في لبنان.. بركان الغضب ينفجر

في لبنان.. بركان الغضب ينفجر

من احتجاجات لبنان (رويترز)

خلال يومين متواصلين ملأ الشعب اللبناني شوارع وساحات الدولة من شمالها لجنوبها، في مشهد لم تعرفه البلاد في تاريخها، خرج الناس في انفجار عشوائي دون تنظيم ودون تخطيط ضد المنظومة السياسية بأكملها تحت شعار "كلن يعني كلن".

لم يكن يتخيل أحد قبل أيام أن يُهتف ضد رموز وزعماء الطوائف في مناطق نفوذهم وبالقرب من حصونهم المُشيدة

في لبنان الذي يغرق في بحر من الطائفية السياسية، تطفو فوقه طبقة فساد ضخمة، جعلت الشعب يغرق في بحر من الفقر وتردي الخدمات؛ لم يكن يتخيل أحد قبل أيام أن يُهتف ضد رموز وزعماء الطوائف في مناطق نفوذهم وبالقرب من حصونهم المُشيدة.

اقرأ/ي أيضًا: #لبنان_ينتفض ضد المجموعة الحاكمة.. تطورات الشارع على السوشيال ميديا

فمن النبطية معقل حزب الله أحرقت صور ولافتات الحزب، إلى طرابلس شمالًا حيث النفوذ السني لرئيس الوزراء سعد الحريري الذي هتفت الجموع ضده، وداخل الضاحية الجنوبية لبيروت حيث لم يكن يجرؤ شخص أن يتلفظ باسم نبيه بري، رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل؛ هتف المتظاهرون ضده وضد زوجته بأعلى الأصوات.

نفس الشيء حدث ضد وليد جنبلاط زعيم الحزب الاشتراكي والطائفة الدرزية في منطقة نفوذه بجبل الشوف، وهو ما تكرر ضد رئيس الجمهورية، ميشال عون، وصهره وزير الخارجية جبران باسيل من قلب مناطق الأغلبية المسيحية وحيث نفوذ التيار الوطني الحُر. إنه غضب الجميع من جميع الرموز السياسية والطائفية.

إن التعقيد الطائفي في لبنان جعل من السياسة أكثر تعقيدًا، والذي كان أحد أهم الأسباب في حرب أهلية امتدت لأكثر من 15 عامًا، راح ضحيتها قرابة 150 ألف قتيل. والصُلح الذي أنهى تلك الحرب، والمسمى بـ"اتفاق الطائف" رسخ وعزز ذلك التعقيد أكثر، فقد تم تسليم البلاد والعباد إلى زعماء الطوائف الدينية. 

بات هؤلاء الزعماء الطائفيون هم النخبة السياسية والاقتصادية المحتكرة لثروات الوطن، حتى سخّروا كل الموارد لمصالحهم الشخصية، وتضخيم ثرواتهم، في مقابل غلاء وفقر طَحَنَ الغالبية العُظمى من الشعب، الذي تم عزله ضد بعضه في فقاعات طائفية، حتى يكون الغضب بينهم وبين بعض بعيدًا عن سبب أزماتهم. 

وعلى مدار سنوات طويلة، كانت تُلقى المسؤولية من الناس ضد زعماء الطوائف الأخرى، أو تخرج المظاهرات ضد رموز السلطة مجهولة الاسم، دون تسمية أحد بعينه، خوفًا من انتقام أتباعه. إلا أن ما حدث يوم الخميس 16 تشرين الأول/أكتوبر كان أمرًا فارقًا، فلقد خرج أتباع تلك التيارات والطوائف ضد رموزهم وزعمائهم معبرين عن غضبهم من تلك المنظومة التي أفقرتهم.

مؤخرًا، أصبح وضع اللبنانيين أكثر بؤسًا بعد عدة كوارث ومصائب ظهر فيها جليًا حال الشعب اللبناني، فلأول مرة منذ 20 عام ينهار سعر صرف الليرة بشكل أكبر، وبعد عقدين حافظت الدولة على سعر صرف 1500 ليرة مقابل دولار أمريكي واحد، لكن بسبب نقص السيولة وتفشي السوق السوداء، وصل الدولار في بعض الصرافات إلى 1600 ليرة. 

تلك الحالة الاقتصادية التي أثرت على جوانب الحياة، فأضربت محطات الوقود لنقص الموارد الدولارية والوقود، وكذلك أفران الخبز؛ فاقمت من معاناة الناس اتجاه الحكومة لفرض ضرائب جديدة كل نهار، من الوقود إلى الإنترنت، بإجراءات تقشفية تستهدف المواطنين متوسطي ومحدودي الدخل، مع توجه بفرض ضرائب أكثر خلال الموازنة القادمة، ثم جاءت حرائق الجبال التي وقفت الدولة عاجزة أمامها.

ومع التردي الشديد في الخدمات والتضخم الكبير وغلاء المعيشة الشديد (احتلت بيروت المرتبة السابعة عالميًا في ترتيب المدن الأكثر غلاءً في العالم عام 2017) وارتفاع جنوني في أسعار السكن والمواد الغذائية والتعليم والخدمات الصحية؛ خرجت أرقام على الجانب الآخر دفعت المواطنين للانفجار، فهناك فضيحة رئيس الوزراء الذي دفع لعارضة أزياء 16 مليون دولار كهدية، وتضخم ثروات آخرين ووصول نسب عدم المساواة إلى حد أن طبقة الـ1% الأكثر ثراءً، تستحوذ على 58% من ثروات اللبنانيين، أي أن أقل من 42 ألف شخص يحصلون على حصة أعلى من حصة أربعة ملايين و120 ألف شخص مجتمعين، وفقًا للباحث الاقتصادي محمد زبيب. 

كما بلغت قيمة الديون الخارجية قرابة 80 مليار دولار، ليكون نصيب المواطن من تلك الديون 11 ألفا و661 دولار، حيث مثلت الديون الخارجية نسبة 140% من حجم الاقتصاد اللبناني.

تلك الأوضاع دفعت الحشود إلى الانفجار والخروج في الشوارع ضد المجموعة الحاكمة، التي تضخمت ثرواتها أمام الناس واشتهرت قصص فسادها، وقد حاول بعض أفرادها ركوب تلك الموجة، بادعاء تضامنهم مع المتظاهرين، وهو ما قوبل برفض وطرد لكثير من الرموز السياسية، وقد أدى بعض تلك المواجهات إلى وجود ضحايا مثل حادث إطلاق النار من قبل مرافقي السياسي مصباح الأحدب، بعد طرده ورفض محاولته الاشتراك في المظاهرات في نطاق معقله السياسي في طرابلس، ومظاهر أخري من حرق صور ولافتات الأحزاب والزعماء.

وبعد أيام من التظاهر المستمر والغضب الذي أفرغه المتظاهرون في الشوارع، بحرق إطارات السيارات وتكسير واجهات المحلات؛ لم يخرج أحد من المسؤولين ليعلن عن أية إجراءات تهدئ الناس سوى أخبار عن إلغاء ضريبة المكالمات عبر الانترنت، ومهلة 72 ساعة طلبها رئيس الوزراء سعد الحريري خلال خطاب قصير.

حاول بعض أفراد المجموعة الحاكمة ركوب موجة الاحتجاجات بادعاء التضامن مع المتظاهرين، ما قوبل بالرفض وطرد لكثير من الرموز السياسية 

يجعل ذلك من نهايات الحراك مفتوحة، بداية من تصاعد الغضب وانفجارات أكبر تُطيح بنظام ما بعد الطائف، أو استقالة الحكومة كإجراء شكلي لا يغير كثيرًا من النظام الحالي، أو انتهاء الموجة دون تغيير. إلا أن ما يُجمع عليه الكل في لبنان هو أن ما يحدث استثناء لبناني لم يحدث من قبل، ولم تشهد مثله البلاد تاريخيًا وإن لم تنجح هذه الموجة فستأتي موجات أشد وأضخم قد تقود البلاد إلى سيناريوهات أخطر.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

استمرار التظاهرات في لبنان ومسلحو الأحزاب يقمعون المحتجين

لبنان ينتفض.. الشعب أراد الحياة