في انتظار

في انتظار "28 يناير".. في انتظار الثورة

مواجهات قرب القصر العيني في القاهرة، في 28 كانون الثاني/يناير 2011

في الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى يوم 25 كانون الثاني/ يناير القادم من أجل العودة المنتظرة للثورة على نظام السيسي، يأتي على الخاطر فورًا يوم 28 كانون الثاني/ يناير، وإن تأتي ذكراه هذا العام ممزوجة بالمرارة والحزن، فلولا هذا اليوم لكانت ثورة "25 يناير" لا تعدو كونها مجرد مظاهرة كبيرة. 

لولا يوم "28 يناير" لكانت ثورة "25 يناير" لا تعدو عن كونها مجرد مظاهرة كبيرة

28 كانون الثاني/ يناير، أو ما عرف بـ"جمعة الغضب"، أو "جمعة الشهداء".. كان اليوم الذي نام فيه الثوار وصحوا ليجدوا البلد كلها من أقصاها لأقصاها مشتعلة، والداخلية "انسحبت" لمفاجأة الكل، حتى لمن دعوا ليوم 25 نفسه اقتداء بثورة تونس مثل "كفاية" و"6 أبريل" و"الإشتراكيون الثوريون" و"الجمعية الوطنية للتغيير" وغيرها.

ارتاب الجميع من يوم 28 وعلى رأسهم الدولة، لأن جمهوره المجهول غير المسيس وإسلوبه الصدامي العنيف شكّل مصدر خطر وتهديد كبير للنظام وللطبقة الرأسمالية المسيرة لإعلام واقتصاد الدولة النيوليبيرالي. تلك الدولة ذات المخزون الثمين من العملة الصعبة والأرواح والعمالة الرخيصة، لا تحب ولا تعترف بيوم 28، وإن اعترفت مرغمة بثورة "25 يناير" رغم كل محاولات التشويه.

28 كانون الثاني/ يناير هو الغضب الشعبي، اقتحام وإشعال المقرات والأقسام والمولات والمنشآت العامة. هو معظم الشهداء، هو نقاط الاحتكاك، النار والدخان، المتاريس، الاحتماء من الموت بصناديق القمامة، الهتافات الخارجة من عمق القهر: "حكومة وسخة يا ولاد الوسخة"، الترامادول، الرعب، الأدرينالين، المولوتوف، خشونة وفدائية سكان العشوائيات والأحياء الشعبية، هو انقطاع الإنترنت، هو مشاهد اليوتيوب الدامية 18+ التي يكرهها النظام وطبقته الحاكمة.

أما "25 يناير" الرسمية الوردية السلمية العائلية، المحتفى بها دستوريًا وإعلاميًا ودوليًا، والتي يستسيغها إلى حد ما النظام العسكري ورجال الإعمال، فهي ميدان التحرير لـ18 يومًا لأجل إسقاط مبارك، وهي تويتر وفيسبوك، والمظاهرات السلمية، وأعلام مصر واللافتات الملونة، وأون تي في، وباسم يوسف وكايرو كي، والبالونات، وأراجوزات شد انتباه الكاميرات المشهورة، وهي الطبقة المتعلمة المتوسطة التى تريد أن تقضي يومًا ثوريًا جميلًا ثم تعود إلى البيت لتكمل حياتها.

ما زاد من الشرخ بين "ثوار 28 يناير" و"متظاهري التحرير" -إذا أمكن هذا التفريق في إسلوب المقاومة المدنية- هو دخول الإعلام المحلي والعالمي على المشهد، فالكثير من ثوار 28 يناير لا يستطيعون أن يكمل جملة مفيدة بالعامية فما بالك بالفصحى؟ لذلك تم الدفع بالكوادر المتمرسة سياسيًا وليس ميدانيًا من أجل التحدث مع الإعلام وتكوين الائتلافات الثورية لتكون بمثابة واجهة رسمية للثورة الشعبية، يمكن للسلطة التحدث معها وتطويعها، بينما أنف الكثير من الثوار الميدانيين، الذين بذلوا التضحيات الأكبر، من الدخول في عهر هذا التسابق الإعلامي للظهور من أجل التحدث باسم الثورة.

يوم 28" يناير" هو يوم الغضب وتاشهداء، ومشاهد يوتيوب الدامية + 18 لتي يكرهها النظام وطبقته الحاكمة

لذلك كله انقلب على ثوار 28 يناير الجميع، بما فيهم بعض "شباب الثورة" سواء بوعي أو بدون، حين تم إيثار السلمية على العنف من بعض الحركات والائتلافات الثورية، ما أدى في ما بعد  إلى وصف ثوار 28 يناير الذين اقتحموا وأحرقوا أقسام الداخلية في المحافظات والأحياء الشعبية، بالبلطجية من قبل الدولة. وتم قتلهم مرتين، جسديًا من قبل الداخلية والعسكر، ومعنويًا حين رفضت المحكمة التي برأت مبارك في 2015 أن تحتسبهم من الشهداء، فتقلص عدد شهداء الثورة المصرية "الرسمية" من قرابة 2000 شهيد و2000 مفقود في 2011، إلى 200 شهيد فقط. 

تسبب كل ذلك في تحييد ما يمكن أن نسميه بـ"الجناح المسلح" لثورة 25 يناير، وتركت المظاهرات السلمية تطلب من النظام تغيير النظام. وهذا كان السبب الأساسي في الالتفاف على الثورة وتدجينها من قبل المجلس العسكري، بعد فقدان ورقة ضغط 28 يناير. ويتساءل البعض على أي حال سيعود يوم 25 يناير المقبل بعد الغدر بهذا الجناح من قبل الأعداء وقبلهم الرفاق. هل سيكون كملحمة محمد محمود التي كان فيها بضعة آلاف يُقتل منهم مئات في ذلك الشارع الضيق، كما وصفه مرسي. خصوصًا و"الثورة" المقبولة بالنسبة الى المجلس العسكري أو الإخوان أو حزب النور السلفي، أصبحت كما الذهاب إلى رحلة مدرسية للقناطر على طريقة كليبات صفاء أبو السعود الاستعراضية. لا عجب، إذن، أن المجلس العسكري ومؤيدوه اعتبروا مظاهرة 30 يونيو ثورة.

لا بد من غليان شعبي كبير من أجل يوم "28 يناير" جديد، وكل المؤشرات في الشارع  تدل على تواجده واقتراب انفجاره، في 25 كانون الثاني/ يناير أو الذي بعده... لننتظر ونرى، علمًا بأن الناس لا تريد  بديلًا إسلاميًا أو عسكريًا.

اقرأ/ي أيضًا:

هل يستمر فيلم الرعب؟

عثرات أوقعت بالثورة المصرية