثان".

بررت القاهرة الخطوة بالسعي للتحول إلى مركز إقليمي لتسييل الغاز، مستفيدة من محطتي "إدكو" و"دمياط". لكن عمليًا، حققت إسرائيل مكاسب استراتيجية مضاعفة، على رأسها تسويق غازها دون بناء محطات إسالة، وتعزيز حضورها في السوق الأوروبية، مع استخدام البنية التحتية المصرية كوسيط مأجور.

الحرب الروسية الأوكرانية واستنزاف "ظُهر"

مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية 2022، ارتفعت أسعار الغاز عالميًا، فاندفعت مصر بقوة نحو التصدير لتعويض أزمتها الدولارية، وحققت عائدات قاربت 8.4 مليارات دولار، لكن الثمن كان استنزافًا مفرطًا لحقل "ظُهر"، ما أدى إلى تراجع إنتاجه في 2023 إلى 1.9 مليار قدم مكعب يوميًا.

وللوفاء بعقود التصدير الأوروبية، لجأت الحكومة إلى الاستقطاع من السوق المحلي، فظهرت مجددًا أزمات الكهرباء وارتفاع الأسعار وتخفيف الأحمال، قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها مؤخرًا.

غزة تكشف هشاشة الرهان المصري

جاءت حرب غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لتكشف هشاشة الرهان المصري على الغاز الإسرائيلي، بعدما أوقفت تل أبيب الإمدادات مؤقتًا، ثم خفّضتها لاحقًا، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الغاز يمكن توظيفه كسلاح ضغط.

ورغم ذلك، مضت القاهرة في تعديل الاتفاق وتمديده حتى 2040، في خطوة ربطت أمن الطاقة المصري بإرادة دولة الاحتلال، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لتكشف رحلة التحول من التصدير إلى الاستيراد أن أزمة الغاز في مصر ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة في المقام الأول.

فبين التفريط في الفائض، وسوء تسعير الصادرات، والاستنزاف غير المحسوب، والارتهان لمورد غير موثوق، دفعت مصر ثمن غياب الرؤية الاستراتيجية، لتتحول من لاعب واعد في سوق الطاقة إلى دولة تبحث عن الغاز لدى خصمٍ سياسي وتاريخي.

إسرائيل الرابح الأكبر

في جوهر هذه الصفقة، تبدو إسرائيل الرابح الأكبر بلا منازع، إذ تمثل لها شريانًا ماليًا حيويًا في لحظة اختناق اقتصادي فرضتها كلفة الحرب الممتدة وتداعياتها الثقيلة على القطاعات الإنتاجية والمالية.

فتل أبيب، التي راكمت خسائر ضخمة على مدار أكثر من عامين من التصعيد، كانت في حاجة ملحّة إلى اتفاق طويل الأجل بهذا الحجم، لا لتأمين تدفقات نقدية مستقرة فحسب، بل لتقليص فجوة العجز وإعادة التوازن لميزانها الاقتصادي المتأثر بارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الاستثمارات.

لكن المكسب الإسرائيلي يتجاوز الحسابات المالية المباشرة إلى بعد أكثر عمقًا وخطورة، يتمثل في توظيف الطاقة كأداة لإعادة إنتاج الشرعية الإقليمية، فمنذ اكتشاف الغاز في المياه الفلسطينية المحتلة، تعمل تل أبيب على إعادة تعريف موقعها في شرق المتوسط، لا بوصفها كيانًا محاصرًا سياسيًا، بل لاعبًا مركزيًا لا غنى عنه في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي، مستثمرة حاجة الدول المحيطة للغاز، وتحوّل الطاقة إلى لغة بديلة لتجاوز العزلة السياسية.

يتحول الغاز إلى وسيلة ابتزاز ناعمة تُدار بعناية، تُستخدم لانتزاع تنازلات سياسية وتعديل سلوك الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها القاهرة، بما ينسجم مع أولويات الأمن والاستراتيجية الإسرائيلية

في هذا السياق، تكتسب مصر أهمية خاصة في الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فهي ليست مجرد مستورد أو وسيط تقني، بل بوابة عبور تمنح الغاز الإسرائيلي شرعية عملية ومقبولة دوليًا.

فمرور الغاز عبر الأراضي المصرية، ثم إعادة تصديره من محطات الإسالة في "دمياط" و"إدكو"، يضفي على المشروع الإسرائيلي غطاءً إقليميًا عربيًا، ويكرّس اندماج تل أبيب داخل المنظومة المتوسطية للطاقة، بما يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ والقبول السياسي في المنطقة.

ورقة ابتزاز وضغط

من الخطأ اختزال تعامل إسرائيل مع ملف الغاز في علاقته بمصر ضمن إطار اقتصادي محض؛ فالتجربة التاريخية تؤكد أن تل أبيب تنظر إلى مواردها الطبيعية باعتبارها أدوات سياسة قبل أن تكون مصادر دخل.

وفي هذا السياق، يتحول الغاز إلى وسيلة ابتزاز ناعمة تُدار بعناية، تُستخدم لانتزاع تنازلات سياسية وتعديل سلوك الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها القاهرة، بما ينسجم مع أولويات الأمن والاستراتيجية الإسرائيلية.

ورغم ما شهدته العلاقات المصرية–الإسرائيلية في السنوات الأخيرة من تشابك اقتصادي وتنسيق أمني وتطبيع عملي متدرج، فإن ذلك لم يحل دون توظيف اتفاق الغاز كورقة ضغط استراتيجية عالية الكلفة.

فتل أبيب تسعى إلى استغلال هذا الملف لدفع مصر نحو قدر أكبر من المرونة في قضايا شديدة الحساسية، وفي مقدمتها ملف تهجير سكان غزة، الذي يمثل بالنسبة للقاهرة خطًا أحمر لما يحمله من تهديد مباشر للأمن القومي، فضلًا عن استخدام الوجود العسكري المصري المتزايد في سيناء كورقة ابتزاز، رغم الخطاب الإسرائيلي المتكرر حول "التنسيق الأمني" واستقرار اتفاق السلام.

ويتجاوز أثر هذا التوظيف حدود العلاقة الثنائية، إذ يمنح إسرائيل هامش مناورة أوسع مع العواصم الغربية، من خلال تسويق رواية مفادها أن أي ضغوط سياسية تُمارس عليها ستنعكس سلبًا على أمن الطاقة الإقليمي، خصوصًا في ظل حاجة أوروبا الملحة لمصادر بديلة عن الغاز الروسي.

وبهذا المعنى، لا يعود الغاز مجرد سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، بل يتحول إلى رافعة نفوذ سياسي وسلاح تفاوضي استراتيجي، تُدار من خلاله توازنات القوة في شرق المتوسط وما وراءه.

اليوم، ومع مصادقة نتنياهو على الصفقة، في مشهد تبدو فيه البصمات الأميركية واضحة على تفاصيلها ومساراتها، تعود الأسئلة الثقيلة لتفرض نفسها بقوة: هل ستبقى الصفقة حبيسة الأرقام والأنابيب، أم تمتد ارتداداتها إلى الموقف المصري من حرب غزة، ولا سيما في ملفات شديدة الحساسية مثل التهجير والترتيبات الأمنية الدولية؟ وهل تمهّد هذه الخطوة للقاء سياسي يعيد وصل ما قطعته الحرب بين القاهرة وتل أبيب، وربما يجمع السيسي ونتنياهو على طاولة واحدة لترميم شروخ عميقة في جدار العلاقات؟ أسئلة مفتوحة، لا تحمل إجابات جاهزة، لكنها ترسم ملامح مرحلة جديدة ستتكفل الأيام القادمة بكشف حدودها ومساراتها.

كلمات مفتاحية
النبطية

لبنان على صفيح متفجّر واختبار روما.. هل يدخل حزب الله الإسناد الثالث؟

يتدهور ميدان الشرق الأوسط بشكل خطير على وقع انهيار تفاهمات إسلام آباد وسويسرا، والعودة إلى الحرب بين واشنطن وطهران

صواريخ إيرانية

أين أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني بعد الحرب؟

تخشى الولايات المتحدة وإسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني أكثر من النووي أحيانًا بسبب "عدم التكافؤ الاقتصادي" الذي يخلقه في معادلة الهجوم والدفاع

أميركا وإيران

هل تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب استنزاف؟

هل دخلت الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرب استنزاف تتمحور حول مضيق هرمز بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة

النبطية
سياق متصل

لبنان على صفيح متفجّر واختبار روما.. هل يدخل حزب الله الإسناد الثالث؟

يتدهور ميدان الشرق الأوسط بشكل خطير على وقع انهيار تفاهمات إسلام آباد وسويسرا، والعودة إلى الحرب بين واشنطن وطهران

كأس العالم 2026
رياضة

هل كانت إسبانيا الأفضل في كأس العالم منذ البداية؟

رسخت مباراة فرنسا قناعة أن المنتخب الإسباني كان الأفضل في كأس العالم منذ اليوم الأول، لكنه احتاج فقط إلى مباراة كبيرة ليؤكد ذلك أمام الجميع

صواريخ إيرانية
سياق متصل

أين أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني بعد الحرب؟

تخشى الولايات المتحدة وإسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني أكثر من النووي أحيانًا بسبب "عدم التكافؤ الاقتصادي" الذي يخلقه في معادلة الهجوم والدفاع

كأس العالم 2026
رياضة

كيف أصبح ليونيل سكالوني مهندس نهضة الكرة الأرجنتينية؟

انتقل سكالوني من مدرب عُين اضطراريًا بسبب الأزمة المالية التي لحقت بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، إلى أحد أنجح المدربين في تاريخ كأس العالم