22-أكتوبر-2017

جمال الغيطاني (1945 - 2015)

البحث في المكان والزمان وعلاقتهما بذاكرة الإنسان ملمح أساسي في أعمال الكاتب المصري جمال الغيطاني (1945 - 2015)، وقد تجلّى في مجمل أعماله القصصية والروائية التي أصدرتها "الهيئة المصرية للكتاب" في مجلدين كبيرين (حافلين بالأخطاء المطبعية) عقب وفاته عام 2015 بشهور قليلة.

استفادت كتابة الغيطاني من العودة إلى التراث العربي والإسلامي وتشرّبه وإعادة إنتاجه، لكن المميز في ذلك النهج الذي اختاره هو تحرّره من الشكل الروائي الغربي الذي سار على دربه أدباء آخرون من قبله. لذلك جاءت النتائج بعمارة روائية تستلهم المورث السردي العربي وتشيع فيها الألفاظ الجزلة والتراكيب القديمة على نحو يؤدي في النهاية إلى خلق عمل روائي حديث بصورة مدهشة.

لم تبتعد أعمال جمال الغيطاني، رواياته تحديدًا، عن الهمّ السياسي لمصر ومحيطها العربي، فقد أراد مؤسس جريدة "أخبار الأدب" كشف الآليات المختلفة في عملية تركيز السلطة والسيطرة والقمع التي تؤدي إلى تعزيز النظام الدكتاتوري الشمولي، وتعكس أعماله السعي المستمر لإظهار أوضاع  الناس في المجتمع المصري اليوم. لكن رغم ذلك أسهمت التطورات السياسية في مصر في أواخر حياة الغيطاني في اتخاذه موقفًا مناوئًا لحكم جماعة الإخوان المسلمون، نتيجة تخوفاته من تحول مصر إلى دولة دينية، وكان غريبًا بعض الشيء تخليه عن أفكاره المقاومة للدكتاتورية والطغيان -التي حفلت بها أعماله الأدبية- وهرولته لمباركة تدخل الجيش ومن ورائه الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي رأى فيه "منقذ مصر".

بعيدًا عن السياسة وتلاوينها وألعابها، يبقى جمال الغيطاني ساردًا مميزًا يستحق معاودة أعماله، وهنا إطلالة على خمسة أعمال مهمة له يُنصح بقراءتها.


1. أوراق شاب عاش منذ ألف عام

صدرت "أوراق شاب عاش منذ ألف عام" عام 1969 وهي أولى أعمال جمال الغيطاني الأدبية المنشورة، وأثارت الاهتمام به حينها ولكنها لم تجعل منه كاتبًا معروفًا، والآن يعتبرها بعض النقاد مجموعة قصصية رائدة من حيث إحياؤها للتراث المصري. تتكون المجموعة من خمس قصص يدور أغلبها في القاهرة المملوكية، لكن مضامينها تتفاعل مع الواقع السياسي المعاصر بصورة ملحّة.

استخدم جمال الغيطاني في مجموعة "أوراق شاب عاش منذ ألف عام" أسلوبًا كتابيًا يحاكي كتابات العصر المملوكي والعثماني، وهو النهج الذي سيعتمده بعد ذلك في عدد كبير من أعماله. في أولى قصص المجموعة بعنوان "المقتبس من عودة ابن إياس إلى زماننا" يأتي بالمؤرخ الشهير إلى قاهرة السبعينيات ليسجّل حزن سكانها وكآبتهم البادية، حتى يعاني الحنين للعودة إلى الماضي وزوجته وأولاده ولمن عرفهم. وفي قصة "هداية أهل الورى لبعض مما جرى في المقشرة" نقرأ مذكرات ضابط أمن دولة أيام المماليك عن التعذيب والظلم والأفاعيل التى كان يفعلها بمن يقع تحت يده.

على هذه الشاكلة، تأتي بقية قصص المجموعة لتعطي صورة لمصر وسكانها في عصر المماليك، وإسقاطها على الزمن الحاضر وأحيانًا على المستقبل، كما يحدث في إحدى القصص التي تُروى أحداثها بلسان شخص عاش بعد ألف عام، ويرجع ذلك في تفسير جمال الغيطاني إلى ما يسميه وحدة التجربة الإنسانية، فهناك أشياء تتجاوز الزمان والمكان لتكون المشترك المتشابه في الحياة الإنسانية.

2. الزيني بركات

"الزيني بركات". إنه زمن حلول المماليك بدلًا من العثمانيين حكامًا لمصر. يحضر ابن إياس مرة أخرى في هذه الرواية المهمة التي يستعير فيها جمال الغيطاني دكتاتورية العهد الناصري لتتحدث عن دسائس المخابرات في القرن السادس عشر، حيث تدور الرواية حول شخصية تدعى "الزيني"، كبير البصّاصين أو رئيس المخابرات، في عهد السلطان الغوري أوائل القرن العاشر الهجري، وهي فترة عانى فيها الشعب المصري من سطوة السلطان وصراع الأمراء واحتكار التجار وعيون البصاصين. ومن خلال تتبع الصراع بين الزيني ومنافيسه، لا تأتي "الزيني بركات" فقط كتجسيد لتجربة معاناة القهر البوليسي فى مصر في هذه الفترة التاريخية التي تشبه فترة عبد الناصر (الرواية صدرت عام 1974، أي بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر بعام)، بل يمكن اعتبارها إسقاطًا على كامل التجربة العربية الراهنة.

نماذج مرعبة يوردها جمال الغيطاني في الرواية التي يتداخل فيها الحاضر بالماضي، ويكفي أن نقرأ عن واقعة تعذيب الزيني لأحد التجار وتدرجه في التفنن بتعذيبه ليحصل منه على المال، لنقارن بين أهوال الماضي والحاضر: "أظهروا حدوتين محميتين لونهما أحمر لشدة سخونتهما، بدأ يدقهما في كعب الفلاح المذعور، نفذ صراخ الفلاح إلى ضلوع علي، وكلما حاول إغلاق عينه يصفعه عثمان بقطعة جلد على قفاه". وفي اليوم الرابع والخامس "ذبح ثلاثة من الفلاحين المنسيين، أسندت رقابهم إلى صدر علي بن أبي الجود والزيني يدخل ويخرج محموماً مغتاظاً يسأل: "ألم يقر بعد؟" لا يجيب أحد. يضرب الحجر بيديه".

3. وقائع حارة الزعفراني

هذه "وقائع حالة الزعفراني" تمثّل ذروة تجريبية في أعمال جمال الغيطاني، من خلال حدثها الأساسي المروع والغريب الذي يزعزع وجود سكان حارة الزعفراني المتخيلة، فكل سكان الحارة يفقدون قدرتهم الجنسية عدا شخص واحد غير معروف. بعد هذا التمهيد الشائق، يشيّد جمال الغيطاني روايته بتمهل وصبر وببعده عن الحبكات الروائية التقليدية عبر مسافة مركبة من البحث والتقصي وإثارة الأسئلة، من خلال معاناة الشخوص وفي علاقات وسياقات سردية مفعمة بالتجريب والتجديد، يبدو فيها الظاهر غلافًا وكاشفًا للباطن.

يقول عنها الكاتب الإسباني خوان غويتسيلو في دراسة طويلة بعنوان "الأصالة والمعاصرة فى أعمال جمال الغيطاني": "هنا يتحرر الروائي من أشكال الكتابة المقدسة التى تدغدغ حواس القارئ المعتاد على الكتابات سريعة الانتشار، مما يجعله يواجه دائمًا صعوبات جمة ليفتح طريقه باتجاه التعرف على العمل. قليلون وقليلون جدًا الكتّاب الذين يحافظون على الصبر المطلوب للعمل". ويقول جمال الغيطاني عن أسلوبه في كتابة هذه الرواية: "استفدت من تجربة ابن إياس اللغوية علي الرغم أن موضوع الرواية ليس تاريخيًا، كان ابن إياس يكتب أفظع الحوادث بالهدوء نفسه الذي يكتب به أبسط الحوادث، كان يوجد مسافة موضوعية بينه وبين الحدث، في "الزعفراني" كنت أعبر عن الأحداث بروح محايدة لأنه تقارير، ولم يكن ممكنا محاكاة أسلوب شعري في التقارير"

في عام 2006، تحولت الرواية لمسلسل تلفزيوني باهت قام ببطولته صلاح السعدني وسماح أنور وأخرجه أيمن عبيس.

4. سفر البنيان

"لكل منا مدينته وما عليه إلا بذل الجهد لاكتشافها، إما بالرحيل إليها أو الولوج فيها، وإما بتمثلها واستحضارها. البعض يفني عمره من أجل دخولها ولا يصل إلى تحقيق ذلك وقلة يستدعونها إليهم ويفنون كل ما يشكلها من عناصر وموجودات"، يقول جمال الغيطاني في إحدى صفحات روايته "سفر البنيان"، التي هي ليست رواية بالمفهوم المعتاد، وإنما نصوص سردية وحكايات أبطالها أبنية وبناؤون ولحظات حاسمة في تاريخ مصر العمراني أو تاريخ جمال الغيطاني الذاتي.

طبقة فوق طبقة، تتآلف عمارة "سفر البنيان" عبر السفر في أزمنة الأبنية وتاريخها والتوقف لفترات لشرح بعض المعاني والمصطلحات المعمارية بلغة ونَفَس صوفي لافت، لاستخلاص المشتركات بين اللغة والعمارة. فالإنسان يحقق وجوده بالتعبير عن نفسه بالكلام وكأنه يبني كيانًا يخصه في فضاء لغوي يحميه من الضياع في الآفاق المترامية بلا حدود.

هنا ينظر جمال الغيطاني إلى العمارة في الكون عامة وارتباطها بالإنسان. فالباب ليس مجرد باب، ولكنه عبور من مرحلة لمرحلة، وكذلك الدرج والقبو وكل ما له علاقة بالبنيان هو في الأصل رمز لما في الكون. يضيف للقارئ معاني لم يكن يفكر بها من قبل، ويشرح بأكثر من معنى وبالتضاد وبالترادف أحيانًا ليصل إلى ما يعنيه بأبسط الطرق.

في كل مرة يقف فيها جمال الغيطاني في هذا النص أمام مصطلح معماري (باب، حامل ومحمول، فناء، أساس، قبو، درج، موقد، كتابة)، ينطلق ليؤلف منه حكاية، وكل حكاية هي بناء لحياة، لحركة، لدفعة، لدفقة ضوء في ممر إنساني مهجور؛ حكايات يختار لها عناوين معمارية دالة (خبيئة، رياح، عاقبة، بستان الخضر، غمامة، هودج، جهات، ممرات، قصر، بربا، نزل).. ويستمر جمال الغيطاني بنفس صوفي يتأرجح بين الظاهر والباطن، بين البوح والكتمان، ليحكي ويعد بالحكي ثم الحكي، دون أن يقفل باب العمارة في نهاية النص.

5. التجليات

"التجليات" كتاب إما أن تحبه جدًا أو ترميه فورًا، ففضلًا عن احتوائه على تجاور للأنماط المختلفة من الموروث السردي الشفاهي والمدون من قبيل الأخبار والسير وكتابات الرحَّالة؛ تحمل لغته إغراقًا في القدم لن يتناسب مع ذائقة الباحثين عن القراءت السهلة والسريعة.

 كتاب التجليات لجمال الغيطاني هو رحلة في الماضي، ذات بناء مركب، تتكثّف فيها الأزمنة على نحو يذكّرنا بتيار الوعي في الرواية الحديثة. وكما يشير الناقد إبراهيم فتحي في مقال له عن جمال الغيطاني فإن التقنية التي يستخدمها راوي "التجليات" تفتح الطريق أمام النظر إلى الذات كأنها تقفز موحدة خارج نطاق الزمان، وتجعل كل العناصر التي تتآلف منها الذات على وجه الإمكان متواقتة الحضور لها وضع الآن الدائم، أي متحررة من التراتيب المتسلسل للزمان.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

جمال الغيطاني.. عين السرد التي أُغمضت

البصاصون.. سدنة هياكل الاستبداد