في زمن خالد صلاح

في زمن خالد صلاح

خالد صلاح فتى النظام المصري المدلل (فيسبوك)

تصنع الديكتاتوريات العريقة، ديكتاتوريات صغيرة في كل مكان على أرضها، في الدوائر الحكومية، في محال البقالة، في الجامعات، في الحارات وحتى في بيوت الناس.

آلهة الشر تغرس غرسها في كل مكان على الأرض. البذرة تحمل الثمرة الأولى، ثمرة الخطيئة البكر. حين يظن الإنسان أنه إله وهو لا يستطيع أن يكون حتى لو أراد، وحتى لو دامت له الأزمنة. ينطبق كل هذا على ما يحصل في صحيفة اليوم السابع.

يحب المصريون النكات لذا يقولون إن الله خلق الدنيا في ستة أيام، ثم نزل الشيطان ليكتب في "اليوم السابع"

يحب المصريون النكات، لذا يقولون إن الله خلق الدنيا في ستة أيام، ثم نزل الشيطان ليكتب في "اليوم السابع". آخرون كتبوا للمفصولين من صحيفة اليوم السابع: "نتوجه بالتهاني للصحفيين الذين تم فصلهم من جريدة اليوم السابع".

من المفهوم أن ترى في الدول غير الديمقراطية أبواقًا إعلامية للسلطة، تصدر "عقل النظام" على الورق، وتستخدم ألفاظه وأفكاره، نذكر شبكة بريت برايت لستيف بانون، العناوين المثيرة المكتوبة بالخط الكبير، المعارك الوهمية الزائفة، الحدود التائهة بين الخبر والمواقف الشخصية.

عملت لفترة في أحد المشروعات الطموحة لقياس مدى مصداقية العمل الصحفي في مصر. كانت جريدة اليوم السابع محط أنظار المدربين لتوجيه  الشباب الجدد على "ما لا يجب أن يكتبه الصحفي المهني".

اقرأ/ي أيضًا: حجب المواقع في مصر.. البروكسي في مواجهة النظام

واليوم يبدو أن النظام المصري يلعب على المكشوف، بعد أن حجب أكثر من مئة موقع صحفي، ضاربًا عرض الحائط بحقوق الصحفيين، وحق الإنسان في التعبير، وحق الجمهور في الحصول على المعلومة من أكثر من مصدر. يقوم خالد صلاح فتى النظام المصري المدلل، بفصل ثلاث صحفيين فصلاً تعسفيًا، بل ويُعلن بمنتهى البساطة والأريحية أن الموضوع له علاقة بإمضائهم على بيان "مصرية تيران و صنافير" الجزيرتين اللتين سلمهما النظام المصري طوعًا للجارة السعودية رغم الأحكام القضائية التي تمانع التسليم.

من المفهوم أن يتبادر إلى ذهنك أن من يعمل في مؤسسة مثل اليوم السابع، لا يمكن أن يكون صحفيًا حقيقيًا. وأن التوجهات المخابراتية للصحيفة، كل هذه الفترة الماضية، حدثت وتحدث بأقلام صحفييها، وأنهم عملوا بها وهم يعرفون معنى أن يعمل صحفي في "اليوم السابع". لكن يبدو أن ورود أسمائهم في البيان، أثار حفيظة النظام أو هواجسه.

يبدو أن النظام يريد أن يجعل من المؤسسة الصحفية في مصر مؤسسة متوحشة أو نافذة أخرى للبلطجة

النظام اليوم ينتقل من حجب المؤسسات الصحفية التي تعمل ضد هواه إلى مطاردة الصحفيين الذين ركبوا الموجة ضده في مؤسسات صحفية يملكها هو. ولعل هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الزج باسم رئيس الدولة عبدالفتاح السيسي رسميًا في نزاع صحفي، ففي الحيثيات التي ذكرها خالد صلاح للصحفيين الذين طالبهم بإجازة دون مرتب، أو بالإذعان للفصل، هو أن هذه الجريدة يملكها الآن عبد الفتاح السيسي، وهو ما يعني أنه حتى وإن كنت صحفيًا في مؤسسة تعمل بتعليمات "أبانا الذي في المباحث"، فإن هذا لن يحميك من النظام إن أراد أن يطيح بلقمة عيشك.

اقرأ/ي أيضًا: في مصر.. إعلانات المعرفة في بلد التعتيم!

خالد صلاح يتكلم وهو يعرف أنه لن يُحاسب. ويعرف أنه ابن شرعي لهذا النظام. وهو يمثل نفسية هذه الدولة التي تحمي "عيالها" من العقاب باسم القانون. فهي تحمي رجالاتها لتضمن ولاءهم الدائم، من أصغر أمين شرطة فيها إلى أكبر موظف يعمل لديها، بل تكافئهم وتمنحهم أوسمة ومناصب حساسة في الدولة، لأنها تريد أن توصل رسالة إلى رجل الشارع مفادها أنني أنا و"رجالاتي" محصنون ضد العقاب والمحاسبة.

هذا التطور الخطير لم يكن وليد اللحظة بل بدايته كانت يوم قرر وزير الداخلية مجدي عبد الغفار في آيار/ مايو في العام الماضي اقتحام نقابة الصحفيين، لكن المشكلة الأكبر، ورغم اعتراض الصحفيين وقتها وتضامنهم مع زملائهم الذين تم إلقاء القبض عليهم، فقد لاحظنا أن الصحفيين أصحاب الذمم الحرة، قلة في النقابة. أما النقابة نفسها فيسيطر عليها الكثرة المقربة من النظام والتي تحول الصحفي من صاحب قلم حر إلى موظف يعمل لدى الدولة، وهي بدعة بدعها عبد الناصر، الذي يصفه عبد الفتاح السيسي بأنه كان محظوظًا بإعلامه!

ويبدو أن النظام يريد أن يجعل من المؤسسة الصحفية في مصر مؤسسة متوحشة، أو نافذة أخرى للبلطجة، يتصدرها "حاتم" جديد، ولكنه هذه المرة ليس أمين شرطة بل صحفيًا يعمل بتوجيهات من النظام. أو كما قالت المذيعة رشا مجدي "أنا مبطبلشي أنا جاي لي توجه من الدولة".  

 

اقرأ/ي أيضًا:

من حجب المواقع إلى اختراقها.. هذه قصة خالد البلشي وعمرو بدر

هدايا أبوظبي للقاهرة.. نظام جديد للتجسس على الإنترنت