في شارع أكسفورد

في شارع أكسفورد

انا اوكيرو/ بريطانيا

ينظر إلى ساعته، إنها الرابعة عصرًا، ما زال الطقس متأرجحًا ومتقلّبًا بين صحو وماطر، غائم ومشمس، هكذا طقس لندن المخادع الآسر، كما يعرفه هو وكما يعرفه كل عشّاقها وعابروها، لكن لا أحد من سكّان لندن يهتم بأمر الطّقس، لا أحد يترقّب نشرة الأحوال الجوية، هناك أشياء أخرى أهم من الطقس، لكنك لا تعرف ما هي.

يتزاحم المارة على رصيف الشارع، يقفون وعيونهم معلّقة بالإشارة الضوئية التي تقودهم نحو العبور لمجرد أن يصبح لونها أخضر، تتساقط قطرات المطر وسرعان ما تتزايد حتى تصبح زخّات متواصلة، يفتح العابرون مظلّاتهم ليحتموا بها من بلل المطر، كانوا مستعدين تمامًا لتغيّر الطقس المفاجئ، لكنه لم يكن مستعدًّا ولا متهيّئًا، فهو لا يحمل مظلّة، ولا يرتدي البدلة الواقية من المطر، حتى المظلة التي نصحه عامل الفندق بأخذها معه لحظة خروجه، لم يأخذها بل تركها عند بوابة الفندق.

تمطر بغزارة، يسحب الغطاء الملحق بياقة الجاكيت الذي يرتديه، فيغطي بها رأسه، يعبر الشارع مسرعًا مع من عبروا، يضيع بينهم، يقفون عند إشارة أخرى، فيقف معهم، ورغم أن إشارة العبور حمراء لكن البعض ينسلّ راكضًا حينما يتأكد بأن الشارع فارغ من السيارات، يسمع صوت فتاة خليجية تقول لأبيها:

- اشفيك يُبه تبي تقطع الشارع، ما تشوف الإشاره حمراء.

- يبه شفت الناس رايحة، قلت أروح معاهم.

من اللهجة يجزم أن الأسرة من البحرين، يتذكر حلوى شويطر التي تذوقها للمرة الأولى حينما أحضرتها لهم عمته التي سكنت البحرين لأن زوجها كان يعمل هناك، ولا يرها إلا كل صيف  حينما تأتي لزيارتهم وهي محملة بالهدايا والحلويات، تذكّر (متّاي البحرين والمهياوة) فسال لعابه، وكم حلم بالسفر إلى البحرين، وبتلك الدروب والحارات التي كانت تتحدث عنها عمّته، والتي كثيرًا ما طلبت من أمه أن تزورها، لكن أمه تتعلل بأنه لا يوجد لديها جواز سفر، يبتسم وهو يتذكر أنه كبر وسافر دولًا كثيرة في العالم إلا البحرين، ولم يعشق من كل تلك الدول سوى لندن، ولا يدري ما الذي يحبّه فيها دون غيرها من المدن، هناك ما يشدّه في لندن ويجعله يعود إليها بعد كل زيارة، فتكون محطته الأخيرة بعد جولاته السياحية في الدول الأوربية المجاورة لها، تكاد تعرفه شوارع لندن كما يعرفها، كما تعرفه الأزقّة والأشجار في حديقة الهايد بارك، التي يبدأ فيها مشواره اليومي برياضة المشي منذ الصباح ثم الجلوس في المقعد المقابل للبحيرة لمراقبة البط السمينات بفضل ما يقدّمه لها الخليجيون خاصة ومرتادوا الحديقة من فتات الخبز.

يقف على الرصيف المقابل لمحلات "Primark" المزدحم بالزبائن الذين يخرجون من هناك محمّلين بأكياس ورقية بنية اللون مليئة بالمشتريات، لكنه لا يدخل إلى هناك، فهو في طريقه لشراء لعبة لابنته من محلٍ آخر، ومن ثم سيتجه إلى محلات "جيدي سبورت" لشراء قميص رياضي عليه شعار الفريق الرياضي الذي يشجعه ولده.

يرمي ببصره إلى الجهة الأخرى من الشارع المزدحم، فيراها تتكىء بظهرها على جدار محطة "ماربل آرش" لمترو الأنفاق، تناول صديقتها الهاتف، تطلب منها أن تلتقط لها صورة، يفكر إنه كان بإمكانها الذهاب إلى حديقة الهايد بارك والتقاط الصور هناك، ستبدو فاتنة أكثر وهي تقف وسط ذلك البساط الأخضرالممتد بامتداد رؤية العين، أو حتى بالقرب من البحيرة، وستبدو أكثر فتنة وجاذبية لو التقطت الصورة وهي تحتضن جذع شجرة عملاقة من تلك الأشجار المزروعة في الحديقة، أو حتى تطعم أحد السناجب بندقة صغيرة، يبتسم وهو يضبط نفسه بجرم التفكير في امرأة لا يعرفها. يهرب من فكرة زاوية التصوير أو مكان التقاط الصورة، فتنشغل عينه بملامح وجهها وهي تتهيأ لالتقاط الصورة.

تعترض طريقه امرأة عجوز،لا يبدو أنها أوروبية، تحمل باقة ورود صفراء، تخرج له من الباقة وردة، تطلب منه أن يشتريها، تناوله إياها، تشير إلى فمها أنها تريد أن تأكل بثمنها، يبحث في جيبه عن قطعة نقود بقيمة باوند أو باوندين فيعطيها إياها، يأخذ الوردة، إنه لا يريد الوردة، ولا يعرف ماذا سيفعل بها، فآخر وردة اشتراها كانت لزوجته في عيد ميلادها وقد كان ذلك منذ سنوات، تذكر أنه منذ زمن طويل لم يدخل محلًا للورد، ولا يعرف حتى أسماء الورد، يقلّب الوردة بين يديه، يلتفت هنا وهناك باحثًا عن المرأة العجوز كي يرجع لها الوردة فلا يجدها.

يعود للنظر إلى الرصيف المقابل، فيجد المرأة وصديقتها ما تزالان هناك، يضع الوردة في إحدى المقاعد بمحطة انتظار الترام، بينما تشير لها صديقتها بيدها، بأن وضعها أصبح مناسبًا للصورة، لكنها تطلب من صديقتها التريث قليلًا بإشارة أخرى من يدها، كما تهيأ له.

تحرك قليلًا ليكون أقرب إليها، استطاع أن يراها وهي تخرج مرآة صغيرة من حقيبتها، تتأمل وجهها الدائري الأبيض، تخرج قلم كحل فتخط به تحت عينيها، تنظر للمرآة مرة أخرى، تتأمل تفاصيل ملامح وجهها التي تبدو لعينه الخبيرة إنها في الثلاثين من العمر أو على مشارف الأربعين، يبدو إنها لم تقتنع تمامًا، تخرج علبة الماسكرا، تفتحها لتخرج فرشاة لولبية مغمورة باللون الأسود، تحرك الفرشاة المشبّعة باللون على رموشها، تعيد الحركة أكثر من مرة، تنبش في حقيبتها مرة أخرى فتخرج هذه المرة أنبوب لسائل لمّاع من أحمر الشفاة، تضيف قليل من اللون الأحمر على شفتيها، حتى تتأكد أنهما أصبحتا ممتلئتين وشهيتين كفاكهة كرز طازجة، تُصلح شعرها الكستنائي الطويل، تأخذ خصلة منه، فتنساب على صدرها الممتلىء، بينما تترك الباقي منسدلًا على كتفيها وظهرها، ترسم ابتسامة على وجهها، تعدّل من وقفتها وهي متكئة على جدار المحطة لالتقاط الصورة، تحني رأسها قليلًا إلى الأمام بدلع أنثوي يبدو طبيعيًا وتلقائيًا للمشاهد، تضع يدها على خدها في التقاطة أخرى، بحركة لا تخلو من الغنج، ترفع شعرها، تسدله، تقوم بعمل تلك الحركة الشهيرة "حبتين"، يبتسم والخيالات تلعب بقلبه يمينًا ويسارًا، ليراها تقف بجانبه، في حضنه، يغمر وجهها بسيل من القبلات، يقبّل شفتيها فلا تعترض، يلعن الشيطان ويبتسم، دون أن تعلم المرأة أن هناك أكثر من عدسة تلتقط صورتها في تلك اللحظة.                                                       

يطرد تلك الخيالات العذبة، يشدّه صوت إيقاع المعزوفة التي يعزفها الموسيقيّ في الشارع والتي كانت معزوفة لبيتهوفن، يتجمع العابرون حوله، تمتلئ القبّعة التي وضعها بالقرب منه بالقطع النقدية المعدنية، إنه نوع راق من التسول كما يحدّث نفسه، في نفس الوقت تمرعربة من أمامه تحمل نساء خليجيات، وقد قام قائد العربة بتشغيل أغنية لمطرب خليجي معروف، تبحث عيناه عن المرأة المشتهاة، فيجدها وصديقتها ما زالتا تلتقطان الصور، تناولها صديقتها الهاتف، تشاهد الصور الملتقطة لها، تمرر إصبعها على شاشة الهاتف، ربما أرسلتها إلى حسابها في الفيسبوك أو الانستغرام، أو إلى حبيب ينتظر الصورة في مكان آخر على شاشة أخرى بين يديه، تدخل هاتفها في الحقيبة، تقترب منها صديقتها، تساعدها على الحركة، فيراها بوضوح أكثر، تخلع نعليها بل قدميها الصناعيتين، تضعهما صديقتها في الحقيبة السفلية للمقعد المتحرك الذي سرعان ما جلست عليه، تساعدها صديقتها بتحريك المقعد، تتجهان صوب إشارة العبور، تصر أن تضغط هي على زر الانتظار والعبور، كطفلة تكتشف لعبة جديدة، تحدّث صديقتها بشيء ما فتضحكان معًا، تنتظران مع المنتظرين لعبور الشارع إلى الجهة الأخرى، تظهر الإشارة الخضراء، تعبران مع العابرين، تختفيان وسط الزحام في شارع أكسفورد.

يقف أمام كشك صغير لبيع "الكوكيز"، والذي يأتي على شكل قطع دائرية كبيرة حتى تكاد كل قطعة منها أقرب في حجمها إلى رغيف خبز عربي، بعضها بقطع الشوكولاتة، وبعضها بحبّات البندق أو الزبيب، يغريه منظرها الشهي، يشتري واحدًا، يتناوله بشهية جائع بطقس شتوي، يقضم قطعة، فتذوب في فمه كقطعة سكّر، يشعر بهشاشتها، وهشاشة شهيته في تناولها، وهو الذي عاهد نفسه مرارًا بأن لا يقترب من السكّر، وأنه سيلتزم بحمية خالية من السكّر وكافة أنواع الحلويات، لكنه يدرك أن شيئين لا يقاومهما وهما السكّر والنساء، وذلك ما يشعل نار الغيرة في قلب زوجته ويشعل فتيل الخلاف بينهما.

يلتفت إلى الخلف يرمي ببصره ويعود بعينيه إلى نفس المكان بالقرب من محطة مترو الأنفاق بمربل آرش، عند نفس الجدار التي كانت المرأة وصديقتها تلتقطان الصور، يقف رجل وظِل امرأة، يلتقط الرجل سيلفي مع الظل الأسود المرافق له دون أن يبتسم، ثم يخبّىء هاتفه في جيب الجاكيت الجلدي الباهض الثمن الذي كان يرتديه، يسير ويتبعه ظِله الأسود، تمطر السماء بغزارة وسط شارع مزدحم بالصور والظلال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السحر الأسود

بين السواد والبياض