في تعثّر الثورة السورية

في تعثّر الثورة السورية

طفلان شمال حلب، 2011 (زين الرفاعي/ أ ف ب/ Getty)

شهدت الثورة السورية تحولات وانعطافات حادّة، دفعت وجهتها العامة في منحىً انحداريّ، أفضى إلى ما يجري الآن من كارثة إنسانية وحرب قذرة، تطبعان المشهد السوري على مستوياته كافة. ما من شك أن ذلك ناجم من جملة عوامل داخلية وخارجية، تشمل القمع الوحشي من قبل النظام، مرورًا باستجابات الشارع المنتفض وردّات فعله، والتدخلات الخارجية بشقيها، المساند منها لنظام الكارثة المستمرة أو للمعارضة، ثم الأجندات الخاصة ببعض الجهات، "السورية" وغيرها، رأت في الأوضاع التي ظهرت في أعقاب الثورة فرصتها لتنفيذ مشاريعها.

شهدت الثورة السورية تحولات وانعطافات حادّة، دفعت وجهتها العامة في منحىً انحداريّ

غير أنّه، وبصرف النظر عن الظروف الموضوعية التي فرضت أثرها على ثورة الشعب السوري، يجب الإقرار بأنها ترافقت مع عوامل ذاتية لا تقلّ عنها أهمية، أسهمت بهذا القدر أو ذاك، في المصير البائس للثورة على نحو ما هو اليوم. والمقصود هنا بالعوامل الذاتية، تلك التي لا شأن كبيرًا للظروف الموضوعية فيها بقدر ما أنها تخص الثورة ذاتها، ممثلةً بقطاعات من ثوارها لا سيما "النجوم" منهم. من النشطاء الفاعلين في الثورة على اختلاف مجالاتهم، الميدانية والإعلامية والإغاثية، والسياسيين الثوريين من اليسار واليمين وما بينهما، سواء كانوا عتاةً محترفين أو طارئين على السياسة بفعل الثورة، إضافة إلى المثقفين والمنظّرين، بمختلف مشاربهم الأيديولوجية، ودرجاتهم أو مراتبهم على سلّم "الحكمة الثورية".

من بين العوامل الذاتية، ضربٌ من اللاعقلانية، أصاب ممثلي الثورة أولئك، أو لعلّه غلب على جزء غير يسير منهم، تجلى في الرغبوية والإرادوية والنزعات التبريرية. أدى ذلك إلى انتشار واسع لتحليلات تبسيطية سطحية، ورواج الكثير من المعطيات الكاذبة، التي تقود الناس إلى استنتاجات مزيفة لا تعِد إلا بالأوهام. لم يقتصر الأمر على تضليل الرأي العام وبيع الأوهام للعامة وحسب، فقد بلغت الرغبوية حدّاً باتت معه "المهمات السياسية" تستند إلى المعطيات الانتقائية وما تنتجه من أحكام مشوهة، بما يعنيه هذا من هدر لدماء الناس، وأيضاً للأموال التي تُستجدى على حساب تلك الدماء.

ولما كان الإعلام، وفق أحد تعريفاته الأكاديمية، "هو جمع وتخزين ومعالجة ونشر الأنباء والبيانات والصور والحقائق والرسائل والآراء والتعليقات المطلوبة من أجل فهم الظروف الشخصية والبيئية والقومية والدولية والتصرف تجاهها عن علم ومعرفة والوصول إلى وضع يمكّن من اتخاذ القرارات السليمة"، فإنّ مسؤولية جسيمة تقع على عاتق الممسكين بالإعلام، عندما يفضي إلى عدم تمكّن المتلقّي من الوصول إلى الحقيقة وفهم ما يجري حوله فهماً صحيحًا، وتاليًا اتّخاذه قرارات سليمة.

سيطر رهط من "ممثلي الثورة"، المشار إليهم، على المساحات الأوسع من إعلامها. لكنهم عوضًا عن التحلي بالحدود الدنيا من النزاهة في محاكمة الأمور بما يخدم قضية الثورة حقيقةً، عبر النظر إلى واقعها ومشكلاتها والتحديات التي تواجهها بحياد بارد، متحرر من الأفكار المسبقة والرغبات الشعورية، بعيد عن دغدغة مشاعر الناس وإسماعهم ما يوافق أمانيهم ولو كان كذبًا. عوضًا عن ذلك كلّه، بثّوه أعراض لاعقلانيتهم، بتهويماتهم الرغبوية وتنظيراتهم الإرادوية وتبريراتهم الانفعالية. لقد جُيّرت "الثورة"، بمساهمة فاعلة من الذوات المريضة، لخدمة أيديولوجيات معينة، فأعيد ترتيب خطابها وتدويره مرارًا لتكريس الأفكار والقيم المطلوبة لذلك.

لا شكّ أنّه ما من ثورة تخلو من الأخطاء، فالثورة "ما كانت يومًا بيضاء، نقية، وما كانت يومًا قواها كذلك، وما كانت سيرورتها خطية. إنها بالعكس سيرورة متناقضة، تختلف باختلاف الشروط التاريخية التي فيها تتحقق، وبها تتحدد"، على نحو ما كتب الراحل مهدي عامل. لكنّ هذا الكلام يحتم على الثوريين لا التخبط في الأوهام، بل العمل لإدراك سيرورة الثورة، خصوصًا في مراحل انعطافها، بغية الحفاظ عليها والوصول إلى تحقيق أهدافها. 

لقد تطلّب الأمر تفكيرًا متشككًا نقّادًا هدفه التقصّي وليس التبرير، لم تتوفر عليه الثورة السورية في الوقت المناسب. فكثيرًا ما جرى، وفي وقت مبكر، التعمية على الظواهر السلبية والانحرافات وتبريرها، بذريعة عدم الإضرار بصورة الثورة وتاليًا فقدان التعاطف معها، وكم أدى ذلك إلى تراكم أخطاء نمت حتى صارت خطايا فات أوان إصلاحها.