في رثاء هند.. التي مرت من هنا

في رثاء هند.. التي مرت من هنا

إجناسيو إيتوريا/ الأوروغواي

البارحة يا هند، انتهينا من تمارين الغناء. كان الجو خارج الكنيسة منعشًا، وسمعت الموسيقى التي أحب، واشتريتُ شوكولاتة، ولم تكف ليلى عن السؤال عن فارس الذي يكبرها بعامين، والذي تعلقت برقبته قبل أن نغادر كاتدرائية "كل القديسين" في الزمالك، في ليل نيسان المنعش.

لا تعرفين كم كانت سعادتنا بعد أن أنهى المايسترو بهاء الأغنية، وأعطانا تحية النهاية. قدماي لا زالتا تؤلمانني من طول الوقوف أثناء التمارين، وليلى لا زالت متطلبة.

لا أعرف لماذا اخترتني من بين الجموع في "قعدة غنا" التي تقابلنا فيها في شباط الماضي، لتقولي لي إنك "أحببتني". الحب حِمل على من مثلي ومسؤلية يا هند، كتلك الرسائل الطويلة على تطبيق الواتساب التي كنتِ تتركينها لي، وكنت أرد عليها ردودًا متقضبة، لأن ليلى كانت تريد أن تنام وأن تجعلني أنام جوارها كالعادة.  

أعرف يا هند أنكِ لا تهتمين، وأنكِ في مكان ما تلونين الأشجار والزهور بعينيكِ، وأن المحن انتهت، وأنكِ تحولت طيفًا سيزورونا في المنام في أفضل الأحوال.

لا أعرف لماذا يا هند خطرتِ على بالي صباح ذلك اليوم الذي رحلتِ فيه. خطرتِ على بالي حين سألتني ليلى عنكِ: "لماذا لا تملك خالتو هند عينين مفتوحتين؟". كنتِ يا هند لا ترين الإعاقة عيبًا، وجاوبتِ ليلى في ذلك المساء الذي لم أكن بقربكم لأجيبها عنكِ.

أعرف أنكِ لا تهتمين يا هند، لكني أصبحت أضحك، بلا أسباب، وأصبحت أجد في كراهية من لم يحبونني وآذوني عبئًا كبيرًا على قلبي، فتركتهم، تركتهم للريح تعصف بأفئدتهم، تركتهم للعدالة أو حتى للاعدالة، تركتهم للأسباب والنوايا والأفكار، ورُحت ألعب الورق لأفهم اللعبة وقواعد الحساب، أنا سيئة للغاية في الحساب يا هند، لم أحاسب بائعًا أبدًا، لم أحسب يومًا نقودًا أعطانيها بائع بعدما اشتريت منه. لكني حين أرى ابتسامة شريرة تند عن انتصاره عليه لا أشتري منه أبدأ.

أشيخ يا هند كل يوم، تجارة المرء مع الزمن معقدة، والثعالب تقضم من الشاردين في طرقهم، الحظ والإرادة والأمل، وبعض السعي، يخذل الساعين أكثر من الركود والدعة أحيانًا، والبشر غامقون، وأحيانًا أصير غامقة مثلهم.

لكن صوتك الطيب ورسائلك تحقن في أوردتي تذكرة بمحبة الحياة أكثر من أي خوف منها. أنا التي لطالما أردات أن ترحل وتترك لهم الحياة بما فيها وبمن فيها، رأيتني أبكيكِ كما لم أبكِ من قبل. لأنكِ كنت قريبة جدًا يا عزيزتي، أقرب من جرس باب، ومن الهاتف الخلوي، كنتِ تحبين، وكاد اليأس يقتلك قلبك المُحب، لكن الموت أدركك.

أفهم الغربة التي كنتِ تشعرين بها بين الناس، تدركني كثيرًا، حين تحاصرني التجربة، ويغلبني الصبر، وأستحلب الحنين لأعيش في عالمي الخاص، حيث لا غرباء إلا الفجر الذي يدركني وأنا ذاهلة في عوالمي أبحث عن إجابات لأسئلتي لم تعد أجوبتها ترضيني، ويفقد كل ذي معنى معناه.

ليلى ترفض الإجابات التقليدية، وترفض الالتزام بقواعد لا تفهمها، وكيف لها أن تفهم كل شيء وهي في سنها هذه؟ الوحدة ليست سيئة، الوحدة لطيفة، الوحدة تعصم من الخيبات أحيانًا، تعصم من العشم.  

يا هند كيف هزمتِ السرطان مرتين ولم تهزمي الموت؟ أكنتِ تريدين أن تقولي للعالم إن الموت ليس هزيمة؟ إنه نهاية الأشياء في شكلها الذي اعتدناه؟ وإنكِ كنتِ ضيفة في العالم تحاول أن تعيش حياة الناس، بلا نور سوى نور القلب، وبمعارك صحية لا يتحملها أحد؟

أكنتِ تريدين أن تعطيني درسًا عن هيبة الموت الذي أستحضره وأتمناه كل ليلة بمناسبة، ودون مناسبة، بعد أن مللت كل شيء؟ كيف مشيتِ دون أن تحملي أغراضك، دون سلام أو كلام أو رسالة، فجأة تُنَادين فتجيبين؟

الرحلة في الحِل والترحال، في الأمل والأسئلة، في الرفقة الطيبة، في الغناء بصوتٍ عالِ في غابة الوحوش، "أيها الوحوش نحن لا نخافكم، نحن نخاف الوحش الذي بداخلنا أن يفتك بنا، نخاف الموت الذي بداخلنا أن يقتلنا، نخاف الحزن المندس في الحشى أن يغتالنا".

الرحلة تبدأ بسرعة شاقة وممتعة، مملة ومؤلمة، دروسها أكبر من قدرتنا على الاستيعاب، فظائعها أكبر من أفراحها، نوحها أكثر تنغيمًا من رقصها. لكننا جُبلنا على أن نمضي، غصبًا أو عجزًا وقلة حيلة.  

وداعًا يا هند، حين نلتقي، غنِي لي، أو أقول لكِ.. تعالي نغني كما غنينا سويًا من قبل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النَّاسُ يسيرون إلى الخلف

مختارات من "كحول" غيوم أبولينير