في راهنية التحوّل السلطوي

في راهنية التحوّل السلطوي

كاريكاتير لـ ماريان كامينسكي/ النمسا

هل يمكن أن تتحوّل الديمقراطيات الموسومة بأنها "راسخة" إلى نوعٍ من السلطوية؟ يبدو السؤالُ اعتباطيًا ومُستبعدًا من طاولة النقاش حول الاعتلالات الّتي تتّخمُ بها بطن الديمقراطية، أو بالأحرى ليست ذي راهنية لدينا، نحن الذين نعيشُ في العالم العربي، وما زلنا نُكابدُ الوصول إلى الديمقراطية. إذ إنّه من الرفاه الذهاب إلى سجالات ما بعد الديمقراطية، في حين نقفُ قبلها بدرجات، إلّا أنّ ما يشهدهُ العالم هذه الأيام في سياق الانتخابات الأمريكية، من تصريحاتٍ لزعيم الشعبويين دونالد ترامب وتهديداته الحقيقية للديمقراطية، وما تخبرنا به البيانات التجريبية، ينذرُا بالخطر الّذي تواجهه الديمقراطيات "الراسخة"، فمثلًا يُسجّل تقرير Freedom House لعام 2019، أنّه خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية، شهدَ العالم انحدارًا في مستوى الحريات المدنية والحقوق السياسية في الديمقراطيات الراسخة، وسجّل التقرير وصول التهديد إلى الولايات المتّحدة، بمهاجمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمؤسسات والتقاليد الديمقراطية الأساسية، كالفصل بين السلطات، وشرعية الانتخابات، وحرية الصحافة.

التحوّل السلطوي: صلاحية السؤال

في دراسةٍ حَملت عنوان "تفسّخ الديمقراطية: نحو مقاربة نظرية للتحوّل الاستبدادي"، أنجزتُها في نيسان/أبريل 2020، استيفاءً لجزء من مُتطلبات نيلِ درجة الماجستير في العلوم السياسيّة والعلاقات الدولية من معهد الدوحة للدراسات العليا، شكّكتُ مُبكرًا بمسألة الرسوخ الديمقراطي عامّةً، ودلّلتُ على ذلك من الحالة الأمريكية أيضًا، واستشرفتُ ما يُمكن أن تصلَ إليه شَطحات دونالد ترامب، بمغامرةٍ بَحثية تحدثُ للمرّة الأولى داخل حقلي "الانتقال الديمقراطي" و"دراسات الديمقراطية" في بناء نظرية للتحوّل السلطوي، مُنتقدًا فكرة البارادايم/ النموذج في دراسات الانتقال الديمقراطي وما تنطوي عليه من مُعالجةٍ خطّية/ غائية لتحوّلات الأنظمة، وذلك محاولةً لإثبات ضرورة التخلّي عن نمذجة الانتقال والرسوخ النظري، وكسر ادّعاءات "نهاية التاريخ"، لتكون الدراسة بمثابةِ جرس إنذارٍ للانتباه إلى التّحولات السلطوية داخل الديمقراطيات، آخذةً بنصيحة السياسي الهندي مانوهار سينغ غيل (1936-): "إن الشرطَ الأساسي لجعِل الديمقراطية آمنة هو عدم أخذها كأمرٍ مُسلّمٍ به".

تؤكّد لنا تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ التّعلم السلطوي لا يقتصرُ على الأنظمة السلطوية، بل يتعلمُّ محترفو السياسة في قلبِ الديمقراطيات "الراسخة"

في حين سادَ تصوّرٌ بعدم إمكانية الانهيار الديمقراطي في الديمقراطيات الغربية "الراسخة"، ظهرَ تيار يُشكّك في ذلك، حيث ظهرتْ مقاربات، تُحذّر من زيادة صلاحيات السّلطة التنفيذية التي تُصبح مُمارستها دون مرجع ديمقراطي، وهو ما أسمتهُ "تحوّل الديمقراطية إلى القيصرية"، أو وصول "الديمقراطيون القياصرة" إلى سدّة الحكم. كما استُخدمت مفاهيم مثل الانهيار الديمقراطي Democratic Breakdown، والانزلاق الديمقراطي Democratic Backsliding، والتّحول الأوتوقراطي Autocratization، لوصف هذا المرض الذي يُصيب الديمقراطية، وتشتركُ جميعها في افتراض أنّ ما سبقَ الديمقراطية هو نقيضها بالضرورة، رغم أنّه يُمكن أن تذهب الأنظمة الديمقراطية تجاه ما لم تجربه، أي نحو التحوّل السلطوي، الّذي أُعرّفه على أنّه انتقال النظام الديمقراطي إلى نوع جديدٍ من السلطوية، من خلال ثلاثة مراحل: (1) التّفسخ الديمقراطي؛ أي ضعفُ الثقافة والمؤسسات الديمقراطية، والتآكل التدريجي لأبعاد الديمقراطية. (2) هيمنة السياسات السلطوية؛ أي استحواذ السلطويين على السلطة، والعمل بموجب السياسات السلطوية. (3) تعميق السلطوية؛ أي مأسسة السياسات السلطوية وشرعنتها، عن طريق تسليح المؤسسات الديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا: ملف خاص | الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020

تؤكّد لنا تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ التّعلم السلطوي (Authoritarian Learning) لا يقتصرُ على الأنظمة السلطوية، بل يتعلمُّ محترفو السياسة في قلبِ الديمقراطيات "الراسخة" من التجارب السلطوية أيضًا، عن طريق تكييف الأدوات الديمقراطية بما يُحقّق مصلحتهم و/ أو بقاءهم في السلطة. فالتّحوّل السلطوي لا يحدثُ بشكلٍ مباشر في الديمقراطيات الراسخة، وذلك بسبب وجود مؤسّسات يُفترض أنّها تحمي الديمقراطية، فضلًا عن وجود معارضة محلية ودولية، فالشكل التقليدي لانتكاس الديمقراطية عن طريق إلغاء الانتخابات أو الانقلاب العسكري، أصبحَ ضربًا من الماضي في الديمقراطيات الراسخة ومن المُستبعد وقوعه، وذلك بسبب كُلفتهِ العالية على مستوى الشرعية، من خلال العقوبات الدولية والحرمان من المساعدات الدولية، والتّدخل العسكري، وكذلك يُمكن أن يؤدي إلى هبّات جماهيرية. ولذلك يلاحظ انخفاض الانقلابات العسكرية في السنوات الأخيرة، لكن بدلًا من الانقلابات العسكرية، يُمكن أن تقع الانقلابات الذاتية للديمقراطية؛ بمعنى أن تتولّد السلطوية من داخل الديمقراطية، فمثلًا يُمكن أن تبدأ السلطوية بأخذِ طريقها في الديمقراطيات عن طريق التضييق على المعارضة بالأدوات الديمقراطية، وتعطيل المساءلة الأفقية بين سُلطات الدولة الرئيسية، وتسليح المؤسسات الديمقراطية؛ أي تحويلها إلى سلاحٍ ضدّ الديمقراطية ذاتها. 

الولايات المتحدة الأمريكية: خطوات ترامب نحو السلطوية

لطالما انتشرت الشخصيات المتطرفة/ الديماغوجية في المشهد السياسي الأمريكي، مثل الأب تشارلز كوغلين (1891-1979)، الذي عادى الديمقراطية علانيةً، ودعا إلى إلغاء الأحزاب السياسية والانتخابات، وحاكم لويزيانا والسيناتور هيوي لونغ (1893-1935) الذي سخرَ من سيادة القانون، والسناتور جوزيف مكارثي (1908-1957) الذي روّجَ للرقابة وحظر الكتب، لكنها لم تتسبّب بهذا التهديد للديمقراطية الأمريكية مثلما يفعلَ الرئيس دونالد ترامب، فقد بدأ ولايته بشنِّ هجماتٍ خطابية على خصومه، ووصف وسائل الإعلام بأنها "عدو الشعب الأمريكي"، وشكّك في شرعية القضاة، وهدّد بقطع التمويل الفيدرالي عن المدن الكبرى، وبذلك أظهر ترامب غرائز سلطوية واضحة منذ عامه الأول، تنطوي على الاستيلاء على المراقبين/ القضاة، والعمل ضدّ إنفاذ القانون، وفي ذلك سعى لضمان ولاء رؤساء وكالات المخابرات الأمريكية، وبعد أن رفض مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي إسقاط تحقيقات مدير الأمن القومي مايكل فلين حول وجود تواطؤ مع روسيا، قام ترامب – لأول مرّة منذ ثمانين عامًا في تاريخ مكتب التحقيقات الفدرالي – بفصل مدير المكتب قبل انتهاء فترة ولايته البالغة عشر سنوات.

لطالما انتشرت الشخصيات المتطرفة/ الديماغوجية في المشهد السياسي الأمريكي، مثل الأب تشارلز كوغلين (1891-1979)، الذي عادى الديمقراطية علانيةً، ودعا إلى إلغاء الأحزاب السياسية والانتخابات

وقد كرّر الأمر نفسه مع المدّعي العام لدائرة نيويورك الجنوبية بريت بريهارا، بخصوص تحقيقاته في غسيل الأموال الّتي طالت ترامب (1). وقد تعدّى عدد المُغادرين من إدارة ترامب، سواء أُقيلوا أو استقالوا، أكثر من ستين شخصًا، آخرهم وزير الدفاع مارك إسبر الذي أقاله ترامب عبر تويتر بسبب اختلافه معه في بعض المواقف، ومنها رفضه استخدام قوّات الجيش لقمع احتجاجات "حياة السود مهمة" (2020)، وتُثير توقيت إقالة إسبر تساؤلاتٍ حول نيّة ترامب من هذه الخطوة بعد خساراته للانتخابات الرئاسية الأمريكية أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن، إن كان الأمر تصفية حساباتٍ أم يتجاوز ذلك ليؤشّر لنيته في خوضِ حربٍ أو تأمين جبهةٍ داخلية أساسية.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| ألكس فيتالي: العنف البوليسي أعمق من حلول بايدن "السطحية"

إضافةً إلى ذلك، سبق لترامب التلويح بإعادة النظر في قوانين التشهير، واستخدام الوكالات الحكومية ضد شركات الإعلام، وسحب التراخيص من بعضها. وكانت إحدى أكثر خطوات إدارة ترامب معاداةً للديمقراطية، هي إنشاء اللجنة الاستشارية الرئاسية حول نزاهة الانتخابات، والتي هدفت إلى إحباط إقبال الناخبين وفق الهوية/ العرق. كما قام ترامب بتغييراتٍ عدّة على مستوى القضاء الفدرالي للولايات المتحدة، حيث عيّن القاضيين نيل جورسوش وبريت كافانو في المحكمة العليا، وعشرات القضاة الآخرين في المحاكم الفدرالية الأدنى.

خلال سنوات حكمه، لم يكن ترامب رمزًا للصلادة السياسية داخليًا فحسب، بل يُمكن اعتباره زعيم السلطويين والشعبويين حول العالم، بدءًا بعلاقته الجيّدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، دون انتقاد انتهاكاتهما للديمقراطية، وتأييده للوصف الّذي أُطلِقَ على الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو بأنّه "دونالد ترامب أميركا الجنوبية"، كما اعتبر الرئيس الصيني شي جين بينغ صديقًا له، وأثنى مرارًا على الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي مُناديًا إيّاه باسمه الأوّل ومتبادلًا النكات حوله في وسائل الإعلام. وكذلك الأمر مع كوريا الشمالية التي عقدَ اتفاقًا معها. ولم ينفكَ عن مدح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولم يتوقف عن التعبير عن تأييده للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، متغافلًا عن مظاهرات الشارع المصري، واصفًا إياه: بـ"ديكتاتوري المفضل". وبذلك، فهو إضافةً إلى تهديده للديمقراطية على المستوى المحلي، فهو وفّر مناخًا دوليًا مناسبًا لتنامي السلطوية وتحالف السلطويين.

يقعُ ما سبق، في المرحلتين الثانية والثالثة من النموذج المُقترح، لكن إن بدأنا بالمرحلة الأولى "التفسخ الديمقراطي"، يظهرُ أن التّفسخ على المستوى الماكرو (ضعف الاقتصاد والمؤسسة الصحية إزاء جائحة كوفيد-19)، يُساندهُ تّفسخٌ على المستوى الشعبي (المايكرو)، حيث يظهرُ أنّ الأمريكيين بمختلف أعمارهم يفضلون زعيمًا قويًا، أكثر مما كانوا عليه قبل عشرين عامًا، كما أنّ نسبة مؤيدي الحكم العسكري آخذةً بالتزايد، ففي عام 1995، كان واحدًا من بين كلّ 16 أمريكي يُفضّل الحكم العسكري، لكن في عام 2011، أصبح واحدٌ من بين كلٍّ 6 أمريكيين يؤيّده. وهذا يُشير إلى ارتفاع النسبة لتصبح مثل البلدان ذات التاريخ المضطرب للعلاقات المدنية-العسكرية، مثل الجزائر (حيث فضّلَ 17٪ الحكم العسكري عام 2013)، أو اليمن (حيث فضّله 20٪ في ذات العام) (2). ويبدو أنّ جمهور اليمين الشعبوي آخذٌ في التزايد، وأنّ نسبة هائلة من الأمريكيين يؤيدون ترامب رغم كل ما تسبّب به من فوضى، ففي حين حازَ بايدن على أعلى عدد أصوات في تاريخ الانتخابات الأمريكية، فإنّ ترامب هو الذي يليه، بعدد أصواتٍ وصلت إلى 71,444,930 صوتًا!


* Michael Coppedge et al., “V-Dem [Country–Year/Country–Date] Dataset v10,” Varieties of Democracy (2020), accessed on 11/11/2020, at: https://bit.ly/3ndYUzB

 

من نواحٍ عدّة، نجد أنّ الرئيس ترامب اتّبعَ سيناريو التحول السلطوي منذ عامه الأول، وصحيح أنّ المعارضة الجمهورية تعملُ على إعاقة محاولاته، ولم تتحوّل الولايات المتحدة إلى السلطوية، إلّا أنّ ديمقراطيتها في تراجع، وكذلك مستوى الحريات المدنية والحقوق السياسية فيها لأول مرّة في التاريخ، وثمّة تّفسخ فعلي للديمقراطية بدأ منذ عام 2017، كما هناك بعض الممارسات السلطوية الّتي لم تُهيمن بعد على النظام، إضافةً إلى محاولات تدعيم السلطوية الجديدة من خلال التغيير المؤسسي والقانوني، والتلويح بذلك.

جمهور اليمين الشعبوي آخذٌ في التزايد، ونسبة هائلة من الأمريكيين يؤيدون ترامب رغم كل ما تسبّب به من فوضى

اقرأ/ي أيضًا: هل تعود روح الدكتاتور فرانكو الفاشية "المتدينة" إلى إسبانيا؟

وعليه فإنّ الحالة الأمريكية ما زالت بعد في المراحل الأولى للتحوّل السلطوي، ومصير هذا التّحول مرهونٌ بقدرة النُخب الديمقراطية والمواطنين، فكما يفشلُ التحوّل الديمقراطي في حالاتٍ عديدة، يُمكن للتحوّل السلطوي الفشل كذلك. ومع ذلك، لا تبدو خسارة ترامب في الانتخابات نهاية اللعبة الديمقراطية، فرجلٌ مثل ترامب من الصعبِ توقّع حدود عَجرفته، إذ وجّه ومناصروه على نطاقٍ واسعٍ اتهامات بحدوث تزويرٍ في الانتخابات الرئاسية، وصرّحَ عبر تويتر يوم 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 : "سننتصر!"، ليتبعهُ وزير خارجيته مايك بومبيو ويقول: "سيكون هناك انتقال سلس إلى ولاية ثانية لترامب"، لكن يظهر أنّ ترامب قد بدأ بالتخلّي ربما عن تمسكه بادعاء الفوز بالانتخابات الرئاسية، إذ أشار يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، أنّ لا أحد يعرف أي إدارةٍ ستحكم بعد 20 كانون الثاني/ يناير 2021.

 

هوامش:

 يُنظر:

1.     Steven Levitsky & Daniel Ziblatt, How Democracies Die (New York: Crown, 2018).

2.     Yascha Mounk, The People vs. Democracy: Why Our Freedom Is in Danger and How to Save It (Cambridge: Harvard University Press, 2018), pp. 108-109.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بإلهام من دونالد ترامب.. خطاب النازيين الجدد يتصاعد في كندا

حوار| استدعاء تيودور أدورنو لفهم اليمين المتطرف اليوم