08-يوليو-2021

كاريكاتير لـ اسامة حجاج/ الأردن

كثيرًا ما تُردد القيادات الفلسطينية والعربية عبارة "حل عادل ودائم بناءً على قرارات الشرعية الدولية". والشرعية الدولية بنظر هؤلاء هي منظمة الأمم المتحدة عامةً، وجمعيتها العامة ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص. والشرعي بحسب تصريحاتهم، هو ما صدر عنهما من قرارات بخصوص الصراع العربي-الصهيوني. والمعروف أن مجلس الأمن الدولي يُمثل ناديًا للدول الأربع الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى الصين الشعبية. أما الجمعية العامة فهي نادي دولي يشبه البرلمان، لكنه برلمان تلعب فيه الدول الفقيرة والصغيرة بالأساس، وتُروّح به عن كربها والظلم الذي لحق بها، وأغلبها بلدان العالم الثالث التي كانت عند تأسيس الأمم المتحدة مستعمراتٍ للدول الثلاث الكبرى حينها؛ فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

مجلس الأمن هو لجنة القوى الكبرى التي ما زال بعضها يُمارس سياسة إمبريالية استعمارية فيها ظلم لعدد من دول العالم

ومن ذاك الموقع، تُصدر هذه الجمعية توصيات لا قيمة حقيقية لها، وترسل لنادي الدول العظمى الذي تمتلك فيه هذه الدول حق النقض (الفيتو)، فإن أعجبها الأمر تدارسته، وإن وجدت فيه مصلحة لها أقرته، وإلا اعترضت عليه وأوقفت تنفيذه. بمعنى آخر، مجلس الأمن هو لجنة القوى الكبرى التي ما زال بعضها يُمارس سياسة إمبريالية استعمارية فيها ظلم لعدد من دول العالم. وبدورها، لا تلجأ الدول الكبرى إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة، إلا إذا شعرت أن قدومها على فعلٍ ما قد يعرضها للمساءلة القانونية من قبل شعوبها، وقد سؤلت ذات مرة مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، أثناء حرب جزر الفوكلاند مع الأرجنتين عام 1982، حول سبب لجوء بريطانيا إلى مجلس الأمن لحل نزاعها من الأرجنتين، فأجابت بأنّ الدول الضعيفة هي التي تذهب إلى هناك، أما نحن فلا.

اقرأ/ي أيضًا: الصوت المسروق: لمن يُقتل الرأي الآخر في فلسطين؟

إذًا، الجمعية العامة نادي للضعفاء يتوسلون به حلًا لدى الكبار في مجلس الأمن للحصول على حقوقهم، ليس على أساس العدل، بل على أساس مصالح تلك الدول وسياساتها، وفي كثير من الأحيان تكون محصلة القرارات الصادرة عن المؤسسات الأممية هو اتفاق الحد الأدنى الباهت، والذي ينتقص من حقوق وشعوب الدول الأعضاء في الجمعية العامة ومجلس الأمن، وما هذان الأخيران إلا ساحة لصراع الإرادات بين الأطراف الدولية، لكنهما لا يستندان إلى الشرعية الحقيقية التي هي القانون الدولي، فتلك ساحة أخرى تصلح فيها فقط محكمة العدل الدولية.

وإذا استعرضنا دور هذه المنظمة التي تتمسك الأنظمة العربية بقراراتها ويسمونها "الشرعية الدولية" كمرجع، فإننا سنكون أمام كارثة حقيقية إذا تعلق الأمر بفلسطين، حيث تبنّت المنظمة الأممية بعد سنتين من إنشائها المشروع البريطاني الاستعماري الغربي في فلسطين عام 1947 بفرضها قرار تقسيم فلسطين 181، على الشعب الفلسطيني الذي كان خاضعًا للاحتلال، حيث ساوت فيه بين سكان الأرض الأصليين والمهاجرين المستعمرين الأوروبيين الغربيين من ذوي الأصل الخزري على قدم المساواة، بل منحتهم غالبية الأرض الفلسطينية. وكان ذلك القرار مبنيًا على أساس الإرادة الاستعمارية البريطانية التي أُقرت في وثيقة مؤتمر كامبل بنرمان (1905 - 1907) الذي نصّ على إقامة دولة يهودية في فلسطين، وتبعته مراسلات الحسين-مكماهون (1916)، ووثيقة بلفور (1917)، ومؤتمر الصلح في باريس (1919)، والانتداب البريطاني الاستعماري على فلسطين، وفق مقررات عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو (1920).

فإذا كان تبني مشاريع استعمار فلسطين من قبل مهاجرين أغراب من شتى بقاع الأرض دون موافقة الشعب الفلسطيني صاحب الأرض يُمثّل "شرعية دولية"، فبؤس الشرعية التي يُكرر زعماء العرب والفلسطينيين تغنيهم بها. ثم، أليس قرار التقسيم 181 ذو الهدف الاستعماري الغربي شرعية دولية؟ وأليس قرار 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم شرعية دولية؟ إذًا، لماذا وُفِقَ على تطبيق جزئي للقرار الأول مع أن القرارات الدولية تُنفّذ كاملةً ولا تُجزّأ؟ ولماذا تجمّدت كل الخطوات التنفيذية للقرار 194 رغم وجوة آلية محددة لتطبيقه؟ مع الإشارة إلى أنّ هذين القرارين قد حظيا بأغلبية دولية أثناء التصويت عليهما، بل حتّى أنّ دولة الكيان الصهيوني نالت عضوية الأمم المتحدة بعد تعهدها بتطبيقهما. لكن رغم عدم تنفيذها لتعهداتها، ما زالت دولة الكيان الصهيوني دولةً عضو في منظمة الأمم المتحدة ورغم شنّها لعشرات الاعتداءات على الشعب الفلسطيني وجيرانه العرب، إلا أنها ما زالت تُعدُّ دولةً محبة للسلام في إطار الأمم المتحدة، ولا تخضع للمحاسبة!

إذا كان تبني مشاريع استعمار فلسطين من قبل مهاجرين أغراب من شتى بقاع الأرض دون موافقة الشعب الفلسطيني صاحب الأرض يُمثّل "شرعية دولية"، فيالبؤس هذه الشرعية!

ولأن قرار التقسيم يدخل ضمن التوصيات لا القرارات المُلزمة، ويعود في أصوله إلى تقارير اللجان التي شكلتها الحكومة الاستعمارية البريطانية إثر ثورات 1933-1939 الفلسطينية، على شاكلة لجنة بيل (1937) وتقرير لجنة وودهد (1938)، فإنه لا يحظى بقوة قانونية، حيث إن بقاء دولة الكيان الصهيوني اعتمد بالدرجة الأولى على ما أنجزته بقوتها العسكرية المستمدة من رعاتها في الغرب الاستعماري العنصري الاستعلائي. وقد صودق على القرار الدولي كما يُسجّل التاريخ بالابتزاز السياسي والإكراه، حيث قال وزير الدفاع الأمريكي جيمس فورستال (1947-1949) في مذكراته: "إن الطرق المستخدمة في الضغط على الأمم الأخرى وإكراهها في الأمم المتحدة مثّلت فضيحةً".

اقرأ/ي أيضًا: النيوليبرالية الجديدة وعمان القديمة

السؤال هنا: هل يُمكن لفضيحة أخلاقية كهذه ومشاريع استعمارية معروفة المصدر والأهداف أن توصف بشرعية دولية قانونية؟ وهل كل ما تلا هذه الفضيحة من قرارات دولية بُنيت على الفضيحة الأولى يسمى شرعية دولية؟ ومع أن هذه القرارات الفضيحة حصلت على أصوات أغلبية أوروبية، إلا أنها لم تطبق في شقها الفلسطيني، ولم تعد في التداول، بل أصبح الحل المعتمد دوليًا، وللأسف عربيًا، مرتبطًا بالقرار الفضيحة الذي ينص على "انسحاب دولة الصهاينة من أراضٍ احتُلت عام 1967".

هل قرار بمثل هذا الانحياز السافر يُعدُ شرعية دولية؟ وهل يؤسس عليه سلامٌ وعدلٌ؟ قرار أممي جعل من فعلٍ حربيٍ استعماري يحمل صفة جريمة العدوان على مصر وسوريا والأردن، فعلًا عادلًا، ومنح له الحق بالاحتفاظ ببعض ما سيطر عليه من أرض، وفرض على من خسر الأرض نتيجة العدوان من العرب التفاوض على المتبقي من أرضه! ليس هذا فقط، بل مطلوبٌ منه لاسترجاع أرضه، الاعتراف بحق الكيان العنصري الاستعماري بالوجود على أرض الشعب الفلسطيني الشقيق!

أين الشرعية في ذلك وأين القانون الدولي؟ هل إذلال الشعوب والدول من خلال قرارات الإرادة الاستعمارية الدولية شرعية وقانون دولي؟ إن الحكام والدبلوماسيين العرب الذين يرددون عبارات الشرعية الدولية وقرارتها يستحقون سخرية الغرب والصهاينة المُحتلين معًا، فالأخيرون لا يذكرون هذه القرارات ولا يصفونها بالشرعية الدولية، بل قرارات الأمم المتحدة فقط، لأنها ليست شرعية على الإطلاق، بل هي أفعال استعمارية خضع تمريرها إلى مناورات وتكتيكات واستراتيجيات مصلحية، ومثلها لا يُطبّق إلا على شعوب العالم الثالث الضعيفة.

إن حق الشعب الفلسطيني والسوري واللبناني في أراضي أوطانهم، يعود فقط للحق الطبيعي والتاريخي ككل شعوب الخليقة، فلا شعب في العالم يستند في حقوقه ووجوده ووطنه على قرارات الأمم المتحدة، أو ما يوصف زورًا بالشرعية الدولية، التي هي في أغلبها شرعية الاستعمار والاستكبار ذات الطابع العنصري. إن الخطر الأكبر في اعتبار قرارات إرادات دول استعمارية شرعية قانونية دولية، هو إمكانية إسقاط أو تعديل أي قرار صادر عن مجلس الأمن أو توصية من الجمعية العامة، مثلما حصل لقرار 3379 (1975) الذي وصف الصهيونية بأنها حركة استعمارية عنصرية وأيديولوجيا فصل عنصري، ودعا دول العالم لمقاومتها، ومن ثم ألغت الجمعية ذاتها القرار بموجب القرار 86/46 (1991) وفق إرادة الدول ذاتها، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.

الذين يرددون عبارات الشرعية الدولية وقرارتها يستحقون السخرية، فالصهاينة لا يصفون هذه القرارات بالشرعية الدولية، بل قرارات الأمم المتحدة فقط

إن ما يوصف بالشرعية الدولية عربيًا هو محصلة إرادات دول، وهذه الإرادات تتحوّل وتتغيّر وفق المصالح والأزمان، وترديد خطاب "الشرعية الدولية" وتثبيته في الوعي الجمعي العربي، كان وما زال خطيئة كبرى تحملُ في طيّاتها الإقرار بأن ما يقرره الآخرون، وهم في كثير من الأحيان أعداء للشعب الفلسطيني والأمة العربية هو شرعي وقانوني، كالاعتراف بحق دولة الصهاينة بالوجود في فلسطين، وهذا مخالف للواقع، لأن تعريف ما يصدر عن مؤسسات الأمم المتحدة هو إرادة دولية ذات طابع نفعي، وإرادات تفرض نفسها بالابتزاز والإكراه، ولا يعني أنه قانوني وشرعي.

اقرأ/ي أيضًا: جرائم لا يحاسب عليها القانون

على القادة الفلسطينيين والعرب وقف استخدام هذا الخطاب واستخدام التعبير القانوني الحقيقي المُعبر عن الواقع وهو الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني في أرض وطنه.. هذا هو التعبير الواجب التكرار فقط، لأن الدول تستمدُ شرعيتها من تاريخها وحقوقها الطبيعية، لا من الغرباء أصحاب الأجندات والمصالح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إن آن لأوسلو أن تنتهي

فلسطين كاملة: من المستحيل إلى الممكن