بعد التصويت على الدستور الجديد في 2014 (Getty)

جمال عبد الناصر اسمٌ خلّده العالم العربي كلّه، حتى أن اثنين ممن حكموا مصر بعده سموا أولادهم على اسمه: جمال السادات وجمال مبارك. الأول كانت له فضيحة في قبوله في جامعة القاهرة تحت ضغوط أمنية، لأنه لم يحصل على مجموع يؤهله، والثاني متهم في قضايا اسغلال أموال عامة في مصر.

بعد الثلاثين من حزيران/يونيو، نرى اختزال المقارنة بين عبد الناصر والسيسي، من خلال السكوت عن دور السيسي في الانبطاح أمام المشروع الأمريكي

يجلد أنصار المشروع الإسلامي في مصر، جمال عبد الناصر، الحاضر الغائب، زاعمين أنّ النكسة لم تكن في 1967، بل كانت في آذار/مارس 1954 حينما انقلب عبد الناصر على "الديمقراطية" ضد الإخوان المسلمين، لكنهم ينسون مساندتهم للإنجليز ومحمد نجيب الذي حاول أن يغازل الإنجليز بعد 1952 عندما كلّف جماعة الإخوان المسلمين بالتفاوض معهم من خلال منير دلة وصالح أبو رقيق، بعد أن كان عبد الناصر يحاول التخلص منهما. 

وإذا لم يكن عيب على الرجل أن يغازل الاحتلال في السر، قرر نجيب أن يقولها في العلن في 1956 أثناء العدوان الثلاثي، حينما أرسل إلى عبد الناصر رسالة يترجاه فيها أن يسمح له بالخروج من إقامته الجبرية، لكي يشارك في الحرب، وعندما فشلت الحيلة التقى محامي نجيب بالقائد العام للقوات المسلحة، لكي يقنعه بإعادة نجيب للحكم حتي يتم الوصول لتسوية مع الإنجليز، كما يؤرخ حازم قنديل في كتابه "الجنود والجواسيس والرؤساء: طريق مصر للثورة". 

هؤلاء الذين يرون أن محمد نجيب كان أمل مصر في الديمقراطية، وأن الأزمة الحالية وإشكالية الديمقراطية، وثقافة الغطرسة والغدر بالشعب تعود إلى 1945، وليس 1956، أو 1947 حينما نزل مرشد الإخوان لحث العمال ضد إضرابهم عن العمل لإسقاط حكومة القصر الملكي بتوجيه إنجليزي أيام رئيس الوزراء إسماعيل صدقي. مقابل ذلك نرى أيضًا المعسكر الليبرالي المصري يجلد عبد الناصر، فلا ننسى مقال محمد حسنين هيكل ضد مؤتمر أقليات العرب في أيار/مايو 1994، الذي كان سينشر في جريدة "الوفد"، لكن تم منعه لأنه كان حليفًا وجزءًا من نظام عبد الناصر؛ سبب انتكاسة مصر، النكسة التي بدأت عام 1952 كما يعتقدون.

بعد 2011، حين ظهر حضور جماهيري لعبد الناصر في ميدان التحرير، إضافة إلى صوره في أماكن أخرى، وإن كانت جنبًا إلى جنب مع صور أنور السادات، صاحب معاهدة كامب ديفيد التي هي النكسة بحد ذاتها، وهي أيضًا محو القضية الفلسطينية من ذاكرة المصريين الذين أصبحوا، باستعارة تعبير حسنين هيكل، "ناس سامعة وساكتين" ضد الاعتداء على الفلسطينيين.

بعد الثلاثين من حزيران/يونيو، نرى اختزال المقارنة بين عبد الناصر والسيسي، من خلال السكوت عن دور السيسي في الانبطاح أمام المشروع الأمريكي، فإذا كان السيسي هو عبد الناصر فكيف يقول ندعم دولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية؟ حتى بعض المنظرين أصبحوا يقولون إن علينا أن نعبر من إشكالية 67، ونخطو نحو الحكم الرشيد ونعبتر إسرائيل بلدًا جارًا. هؤلاء يستمرون في اقتفاء أثر السادات ويعتبرون التطور والتنمية هبة تعطى لمن يريد أن يعيش في الحاضر، لا بطاقات مسيسة. فالأزمة إذن ليست مع إسرائيل، لكن مع النضج المطلوب من العرب الذين يتشبثون بعبد الناصر وعدم قدرتهم على العبور إلى الحاضر.

النكسة ليست 67 فقط، هي أيضًا في الصامتين، وفي من يريدون النكسة شماعة يعلقون عليها أخطاء ماضيهم، وفي هذا الصدد يصبح عبد الناصر هدفًا سهلًا وممتعًا بعد موته وموت مشروعه وكوادره. هكذا صار الشيء الذي يجمع الناس أكثر من سواه، هو جلد عبد الناصر.

اقرأ/ي أيضًا:

جنود الإنسانية.. أصدقاء إسرائيل

سكاكين المطابخ هي الإرهاب!