في المنفى السوري.. الموت عزلةً أو اغتيالًا

في المنفى السوري.. الموت عزلةً أو اغتيالًا

مخيم لاجئين في ألمانيا
  • إلى أرواح الذين قضوا في الغربة مكرهين. إلى فدوى ومي وأحمد وصلاح وسمر. إلى مئات السوريين الذين كان حلمهم الموت في الوطن.

 

"الآخرون هم الجحيم" يقول سارتر، لهذا فإن الغرب طوّر كل حضارته للحفاظ على عزلة الفرد وتخفيف التواصل ودرجة الاحتكاك بين أفراد المجتمع إلى أقصى درجة ممكنة، مع الحفاظ على صحته الجسدية والنفسية. وفي حين أمكن دائمًا الحفاظ على مستوى معقول من صحة الشعب الجسدية فإن الصحة النفسية لا يمكن أن تتحقق فقط بوسائل مادية، فلا بد من التواصل الاجتماعي بين الأفراد لضمان صحتهم النفسية، وهو ما يشكل العامل الأكبر في نقض نظرية سارتر العدمية هذه ونقد نظام الغرب الاجتماعي، وعلى كل حال لا يحق لنا نقد نظام اجتماعي نحن لسنا جزءًا منه، ولا نعرف عنه سوى القليل. نظام له مبرراته بالنسبة للمجتمع والظرف الذين ولد فيهما ولأجلهما.

السوريون القادمون من مجتمع متضامن متفاعل، مجتمع العائلة، لم يستطيعوا التأقلم مع نظام الحياة الأوروبي القائم على الفردية

رغم أن لهذا النظام الفردي مبرراته، غير أن السوريين اللاجئين إلى أوروبا هربًا من الحرب والملاحقات الامنية لم يستطيعوا التأقلم معه، فهؤلاء، وأغلبهم نشطاء أو معارضون، جزء منهم جاء وحيدًا دون عائلة أو زوجة أو زوج، يعانون الأمرين في حياتهم الجديدة كشباب وشابات وحيدين ووحيدات.

اقرأ/ي أيضًا: خطاب إلى الأمة الألمانية.. عن الاندماج واللجوء

وحدة النشطاء أو المعارضين السوريين في أوروبا، والأخبار السيئة القادمة كل ساعة من سورية المليئة بذكر الدم والتعذيب والدمار والاغتصاب والمجازر الجماعية، وكذلك عدم انخراطهم في سوق العمل بسبب كبر سن البعض، أو كونهم لم يجدوا عملًا يناسب اختصاصاتهم أو مؤهلاتهم أو عملهم السابق في سوريا، يدفعهم لمزيد من الاكتئاب فيصابون بمزيد من الأمراض، قلبية أو سرطانية، خصوصًا أن نوعية الغذاء والشراب التي يتناولونها غير صحية، وفي حالات عديدة توصلهم للموت قهرًا أو في ظروف غامضة دون أن ننسى إمكانية تعرض بعضهم للاغتيال بالسم أو بالغاز، كما افترض نشطاء متأثرين بقضية محاولة اغتيال معارض روسي وابنته في بريطانيا، أو بافتراض وجود حقن مدمرة للجسم تحيله إلى الموت البطيء، في وفاة كل من الفنانة المعارضة فدوى سليمان العام الفائت، والفنانة المعارضة مي سكاف قبل أيام، وكلتاهما توفيتا في فرنسا .

بعيدًا عن احتمالات القتل والاغتيال، وهي استثنائية على الأغلب، نعود إلى القول إن الأوروبي يعيش منعزلًا في العموم، فالنظام الاجتماعي فردي هناك، وقد تعامل الإنسان الغربي مع الأمر وطوّر خبرات عملية لمواجهة الوحدة، منها إشغال نفسه بالقراءة والرسم والعزف، أو ارتياد السينما والمسرح وممارسة رياضة الركض والمشي، والانتساب إلى نواد رياضية أو فنية أو اجتماعية، أو نواد أو غروبات للتجوال والسفر، وأخيرًا حين لا يفلح الأمر يلجأ إلى المشارب والبارات.

لكن السوريين القادمين من مجتمع متضامن متفاعل، مجتمع العائلة، لم يستطيعوا التأقلم مع نظام الحياة الأوروبي القائم على الفردية والعزلة وعدم التواصل الاجتماعي إلا بحدوده الدنيا، في العمل مثلًا، كما أنه غير معتاد على أي من تلك النشاطات سابقة الذكر، سواء الثقافية أو الرياضية، فلقد حاربت الدكتاتورية وقوى الفساد جميع الوسائل الثقافية، كما لم يراع هذا النظام طبيعة السوريين فزجهم عنوة في النظام الأوروبي، دون أي اعتبار لخصوصيتهم كسوريين عرب.. شرقيين.. مسلمين عمومًا، الإسلام كثقافة وليس كدين، ولهذا فالسوري أيًا كان دينه ينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية؛ فكانت النتيجة تفشي الاكتئاب والإحباط واليأس والأمراض.

حاول كثير من الشباب التأقلم مع النظام الأوروبي، ليس لشيء سوى مكافحة العزلة والشعور القاتل بالوحدة، فلجأوا الى الطريقة الأسهل التي لا يستخدمها الأوروبي إلا حين تغلق في وجهه كل السبل. لجأوا إلى الكحول كعلاج، لكن الكحول بعد سنوات من تناولها ستؤدي الى أمراض مثل الضغط والسكري وتصلب الشرايين، وغالبًا الى مزيد من التعب والبؤس النفسي والجسدي، لا سيما إذا كانت نوعية الغذاء غير صحية وتعتمد أساسًا على اللحوم والأجبان.

لمواجهة ذلك، اقترح صديق متمرس في الوحدة والعزلة على الوحيدين، وكل الذين يواجهون عزلة اضطرارية، أن يقتنوا في بيوتهم بعض الحيوانات الأليفة: قطة أو سلحفاة أو سنجاب أو ببغاء... إلخ، واقتناء حيوان أليف يندرج ضمن ما يسمى اليوم بالبيت البيئي، واقترح آخر تقنية التحدث بصوت مسموع مع الذات أو مع الأشياء والحيوانات، أو حتى مع الأزهار التي يمكن اقتناؤها في المنزل.

كلاجئ سوري لن أنسى أبدًا الأيام الطويلة التي قضيتها في كامب اللجوء وحيدًا لشهور عديدة، في وضع نفسي بائس

اقترح أصدقاء آخرون إقامة نواد أو مقاهٍ سورية في كل مدينة أو بلدة أو منطقة، يتواجد فيها سوريون، لتكون مكانًا وبيئة لتواصل وعلاج طبيعي نفسي للأفراد الوحيدين، غير أن آخرين يعتقدون أن هذا الحل مستحيل في ظل تعنت دوائر الجوب سنتر (مركز العمل)، المؤسسة التي تضع شروطًا تعجيزية أو حججًا تحول دون تأسيس أندية اجتماعية، ومن تلك الحجج مسألة الاندماج وعدم الرغبة في نشوء تجمعات مستقلة للاجئين، لكن هذا الاعتبار والحجة فيما يبدو يخص السوريين فحسب، فاليونانيون والطليان والأتراك والمغاربة واللبنانيون لديهم منتدياتهم ومقاهيهم ونواديهم، فلماذا لا يكون هذا الأمر متاحًا للسوريين؟

اقرأ/ي أيضًا: عشق الشرق الشرير.. أو الغرب المغرم بالإسلام السلبي

لكن سوريين كثرًا وجدوا الحل لعزلتهم ووحدتهم في الصلاة، أو في قليل من التدين والانضمام الى صلاة الجمعة في المساجد التركية أو المغربية. وفي ألمانيا لجأ بعض الشباب السوري درءًا لاحتمالات الارتكاس النفسي أو "الموت" بالاكتئاب إلى تكوين مجموعة تواصل على الواتساب اسموها "كيفك"، تجمع الشباب لاسيما جيل العشرينات الذين يعيشون في الكامبات، أو في أماكن بعيدة، أو ليس لديهم أصدقاء ومعارف سوريين. تنهض المجموعة على فكرة تواصل بسيطة جدًا، بحيث يقوم هؤلاء كل منهم على حدة بالاتصال صباح كل يوم بأفراد المجموعة فردًا فردًا للاطمئنان على صحتهم، أو لفتح دردشة صوتية سريعة.

كلاجئ سوري لن أنسى أبدًا الأيام الطويلة التي قضيتها في كامب اللجوء وحيدًا لشهور عديدة، في وضع نفسي بائس، دون إمكانية للتواصل مع أي سوري أو عربي قريب من نطاق اهتمامي السياسي أو الثقافي أستطيع أن أبدأ معه حديثًا. ولن أنسى ذلك الشاب السوري الذي اتصل بي مرة راجيًا درجة البكاء أن يلتقيني ليحدثني عن همومه وغربته التي دمرت روحه، وحين التقيته تبيّن لي أنه يحتاج لمجرد شخص سوري يتحدث معه ويحاوره ويرشده إلى حل لهذه العزلة، التي تفترسنا جميعا وتحيلنا إلى هياكل تقطنها أرواح مرهقة.

الآخرون هم الجحيم، وفي الوطن جحيم، فأين المفر؟ يقول لاجئ سوري في سره فيهجم الاكتئاب ويتحول إلى شبه جثة وروح تتفسخ في الوحدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التحول من الإنسان إلى الفرد

المنفى في صمته